منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    جميل بن معمر

    شاطر

    ????
    زائر

    جميل بن معمر

    مُساهمة  ???? في الخميس ديسمبر 31, 2009 1:45 pm

    جميل بن معمر

    لا يذكر جميل إلا بادر إلى الذهن ذلك الحب العذري شهر به أبناء عذرة قبيلة الشاعر ، حتى قيل أنهم كانوا إذا أحبوا ماتوا ، لما هم عليه من الصدق و الإخلاص ، و لما اتصفوا به من العفاف و كبح النفس عن شهواتها إذا اجتمعوا بمحبوباتهم ، على ما يلقون من الإبعاد و الحرمان . لأن الشاعر منهم كان يحب الفتاة فيتغزل بها ، فيفتضح أمرها ، فإذا خطبها إلى أبيها ، رده خائباً مخافة التعبير لئلا يقال أنه زوجها به ستراً لعارها . ثم لا يلبث أن يزفها إلى أول طالب يرتضيه لها ، ليجعلها محصنة في حمى بعلها ، فيصبح الشاعر كلفاً بحب امرأة متزوجة ، لا جوز له أن يستبيح حرمها ، فتمتد يد السلطان إلى معاقبته و الاقتصاص منه .
    و لكنه عاشق متبول لا يقوى على مغالبة هواه ، و لو كان فيه هلاكه ، فيسعى إلى الاجتماع بها سراً على غرة من أهلها ، حتى إذا عرفوا بأمره شددوا في حجبها عنه ، و شكوه إلى الوالي ، فيهدده و يتوعده ، ثم يهدر دمه ، فيهرب منه هائماً على وجهه ، يجوب القفار ، و ينشد الأشعار ، حتى يأتيه الموت فينقذه من عذابه .
    و جميل بن عبد الله بن معمر العذري أصابه ما أصاب غيره من هؤلاء الشعراء التاعسين . فقد أحب بثينة بنت حبأ بن حن بن ربيعة ، من عذرة ، فهي ابنة عمه لتقي و إياه في حن من ربيعة في النسب ، و كانا يقيمان في وادي القرى ، و هو موضع في الحجاز قريب من المدينة ، و قيل إنه أحبها و هو غلام صغير ، و هي جويرية لم تدرك ،و يروون على ذلك خبراً مستطرفاً ، قيل فيه إن جميل أقبل يوماً بإبله ، حتى أوردها وادياً يقال له بغيض ، فاضجع و أرسل الإبل مصعدة ، و أهل بثينة بذيل الوادي ، فأقبلت بثينة و جارة لها واردتين ، فمرتا على فصال لجميل بروك ، فضربتهن بثينة عابثة ، فأثخنتهن ، فسبها جميل ، فردت عليه شتيمته ، فاستملح سبابها و أحبها . و في ذلك يقول :
    و أول ما قاد المودة بيننا بوادي بغيض ، يا بثين ، سباب
    فقلنا لها قولاً ، فجاءت بمثله ، لكل كلام ، يا بثين ، جواب
    على أن أخبار جميل و أشعاره تدلنا أن بثينة لم تكن أول من أحب من النساء ، فقد تعشق قبلها أختها أم الجسير أو أم الحسين ، على اختلاف الروايات فيها . فمن ذلك قوله ينسب بها :
    ألم تسأل الدار القديمة : هل لها بأم جسير ، بعد عهدك ، من عهد
    و قوله أيضاً :
    يا خليلي ، إن أم حسين حين يدنو الضجيع من علله
    روضة ذات صفوة و خزامى ، جاد فيها الربيع من سلبه
    فلما علق بثينة شغلته عن سائر النساء ، فوقف قلبه و شعره عليها ، يذكر اسمها مرة ، و يكني عنه مرة باسم آخر ، حتى شهر بها و شهرت به ، فقيل : جميل بثينة . و تحدث بهما الناس في القبيلة و خارج القبيلة . فلما جاء يخطبها إلى أبيها ، ضن عليه بها ، لئلا يلحقه عارها ، و آثر تزويجها فتى من عذرة يقال له نبيه بن الأسود ، و فيه يقول جميل :
