منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    امير الشعراء

    شاطر

    ????
    زائر

    امير الشعراء

    مُساهمة  ???? في الإثنين ديسمبر 28, 2009 1:06 pm

    نبذة عن حياة الشاعر
    أحمد شوقي

    أحمد شوقي.. أمير الشعراء
    كان الشعر العربي على موعد مع القدر ، ينتظر من يأخذ بيده ، ويبعث فيه روحًا جديدة تبث فيه الحركة والحياة ، وتعيد له الدماء في الأوصال ، فتتورد وجنتاه نضرة وجمالاً بعد أن ظل قرونًا عديدة واهن البدن ، خامل الحركة ، كليل البصر .

    وشاء الله أن يكون " البارودي " هو الذي يعيد الروح إلى الشعر العربي ، ويلبسه أثوابًا قشيبة ، زاهية اللون ، بديعة الشكل والصورة ، ويوصله بماضيه التليد ، بفضل موهبته الفذة وثقافته الواسعة وتجاربه الغنية .

    ولم يشأ الله تعالى أن يكون البارودي هو وحده فارس الحلبة ونجم عصره - وإن كان له فضل السبق والريادة - فلقيت روحه الشعرية الوثابة نفوسًا تعلقت بها ، فملأت الدنيا شعرًا بكوكبة من الشعراء من أمثال : إسماعيل صبري ، وحافظ إبراهيم ، وأحمد محرم ، وأحمد نسيم ، وأحمد الكاشف ، وعبد الحليم المصري . وكان أحمد شوقي هو نجم هذه الكوكبة وأميرها بلا منازع عن رضي واختيار ، فقد ملأ الدنيا بشعره ، وشغل الناس ، وأشجى القلوب .



    المولد والنشأة



    ولد أحمد شوقي بحي الحنفي بالقاهرة في (20 من رجب 1287 هـ = 16 من أكتوبر 1870م) لأب شركسي وأم من أصول يونانية ، وكانت جدته لأمه تعمل وصيفة في قصر الخديوي إسماعيل ، وعلى جانب من الغنى والثراء ، فتكفلت بتربية حفيدها ونشأ معها في القصر ، ولما بلغ الرابعة من عمره التحق بكُتّاب الشيخ صالح ، فحفظ قدرًا من القرآن وتعلّم مبادئ القراءة والكتابة ، ثم التحق بمدرسة المبتديان الابتدائية، وأظهر فيها نبوغًا واضحًا كوفئ عليه بإعفائه من مصروفات المدرسة ، وانكب على دواوين فحول الشعراء حفظًا واستظهارًا ، فبدأ الشعر يجري على لسانه .

    وبعد أن أنهى تعليمه بالمدرسة وهو في الخامسة عشرة من عمره التحق بمدرسة الحقوق سنة (1303هـ = 1885م) ، وانتسب إلى قسم الترجمة الذي قد أنشئ بها حديثًا ، وفي هذه الفترة بدأت موهبته الشعرية تلفت نظر أستاذه الشيخ " محمد البسيوني " ، ورأى فيه مشروع شاعر كبير، فشجّعه ، وكان الشيخ بسيوني يُدّرس البلاغة في مدرسة الحقوق ويُنظِّم الشعر في مدح الخديوي توفيق في المناسبات ، وبلغ من إعجابه بموهبة تلميذه أنه كان يعرض عليه قصائده قبل أن ينشرها في جريدة الوقائع المصرية ، وأنه أثنى عليه في حضرة الخديوي ، وأفهمه أنه جدير بالرعاية ، وهو ما جعل الخديوي يدعوه لمقابلته .




    السفر إلى فرنسا
    وبعد عامين من الدراسة تخرّج من المدرسة ، والتحق بقصر الخديوي توفيق ، الذي ما لبث أن أرسله على نفقته الخاصة إلى فرنسا ، فالتحق بجامعة " مونبلييه " لمدة عامين لدراسة القانون، ثم انتقل إلى جامعة باريس لاستكمال دراسته حتى حصل على إجازة الحقوق سنة (1311هـ = 1893م) ، ثم مكث أربعة أشهر قبل أن يغادر فرنسا في دراسة الأدب الفرنسي دراسة جيدة ومطالعة إنتاج كبار الكتاب والشعر .

