منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم

    شاطر

    ????
    زائر

    بلاغة الرسول صلى الله عليه وسلم

    مُساهمة  ???? في الأربعاء ديسمبر 30, 2009 10:59 am

    البلاغة النبوية عند مصطفى صادق الرافعي :

    أهتم الرافعي بالحديث عن البلاغة النبوية حيث جمع أهم الأصول الخاصة بالبيان النبوي المبثوثة في كتب التراث , وأقام عليها دراسة خصبة واسعة أفاد فيها من كتب السير والحديث وغريبه وكتب الأدب , وتظهر في الكتاب اجتهاداته وتصوراته من خلال البحث والمناقشة والتحري والتحليل , وكان له نمط خاص في التأليف في هذا الباب , يقوم على مزج خصائص كلامه  بأحوال نفسه  , وكأن الرافعي أراد أن يقدم بلاغة النبي  في ثوب جديد لا يشبه كلام الجاحظ ولا الخطابي ولا غيره ممن تحدثوا عن البلاغة وحاول أن يشعر نفس القارئ بهذه البلاغة فتحسها وتتأثر بها وتجد فيها ما يبهر العقل ويخلب القلب ويستولي على النفس .

    وتدور دراسته حول محورين أساسيين :
    الأول الحديث عن القدرة اللغوية الفائقة في بيانه  والكشف عن أسباب ذلك ومقارنتها بقدرات العرب البيانية , وربط صفاته الخلقية ببيانه .
    الثاني : حول كلامه  فيبين أهم سمات بلاغته ويقف عليها , ثم يستخلص منها السمات العامة لأسلوبه  . نعود إلى الأمرين بشي من التفصيل .

    ففي الشق الأول تحدث الرافعي عن فصاحته ويبدو تأثره فيها بالجاحظ واضحا حيث ينقل نصه في البلاغة النبوية كاملا - الذي ذكرناه سابقا وحللناه - فيستخرج منه أهم خصائص أسلوبه وهي خلوه التام من المراجعة والتنقيح , وخروجه على البديهة والارتجال في وقت كان بلغاء قومه يهذبون الكلام ويبيتونه في صدورهم ويتبعونه بالنظر والتقصي , ومع ذلك فقد جاء أسلوبه على أتم وجه من البلاغة والفصاحة لا يتكلف ولا يتزين , يظهر فيه إلهام النبوة ونتاج الحكمة وغاية العقل .....وهذه السمة اتفق عليها كل من تكلم في بلاغته  .

    ثم يستخلص الرافعي أسبابا يرجع إليها هذا البيان النبوي , فيذكر أن منها ما هو توقيف ووحي من الله , ومنها ما هو توفيق يسر الله له سبيله .

    الأول : علمه بلهجات القبائل العربية , وهذه ينفرد بمعرفتها أصحابها , فلا تكاد تجتمع في شخص واحد ؛ لأن لكل لهجة سماتها الخاصة , ورسول الله  قدجمع بين هذه اللهجات , فخاطب كل قوم بلغتهم , وهذا مما لم يتهيأ لغيره صلوات الله عليه إلا بالتعلم أو المخالطة في كل حي من أحياء العرب , وذلك لم يكن منه  , فالعلم بهذه اللهجات توقيف من الله له دون غيره .

    الثاني : قوة الفطرة اللغوية وتمكنه من لغة قريش تمكنا رفعه صلوات الله عليه إلى مرتبة الوضع اللغوي , وهذا غاية سداد الفطرة وقوة الملكة , وهو أمر لم تنطو عليه كثير من الفطر , ولذلك فوجودها نادر عند العرب ولا تكون إلا بالقدرة البارعة المبدعة على التغلغل في اللغة , وهي مرتبة عالية جدا لا يصل إليها إلا القليل , ونجد بعض الشعراء يتحدثون عن هذه القضية , لأنهم أحسوا بهذه المواهب التي ذللت هذا اللسان وفجرت ينابيع الكلام حتى قاربت اللغة من خلالهم مرتبة الكمال .

    الثالث : النشأة اللغوية فقد تقلب  في أفصح قبائل العرب ولادة ثم نشأة ثم متزوجا ثم مهاجرة , وحسبنا قوله في ذلك أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ونشأت في بني سعد .