    لقد أنكحوا جهلاً نبيهاً ظعينة ، لطيفة طي الكشح ، ذات شوىً خدل
    و زاده زواجها ولهاً بها ، فأخذ يزورها خفية في بيت بعلها ، و يشبب بها في شعره ، و لم تكن تتوارى عنه إذا جاءها ، و تساعدها على أخواتها على الاجتماع به ، و يحتلن على زوجها و والدهن ، فيصرفنهما عنها ، إذا طلباه عندها . و تعرض له أهلها و أنسباؤها غير مرة للإيقاع به ، فكان يدفعهم عنه معتزاً بسيفه و شجاعته ، لا يبالي تألبهم عليه ، و في ذلك يقول :
    فليت رجالاً فيك قد نذروا دمي ، و هموا بقتلي ، يا بثين ، لقوني
    إذا ما رأوني طالعاً من بثينة ، يقولون : من هذا ؟ و قد عرفوني
    و لم يقتصر الأمر عليهم بل تصدى له الشعراء من بني الأحب رهط بثينة يهجونه كعبيد الله بن قطبة و أخيه جواس ، و عمير بن رمل و سواهم ، فرد عليهم جميل ، و بلغ من هجائهم ما بلغوا من هجائه . و كان جواس زوج أم الحسين أخت بثينة ، و قد تغزل بها جميل كما ذكرنا ، فأخذ يهجوه و جميل لا يجيبه احتقاراً له ، حتى قال في أخته : ولن أذكره هنا
    فحمي جميل حينئذ ورد عليه ، فالتحم بينهما الهجاء ، فغضب لجميل نفر من قومه ، يقال لهم بنو سفيان ، فجاؤوا إلى جواس ليلاً ، و هو في بيته ، فضربوه ، و عوروا امرأته أم الحسين ، فقال جميل :
    ما عر جواس استها ، إذ يسبهم بصقري بني سفيان : قيس و عاصم
    هما جردا أم الحسين ، و أوقعا أمر و أدهى من وقيعة سالم
    فاستاءت بثينة من جميل لهجائه أهلها جميعاً ، و ما كانت تتوقع منه أن يتناول أختها بشعره . فقال يخاطبها :
    تفرق أهلانا ، بثين ، فمنهم فريق أقاموا ، و استمر فريق
    فلو كنت خواراً لقد باح مضمري و لكني صلب القناة ، عريق
    كأن لم نحارب ، يا بثين ، لو أنه تكشف غماها ، و أنت صديق
    و لقد أعذر جميل إليها ، فإنه شجاع حمي الأنف لا يحتمل الضيم ، و لا ينكص عن مقارعة من هاجاه ، ما استطاع إليه سبيلا . وهو إلى ذلك أعرابي فيه عنجهية أهل البادية،
    وحفاظهم على الحرم ،ودفعهم الشر بمثله ،فلم يتمالك عن الإقذاع لأختها ،بعد ما أقذع زوجها لأخته . وإذا كانت بثينة لا تحمل له الحقد ، وإن غضبت عليه ،فأهلها محنقون ساخطون يرصدون له الأذية ،ويوالون الشكوى إلى عشيرته مهددين متوعدين ،حتى إذا أعياهم أمره استعدوا عليه بني عامر بن ربيعي بن دجاجة ،وكان عاملاً على وادي القرى ، وقالوا له : يهجونا و يغشى بيوتنا و ينسب بنسائبنا . فأباحهم دمه إن وجدوه قد غشي دورهم فحذرهم مدة ، ثم وجدوه عندها ، فتوعدوه و كرهوا أن ينشب بينهم و بين قومه حرب في دمه ، و كان قومه أعز من قومها ، فأعادوا شكواه إلى العامل ، و شكوه إلى مالك بن هشام الحضرمي والي تيماء من قبل عبد الملك ، فطلبه طلباً شديداً ، فهرب إلى اليمن ، فأقام بها مدة . حتى إذ عزل الوالي عاد إليها يتبعها حيث كانت . و ربما عرضت له أسفار أبعدته عنها ، فقد ترحل إلى الشام و طالت إقامته فيها ، و قيل إن بثينة علقت في غيابه حجنة الهلالي ، فلما رجع جميل جفاها زمناً ثم اصطلحا و عاد الهوى إلى حاله ، و كثيراً ما كانت تحدث أمثال هذه المجافيات