    العودة إلى مصر
    عاد شوقي إلى مصر فوجد الخديوي عباس حلمي يجلس على عرش مصر ، فعيّنه بقسم الترجمة في القصر ، ثم ما لم لبث أن توثَّقت علاقته بالخديوي الذي رأى في شعره عونًا له في صراعه مع الإنجليز ، فقرَّبه إليه بعد أن ارتفعت منزلته عنده ، وخصَّه الشاعر العظيم بمدائحه في غدوه ورواحه ، وظل شوقي يعمل في القصر حتى خلع الإنجليز عباس الثاني عن عرش مصر ، وأعلنوا الحماية عليها سنة (1941م) ، وولّوا حسين كامل سلطنة مصر ، وطلبوا من الشاعر مغادرة البلاد ، فاختار النفي إلى برشلونة في أسبانيا ، وأقام مع أسرته في دار جميلة تطل على البحر المتوسط .

    شعره في هذه الفترة
    ودار شعر شوقي في هذه الفترة التي سبقت نفيه حول المديح ؛ حيث غمر الخديوي عباس حلمي بمدائحه والدفاع عنه ، وهجاء أعدائه ، ولم يترك مناسبة إلا قدَّم فيها مدحه وتهنئته له ، منذ أن جلس على عرش مصر حتى خُلع من الحكم ، ويمتلئ الديوان بقصائد كثيرة من هذا الغرض .

    ووقف شوقي مع الخديوي عباس حلمي في صراعه مع الإنجليز ومع من يوالونهم ، لا نقمة على المحتلين فحسب ، بل رعاية ودفاعًا عن ولي نعمته كذلك ، فهاجم رياض باشا رئيس النُظّار حين ألقى خطابًا أثنى فيه على الإنجليز وأشاد بفضلهم على مصر ، وقد هجاه شوقي بقصيدة عنيفة جاء فيها :
    غمرت القوم إطراءً وحمدًا @@@ وهم غمروك بالنعم الجسام
    خطبت فكنت خطبًا لا خطيبًا @@@ أضيف إلى مصائبنا العظام
    لهجت بالاحتلال وما أتاه @@@ وجرحك منه لو أحسست دام
    وبلغ من تشيعه للقصر وارتباطه بالخديوي أنه ذمَّ أحمد عرابي وهجاه بقصيدة موجعة ، ولم يرث صديقه مصطفى كامل إلا بعد فترة ، وكانت قد انقطعت علاقته بالخديوي بعد أن رفع الأخير يده عن مساندة الحركة الوطنية بعد سياسة الوفاق بين الإنجليز والقصر الملكي ؛ ولذلك تأخر رثاء شوقي بعد أن استوثق من عدم إغضاب الخديوي ، وجاء رثاؤه لمصطفى كامل شديد اللوعة صادق الأحزان ، قوي الرنين ، بديع السبك والنظم، وإن خلت قصيدته من الحديث عن زعامة مصطفى كامل وجهاده ضد المستعمر ، ومطلع القصيدة :
    المشرقان عليك ينتحبان @@@ قاصيهما في مأتم والدان
    يا خادم الإسلام أجر مجاهد @@@ في الله من خلد ومن رضوان
    لمّا نُعيت إلى الحجاز مشى الأسى @@@ في الزائرين وروّع الحرمان
    وارتبط شوقي بدولة الخلافة العثمانية ارتباطًا وثيقًا ، وكانت مصر تابعة لها، فأكثر من مدح سلطانها عبد الحميد الثاني ؛ داعيًا المسلمين إلى الالتفات حولها ؛ لأنها الرابطة التي تربطهم وتشد من أزرهم ، فيقول :
    أما الخلافة فهي حائط بيتكم @@@ حتى يبين الحشر عن أهواله
    لا تسمعوا للمرجفين وجهلهم @@@ فمصيبة الإسلام من جهالة
    ولما انتصرت الدولة العثمانية في حربها مع اليونان سنة (1315هـ = 1987م) كتب مطولة عظيمة بعنوان " صدى الحرب " ، أشاد فيها بانتصارات السلطان العثماني ، واستهلها بقوله :
    بسيفك يعلو والحق أغلب @@@ وينصر دين الله أيان تضرب