    ثم يتحدث الرافعي عن صفات الرسول عليه أفضل السلام التي حصل من مجموعها هيئة الكلام فصار متفردا في بلاغته وأسلوبه , وهو في هذه الدراسة يعول على ما دار في زمانه من ربط أحوال كلام المتكلم بأحوال نفسه , وأن كلامه أثر من آثار طبائعه وصفاته , وقد بلغ عليه السلام الذروة فيها وصار مثلا لكمال البيان البشري , ثم يتناول بعض صفاته الخلقية ويبين أثرها على لغته  فالرسول  كان ضليع الفم يفتح الكلام ويختمه بأشداقه , واللغة بطبيعتها تحتاج إلى هذه المزية , لأنها تعطي الكلمات حقها من حيث المخارج وحسن الأداء وجهارة الصوت وإشباع الحروف .

    كما كان  حسن الصوت , والصوت تمام هذه اللغة وحليتها , لأنها تعتمد على الموسيقى والنغم , ولذلك فقد خرجت اللغة من فمه  على أحسن أداء من حيث خفة الوزن وصحة الاعتدال وتمام التساوي . .

    ويبين الرافعي أن هذا المنطق وإن اشترك فيه معه غيره  إلا أن مجيئه على هذا الحد من الكمال مما انفرد به عليه الصلاة والسلام .

    أما المحور الثاني فهو يدور حول خصائص بيانه  , فيتحدث عن الإيجاز وعن تشقيقه اللغة , وعن بيان نسق هذه التراكيب , ثم يستخلص السمات العامة التي توضع تحتها هذه البلاغة . ويسمى حديثه عن الإيجاز باجتماع كلامه وقلته  , ويقول إن الإيجاز في كلامه  هو اجتماع الكلام ودمجه وقوة سبكه مع قلة ألفاظه ووفرة معانيه , ثم خلوه من التكلف واستغراقه في الكشف عن جميع جوانب المعنى , وهو يجري عادة في كل باب من الأبواب التي يروم القول فيها , وهذا لم يتحقق إلا في كلام المصطفى عليه السلام , فالإيجاز يأتي في كلام الناس كافة ولكن الإيجاز المبني على هذه الصفات خاص بالنبي  .

    يقول الرافعي : مبينا ذلك إن اجتماع الكلام وقلة ألفاظه مع اتساع معناه وإحكام أسلوبه في غير تعقيد ولا تكلف مع إبانة المعنى واستغراق أجزائه , وأن يكون ذلك عادة وخلقا يجري عليه الكلام في معنى ومعنى وفي باب باب شي لم يعرف في هذه اللغة لغيره  لأن في ظاهر العادة يستهلك الكلام ويستولي عليه بالكلف ولا يكون أكثر ما يكون إلا باستكراه وتعمل كما يشهد به العيان والأثر .

    والرافعي هنا يقتبس من الجاحظ ولكنه يضيف إليه من فهمه ما يشكل به المسألة تشكيلا يوشك أن يجعلها خالصة له ومنسوبه إليه .

    اقرأ كلام الجاحظ وهو يقول ( هو الكلام الذي قل عدد حروفه وكثر عدد معانيه وجل عن الصنعة ونزه عن التكلف ) .

    ثم قول الرافعي : ( اجتماع الكلام وقلة ألفاظه مع اتساع معناه وإحكام أسلوبه في غير تعقيد ولا تكلف) .

    تجد أنهما سواء في رأس المسألة , تأمل قول الرافعي "قلة ألفاظه مع اتساع معناه" هو قول الجاحظ "قل عدد حروفه وكثر عدد معانيه" وقوله "من غير تعقيد ولا تكلف" هو قول الجاحظ "وجل عن الصنعة ونزه عن التكلف" ثم يقول الرافعي "وإن يكون ذلك عادة وخلقا يجري عليه الكلام في معنى معنى ........"
    وهذا هو استنتاجه وشخصه في الكلام .

    ثم يتحدث الرافعي عن وضعه عليه السلام في اللغة تأثره فيها , فمنه ما يكون في التراكيب ومنه ما يكون في المفردات , وهي كثيرة في بيانه , من ذلك قوله في التراكيب " مات حتف أنفه" "الآن حمى الوطيس. "

    وفي المفردات قوله  لأبي تميمه الهجيمي "إياك والمخيلة" قال : يا رسول الله نحن قوم عرب فما المخيلة؟ قال  : سبل الإزار .

    كما تدخل معها اسماء المصطلحات الشرعية التي لا توجد في القران الكريم , ويبدو تأثر الرافعي بالجاحظ والخطابي في هذه الدراسة واضحا في الألفاظ والمعاني , يقول الرافعي "فلا جرم كان  على حد الكفاية في قدرته على الوضع والتشقيق في الألفاظ وانتزاع المذاهب البيانية حتى اقتضب الفاظا كثيرة لم تسمع من العرب قبله ولم توجد في متقدم كلامها . "

    ويقول الخطابي "ومن فصاحته وحسن بيانه انه قد تكلم بألفاظ اقتضبها لم تسمع من العرب قبله ولم توجد في متقدم كلامها ."
    والشبه واضح بين الكلامين كما ترى .