    وهي مطولة تشبه الملاحم ، وقد قسمها إلى أجزاء كأنها الأناشيد في ملحمة ، فجزء تحت عنوان " أبوة أمير المؤمنين " ، وآخر عن " الجلوس الأسعد " ، وثالث بعنوان " حلم عظيم وبطش أعظم " . ويبكي سقوط عبد الحميد الثاني في انقلاب قام به جماعة الاتحاد والترقي ، فينظم رائعة من روائعه العثمانية التي بعنوان " الانقلاب العثماني وسقوط السلطان عبد الحميد " ، وقد استهلها بقوله :
    سل يلدزا ذات القصور @@@ هل جاءها نبأ البدور
    لو تستطيع إجابة @@@ لبكتك بالدمع الغزير

    ولم تكن صلة شوقي بالترك صلة رحم ولا ممالأة لأميره فحسب ، وإنما كانت صلة في الله ، فقد كان السلطان العثماني خليفة المسلمين ، ووجوده يكفل وحدة البلاد الإسلامية ويلم شتاتها ، ولم يكن هذا إيمان شوقي وحده ، بل كان إيمان كثير من الزعماء المصريين .

    وفي هذه الفترة نظم إسلامياته الرائعة ، وتعد قصائده في مدح الرسول - r - من أبدع شعره قوة في النظم ، وصدقًا في العاطفة، وجمالاً في التصوير ، وتجديدًا في الموضوع ، ومن أشهر قصائده " نهج البردة " التي عارض فيها البوصيري في بردته ، وحسبك أن يعجب بها شيخ الجامع الأزهر آنذاك محدث العصر الشيخ " سليم البشري " فينهض لشرحها وبيانها . يقول في مطلع القصيدة :
    ريم على القاع بين البان والعلم @@@ أحل سفك دمي في الأشهر الحرم
    ومن أبياتها في الرد على مزاعم المستشرقين الذين يدعون أن الإسلام انتشر بحد السيف :
    قالوا غزوت ورسل الله ما بعثوا @@@ لقتل نفس ولا جاءوا لسفك دم
    جهل وتضليل أحلام وسفسطة @@@ فتحت بالسيف بعد الفتح بالقلم
    ويلحق بنهج البردة قصائد أخرى ، مثل : الهمزية النبوية ، وهي معارضة أيضًا للبوصيري ، وقصيدة ذكرى المولد التي مطلعها :
    سلوا قلبي غداة سلا وتابا @@@ لعل على الجمال له عتابًا

    كما اتجه شوقي إلى الحكاية على لسان الحيوان ، وبدأ في نظم هذا الجنس الأدبي منذ أن كان طالبًا في فرنسا ؛ ليتخذ منه وسيلة فنية يبث من خلالها نوازعه الأخلاقية والوطنية والاجتماعية ، ويوقظ الإحساس بين مواطنيه بمآسي الاستعمار ومكائده .

    وقد صاغ شوقي هذه الحكايات بأسلوب سهل جذاب ، وبلغ عدد تلك الحكايات 56 حكاية ، نُشرت أول واحدة منها في جريدة " الأهرام " سنة (1310هـ = 1892م ) ، وكانت بعنوان " الهندي والدجاج " ، وفيها يرمز بالهندي لقوات الاحتلال وبالدجاج لمصر .

    النفي إلى أسبانيا
    وفي الفترة التي قضاها شوقي في أسبانيا تعلم لغتها ، وأنفق وقته في قراءة كتب التاريخ ، خاصة تاريخ الأندلس ، وعكف على قراءة عيون الأدب العربي قراءة متأنية ، وزار آثار المسلمين وحضارتهم في اشبيلية وقرطبة وغرناطة .

    وأثمرت هذه القراءات أن نظم شوقي أرجوزته " دول العرب وعظماء الإسلام " ، وهي تضم 1400 بيت موزعة على (24) قصيدة ، تحكي تاريخ المسلمين منذ عهد النبوة والخلافة الراشدة ، على أنها رغم ضخامتها أقرب إلى الشعر التعليمي ، وقد نُشرت بعد وفاته .
    وفي المنفى اشتد به الحنين إلى الوطن وطال به الاشتياق وملك عليه جوارحه وأنفاسه . ولم يجد من سلوى سوى شعره يبثه لواعج نفسه وخطرات قلبه ، وظفر الشعر العربي بقصائد تعد من روائع الشعر صدقًا في العاطفة وجمالاً في التصوير ، لعل أشهرها قصيدته التي بعنوان " الرحلة إلى الأندلس " ، وهي معارضة لقصيدة البحتري التي يصف فيها إيوان كسرى ، ومطلعها :
    صنت نفسي عما يدنس نفسي @@@ وترفعت عن جدا كل جبس

    وقد بلغت قصيدة شوقي (110) أبيات تحدّث فيها عن مصر ومعالمها ، وبثَّ حنينه وشوقه إلى رؤيتها ، كما تناول الأندلس وآثارها الخالدة وزوال دول المسلمين بها ، ومن أبيات القصيدة التي تعبر عن ذروة حنينه إلى مصر قوله :
    أحرام على بلابله الدوح @@@ حلال للطير من كل جنس
    وطني لو شُغلت بالخلد عنه @@@ نازعتني إليه في الخلد نفسي
    شهد الله لم يغب عن جفوني @@@ شخصه ساعة ولم يخل حسي

    العودة إلى الوطن
    عاد شوقي إلى الوطن في سنة (1339 هـ = 1920م ) ، و استقبله الشعب استقبالاً رائعًا واحتشد الآلاف لتحيته ، وكان على رأس مستقبليه الشاعر الكبير " حافظ إبراهيم " ، وجاءت عودته بعد أن قويت الحركة الوطنية واشتد عودها بعد ثورة 1919 م ، وتخضبت أرض الوطن بدماء الشهداء ، فمال شوقي إلى جانب الشعب ، وتغنَّى في شعره بعواطف قومه وعبّر عن آمالهم في التحرر والاستقلال والنظام النيابي والتعليم ، ولم يترك مناسبة وطنية إلا سجّل فيها مشاعر الوطن وما يجيش في صدور أبنائه من آمال .

    لقد انقطعت علاقته بالقصر واسترد الطائر المغرد حريته ، وخرج من القفص الذهبي ، وأصبح شاعر الشعب المصري وترجمانه الأمين ، فحين يرى زعماء الأحزاب وصحفها يتناحرون فيما بينهم ، والمحتل الإنجليزي لا يزال جاثم على صدر الوطن ، يصيح فيهم قائلاً :
    إلام الخلف بينكم إلاما ؟ @@@ وهذي الضجة الكبرى علاما ؟
    وفيم يكيد بعضكم لبعض @@@ وتبدون العداوة والخصاما ؟
    وأين الفوز ؟ لا مصر استقرت @@@ على حال ولا السودان داما

    ورأى في التاريخ الفرعوني وأمجاده ما يثير أبناء الشعب ويدفعهم إلى الأمام والتحرر ، فنظم قصائد عن النيل والأهرام وأبي الهول . ولما اكتشفت مقبرة توت عنخ آمون وقف العالم مندهشًا أمام آثارها المبهرة ، ورأى شوقي في ذلك فرصة للتغني بأمجاد مصر ؛ حتى يُحرِّك في النفوس الأمل ويدفعها إلى الرقي والطموح ، فنظم قصيدة رائعة مطلعها :
    قفي يا أخت يوشع خبرينا @@@ أحاديث القرون الغابرينا
    وقصي من مصارعهم علينا @@@ ومن دولاتهم ما تعلمينا