    ويقول الرافعي "وكلها قد صار مثلا ". ويقول الجاحظ "مما صار مستعملا ومثلا سائرا ويقول الخطابي "في ألفاظ ذات عدة من هذا الباب تجري مجرى الأمثال . "

    ويذكر الرافعي ان الأسماء الشرعية تعد من اشتقاقات المفرد عنده  مقتبسا ذلك من الخطابي تأمل قول الرافعي "فهو كثير تعد منه الأسماء والمصطلحات الشرعية مالم يرد في القران الكريم" وقول الخطابي , وقد يدخل في هذا النوع إحداثه الأسماء الشرعية . وهكذا أفاد الرافعي كثيرا من الجاحظ والخطابي كما ترى واقتباسه من ألفاظهما واضح جدا .

    ويدخل تحته معرفته  بلهجات القبائل التي يعيا بها قومه , وقد حاول الرافعي جاهدا تحليل تلك الفطر السليمة القادرة على خلق البيان وتصريفه على وجوهه ومقارنته بفطرته  وطريقته في الوضع الذي كثر وفاض في بيانه  فهو قد بلغ باللغة الغاية والذروة .

    ثم يعقد الرافعي فصلا خاصا لمعرفة النسق البلاغي لهذه الأساليب عند رسول الله  محللا بعض هذه التراكيب , ذاكرا فيوضات معانيها ويذكر أوصافا لهذه الأساليب تشبه ألفاظ الجاحظ , إلا أن كلام الجاحظ أكثر وضوحا وإبانة , لأن أحكام الرافعي ممزوجة بانطباعاته النفسية حول هذه البلاغة العالية , يصف هذه البلاغة من ثلاث جهات , من جهة اللغة والبيان والحكمة , أي من جهة بناء الجملة , وجهة التصوير البياني فيها , وجهة طابع النبوة والحكمة .

    يقول في أوصاف لغتها " مسدد اللفظ , محكم الوضع , جزل التركيب , متناسب الأجزاء في تأليف الكلام , فخم الجملة , واضح الصلة بين اللفظ ومعناه واللفظ وضريبه في التأليف والنسق , ثم لا ترى فيه حرفا مضطربا , ولا لفظ مستدعاة لمعناها أو مستكرهة عليه , ولا كلمة غيرها أتم منها أداء للمعنى وتأتيا لسره في الاستعمال . "

    وسنحاول شرح بعض هذه الأوصاف على قدر استطاعتنا , فتسديد اللفظ يعني اختيار الكلمات المناسبة للمعنى , وسداد الكلمة هو إصابتها لمعناها , وتناسب الأجزاء في تأليف الكلمات هو تعديل الأجزاء وتناسب الفقر في الطول والقصر ومن حيث النغم وهو قريب من قول الجاحظ ( ولا أعدل وزنا )
    واضح الصلة بين اللفظ وضريبه في التأليف والنسق : أي مناسبة الكلمة لجاراتها في التركيب فلا يقع التنافر والاستكراه , حتى تتلاحم أجزاء الجملة الواحدة , ومرجع ذلك إلى السداد أي وقوع اللفظ موقعه الأسد في الدلالة على المعنى , فلا نجد لفظا أدل على هذا المعنى من اللفظ الذي جاء في كلامه 

    أما أوصاف البيان في أسلوبه  فيقول فيها " ورأيته في الثانية حسن العرض بين الجملة , واضح التفصيل , ظاهر الحدود , جيد الرصف , متمكن المعنى , وساع الحيلة في تعريفه , بديع الإشارة , غريب اللمحة , ناصع البيان , ثم لا ترى فيه إحالة ولا استكراها , ولا ترى اضطرابا ولا خطلا ولا استعانة من عجز , ولا توسعا من ضيق ولا ضعفا من وجه من الوجوه ." فحسن العرض يعني مجي المعنى في أحسن صورة , فصور كلامه  من تشبيهات ومجازات وكنايات ناصعة الدلالة بهية المعرض , يسفر بها المعنى أحسن سفارة , واضح التفصيل أي واضح التفصيل لحقائق البيان , تفيض تراكيبه البيانية بالمعاني الكثيرة والإيحاءات الخفية , واسع الحيلة أي أنه  يحيط بالمعاني من أقرب وجوهها وأيسر طرقها .