    وامتد شعر شوقي بأجنحته ليعبر عن آمال العرب وقضاياهم ومعاركهم ضد المستعمر، فنظم في " نكبة دمشق " وفي " نكبة بيروت " وفي ذكرى استقلال سوريا وذكرى شهدائها ، ومن أبدع شعره قصيدته في " نكبة دمشق " التي سجّل فيها أحداث الثورة التي اشتعلت في دمشق ضد الاحتلال الفرنسي، ومنها :
    بني سوريّة اطرحوا الأماني @@@ وألقوا عنكم الأحلام ألقوا
    وقفتم بين موت أو حياة @@@ فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا
    وللأوطان في دم كل حرٍّ @@@ يد سلفت ودين مستحقُّ
    وللحرية الحمراء باب @@@ بكل يد مضرجة يُدَقُّ

    ولم تشغله قضايا وطنه عن متابعة أخبار دولة الخلافة العثمانية ، فقد كان لها محبًا عن شعور صادق وإيمان جازم بأهميتها في حفظ رابطة العالم الإسلامي ، وتقوية الأواصر بين شعوبه ، حتى إذا أعلن " مصطفى كمال أتاتورك " إلغاء الخلافة سنة 1924 وقع الخبر عليه كالصاعقة ، ورثاها رثاءً صادقًا في قصيدة مبكية مطلعها :
    عادت أغاني العرس رجع نواح @@@ ونعيت بين معالم الأفراح
    كُفنت في ليل الزفاف بثوبه @@@ ودفنت عند تبلج الإصباح
    ضجت عليك مآذن ومنابر @@@ وبكت عليك ممالك ونواح
    الهند والهة ومصر حزينة @@@ تبكي عليك بمدمع سحَّاح

    إمارة الشعر
    أصبح شوقي بعد عودته شاعر الأمة المُعبر عن قضاياها ، لا تفوته مناسبة وطنية إلا شارك فيها بشعره ، وقابلته الأمة بكل تقدير وأنزلته منزلة عالية ، وبايعه شعراؤها بإمارة الشعر سنة ( 1346هـ = 1927م ) في حفل أقيم بدار الأوبرا بمناسبة اختياره عضوًا في مجلس الشيوخ ، وقيامه بإعادة طبع ديوانه "الشوقيات " . وقد حضر الحفل وفود من أدباء العالم العربي وشعرائه ، وأعلن حافظ إبراهيم باسمهم مبايعته بإمارة الشعر قائلاً :
    بلابل وادي النيل بالشرق اسجعي @@@ بشعر أمير الدولتين ورجِّعي
    أعيدي على الأسماع ما غردت به @@@ براعة شوقي في ابتداء ومقطع
    أمير القوافي قد أتيت مبايعًا @@@ وهذي وفود الشرق قد بايعت معي




    مسرحيات شوقي


    أحمد شوقي و سعد زغلول
    بلغ أحمد شوقي قمة مجده ، وأحس أنه قد حقق كل أمانيه بعد أن بايعه شعراء العرب بإمارة الشعر ، فبدأ يتجه إلى فن المسرحية الشعرية ، وكان قد بدأ في ذلك أثناء إقامته في فرنسا لكنه عدل عنه إلى فن القصيد .
    وأخذ ينشر على الناس مسرحياته الشعرية الرائعة ، استمد اثنتين منها من التاريخ المصري القديم ، وهما : " مصرع كليوباترا " و " قمبيز " ، والأولى منهما هي أولى مسرحياته ظهورً ، وواحدة من التاريخ الإسلامي هي " مجنون ليلى " ، ومثلها من التاريخ العربي القديم هي " عنترة " ، وأخرى من التاريخ المصري العثماني وهي " علي بك الكبير " ، وله مسرحيتان هزليتان، هما : " الست هدي " ، و " البخيلة " .