    أما وصف البيان النبوي من جهة الحكمة فيقول الرافعي " فيها سمو المعنى وفصل الخطاب وحكمة القول ودنو المأخذ , فهذه الصفات لم يتصف بها إلا البيان النبوي وهي تتعلق بالمعاني في نفسها وأنها وحي من الله , وحكمته تختلف عن حكمة الحكماء , وخطابه يسمو عن خطاب البشر " ثم يبين الرافعي خصائص أهل البيان من الناس ومدى إصابتهم لهذه الصفات , وهل توجد في كلامهم على حد وجودها في كلامه  ؟ ام مهما احكمها أصحابها تكون خالية من تلك الأسرار العميقة والخطرات العالية التي تكون في كلامه  يقول الرافعي " ومن أجل ذلك تقرأ كلام البليغ من الناس فترى الصنعة المحكمة والطبع القوي والصقل البديع وللفظ المؤنق والحكمة الناصعة ولكنك تصيب أكثر ذلك او عامته على وجهه كما هو ليس فيه سر من أسرار البيان ولا دقيقة من أوضاع اللغة .

    انظر إلى الجملة الأخيرة من كلام الرافعي "سر من أسرار البيان ودقيقة من دقائق اللغة" تجد فيها تحديدا للأمر الذي يوجد في كلامه  خاصة ويخلو منه كلام الحكماء .

    ثم يقف الرافعي عند بعض التراكيب البيانية ويحللها ويجتهد في بيان أخفى معانيها , مستعينا في ذلك بكتب غريب الحديث التي تناولتها بالشرح , فيتناول أربعة تراكيب منها ويشرحها ويستنبط وجوه بيانها , فمن هذه التراكيب قوله "هدنة على دخن" وقد ذكر الرافعي ثلاثة وجوه لشرحها يقول "الهدنة الصلح والموادعة والدخن تغير الطعام إذا أصابه الدخان في حال طبخه فأفسد طعمه , هذه العبارة لا يعد لها كلام في معناها , فإن فيها لونا من التصوير البياني لو أذيبت له اللغة كلها ما وفت به , وذلك أن الصلح إنما يكون موادعة ولينا وانصرافا عن الحرب وكفا عن الأذى , وهذه كلها من عواطف القلوب الرحيمة , فإذا بني الصلح على فساد وكان لعلة من العلل غلب ذلك على القلوب فأفسدها حتى لا يسترح غيره من أفعالها , كما يغلب الدخن على الطعام فلا يجد آكله إلا رائحة هذا الدخان والطعام من بعد ذلك مشوب مفسد ثم يذكر الرافعي معنيين آخرين للحديث , فهو بقلب كملة دخن على وجوهها المختلفة حتى يظهر حسن هذا اللون البياني , ويختم الرافعي دراسته ببيان الخصائص العامة لأسلوبه  فيرجعها إلى ثلاثة صفات :

    1- الخلوص :أي أن ينفذ إلى جوهر اللغة وأسرار اللفظ وضعا وتركيبا .
    2- القصد والإيجاز : أي يقصر الألفاظ على ما يحتمله المعنى دون زيادة .
    3- الاستفتاء : أي الإحاطة بالمعاني وحذف فضول الكلام والقدرة على تركيب الألفاظ تركيبا يقتضيه المعنى ويتمثل ذلك في جوامع كلمه  .
    وهكذا , فإن هذه الدراسة وإن كانت تحمل جذورا القدماء إلا أن لها طابعها الخاص في تناول الحقائق , حيث ينفض عليها الرافعي رحمه الله شيئا من نفسه وحسه , وقد ركز على أهم خصائص بيانه , فتحدث عن فصاحته وأسبابها , وعن الإيجاز في كلامه  وأثره في تشقيق اللغة إلى تراكيب ومفردات وما فيها من وجوه البلاغة والبيان , فبين نسقها وحلل بعض شواهدها , ثم توصل إلى سمات عامة في أسلوبه فأرجعها إلى ثلاث صفات .

    وبهذا نرى حلقات متواصلة من الدراسة لأفضل كلام نطق به لسان بدأت بشذرات وإشارات غامضة وانتهت إلى مثل هذا التحليل , ومع هذا فلا زالت الإحاطة ببيانه بحاجة إلى مزيد من الدراسة توصد الخصائص الدقيقة لنسق هذه اللغة العالية , وهو ما نرجو أن نوفق إلى بيان شي منه

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 05, 2016 5:43 pm