    ولأمر غير معلوم كتب مسرحية " أميرة الأندلس " نثرًا ، مع أن بطلها أو أحد أبطالها البارزين هو الشاعر المعتمد بن عباد .

    وقد غلب الطابع الغنائي والأخلاقي على مسرحياته ، وضعف الطابع الدرامي ، وكانت الحركة المسرحية بطيئة لشدة طول أجزاء كثيرة من الحوار ، غير أن هذه المآخذ لا تُفقِد مسرحيات شوقي قيمتها الشعرية الغنائية ، ولا تنفي عنها كونها ركيزة الشعر الدرامي في الأدب العربي الحديث .


    مكانة شوقي
    منح الله شوقي موهبة شعرية فذة ، وبديهة سيالة ، لا يجد عناء في نظم القصيدة ، فدائمًا كانت المعاني تنثال عليه انثيالاً وكأنها المطر الهطول ، يغمغم بالشعر ماشيًا أو جالسًا بين أصحابه ، حاضرًا بينهم بشخصه غائبًا عنهم بفكره ؛ ولهذا كان من أخصب شعراء العربية ؛ إذ بلغ نتاجه الشعري ما يتجاوز ثلاثة وعشرين ألف بيت وخمسمائة بيت ، ولعل هذا الرقم لم يبلغه شاعر عربي قديم أو حديث .

    وكان شوقي مثقفًا ثقافة متنوعة الجوانب ، فقد انكب على قراءة الشعر العربي في عصور ازدهاره ، وصحب كبار شعرائه ، وأدام النظر في مطالعة كتب اللغة والأدب ، وكان ذا حافظة لاقطة لا تجد عناء في استظهار ما تقرأ ؛ حتى قيل بأنه كان يحفظ أبوابًا كاملة من بعض المعاجم ، وكان مغرمًا بالتاريخ يشهد على ذلك قصائده التي لا تخلو من إشارات تاريخية لا يعرفها إلا المتعمقون في دراسة التاريخ ، وتدل رائعته الكبرى " كبار الحوادث في وادي النيل " التي نظمها وهو في شرخ الشباب على بصره بالتاريخ قديمة وحديثه .

    وكان ذا حس لغوي مرهف وفطرة موسيقية بارعة في اختيار الألفاظ التي تتألف مع بعضها لتحدث النغم الذي يثير الطرب ويجذب الأسماع ، فجاء شعره لحنًا صافيًا ونغمًا رائعًا لم تعرفه العربية إلا لقلة قليلة من فحول الشعراء .

    وإلى جانب ثقافته العربية كان متقنًا للفرنسية التي مكنته من الإطلاع على آدابها والنهل من فنونها والتأثر بشعرائها ، وهذا ما ظهر في بعض نتاجه وما استحدثه في العربية من كتابة المسرحية الشعرية لأول مرة .

    وقد نظم الشعر العربي في كل أغراضه من مديح ورثاء وغزل ، ووصف وحكمة ، وله في ذلك أوابد رائعة ترفعه إلى قمة الشعر العربي ، وله آثار نثرية كتبها في مطلع حياته الأدبية ، مثل : " عذراء الهند " ، ورواية " لادياس " ، و "ورقة الآس " ، و"أسواق الذهب"، وقد حاكى فيه كتاب " أطواق الذهب " للزمخشري ، وما يشيع فيه من وعظ في عبارات مسجوعة .

    وقد جمع شوقي شعره الغنائي في ديوان سماه " الشوقيات " ، ثم قام الدكتور محمد صبري السربوني بجمع الأشعار التي لم يضمها ديوانه ، وصنع منها ديوانًا جديدًا في مجلدين أطلق عليه " الشوقيات المجهولة " .

    وفاته
    ظل شوقي محل تقدير الناس وموضع إعجابهم ولسان حالهم، حتى إن الموت فاجأه بعد فراغه من نظم قصيدة طويلة يحيي بها مشروع القرش الذي نهض به شباب مصر ، وفاضت روحه الكريمة في ( 13 من جمادى الآخرة = 14 من أكتوبر 1932م )

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 07, 2016 7:26 am