بينهما ، كما تحدث بين العشاق عادة ، تتعمدها بثينة إثارة لغيرته أو نكاية به لأمر تتسخطه منه . و ربما حدث ذلك بمساعي أهلها أو أهله . روى صاحب الأغاني أن رهط بثينة أخذوا يذيعون أن جميلاً يتبع أمة لهم ، و أن بثينة لا علاقة لها به ، يريدون إذلاله و تبرئة فتاتهم ، فاحتدم جميل غيظاً و أراد تكذيبهم صوناً لسمعته ، و إن أساء إلى سمعة حبيبته ، و هو صنيع لا يحمد عليه العاشق العذري ، و لكن خلق البداوة يغلب أحياناً عليه . فواعد بثينة ببرقاء ذي ضال ، فتحادثا ليلاً حتى أسحرا . ثم قال لها : هل لك أن ترقدي ؟
    قالت : ما شئت ، و أنا خائفة أن نكون قد أصبحنا .
    فوسدها إلى جانبها ، ثم اضطجعا و نامت . فانسل و استوى على راحلته فذهب . و أصبحت في مضجعها و الحي يراها راقدة عند مناخ راحلة جميل . فلما انتبهت علمت ما أراده بها ، فهجرته و آلت ألا تظهر له . و في ذلك يقول :
    فمن يك في حبي بثينة يمتري ، فبرقاء ذي ضال علي شهيد
    و لطالما قرعه نساء عشيرته ليبعدنه عنها ، فيقلن له : إنما حصلت منها على الباطل و الكذب و الغدر ، و غير ك أولى بوصلك منها ، كما أن غيرك يحظى بها ؛ فيتألم جميل و يعاتب بثينة و يتهمها ، فيتهاجران مدة ثم يتعاتبان و يتصافيان . و ربما رآها تتحدث إلى فتى من بني عمها ، منصرفة غليه بجملتها ، فيتلظى فؤاده غيرة عليها ، فيعطف على فتاة غيرها يحادثها و يلازمها ، فيشق ذلك عليه و على بثينة ، و كل واحد منهما يكره أن يبدي لصاحبه شأنه حتى إذا غلبه الأمر دخل إلى البيت الذي كان يجتمع فيه معها . فتراه بثينة فتأتي إلى البيت و لا تبرز له ، فيجزع جميل ، و يجعل واحد منهما يطالع صاحبه ، و قد بلغ الأمر من جميل كل مبلغ ، فيقول :
    لقد خفت أن يغتالني الموت عنوة ، و في النفس حاجات إليك كما هيا
    و إني لتثنيني الحفيظة ، كلما لقيتك يوماً ، أن أبثك ما بيا
    ألم تعلمي ، يا عذبة الريق ، أنني أظل ، إذا لم أسق ريقك ، صاديا ؟
    فترق له و تصالحه ثم تقول له : أنشدني قولك :
    تظل وراء الستر ترنو بلحظها ، إذا مر من أترابها من يروقها
    فينشدها إياه ، فتبكي و تقول : كلا جميل ، و من ترى أنه يروقني غيرك ! فقد كانت بثينة تهوى جميلاً ، و تؤثره على غيره من الفتيان الذين كانوا يروقونها ، فتميل إليهم تلهياً أو تشفياً ، و ظلت محافظة على مودته ، و هي امرأة ذات بعل ، لا تتلكأ عن الاختلاء به كلما جاء إليها ، أو دعاها إليه ، و حسبنا دليلاً على وفائها له ، ما أصابها يوم نعاه الناعي إليها . و كان قد هاجر إلى مصر بعدما بلغ به اليأس مبلغه ، فمرض هناك مرضته الأخيرة ، فلما حضرته الوفاة دعا برجل و قال له : " هل لك أن أعطيك كل ما أخلفه ، على أن تفعل شيئاً أعهد به إليك ؟" قال : نعم . قال : " إذا مت ، فخذ حلتي هذه ، و اعزلها جانباً ، و كل شيء سواها لك ، و ارحل إلى رهط بثينة على ناقتي هذه، و البس حلتي هذه إذا وصلت ، و اشققها ثم اعل على شرف ، و صح بهذه الأبيات :
    " صدع النعي ، و ما كنى ، بجميل ، و ثوى بمصر ثواء غير قفول
    و لقد أجر الذيل في وادي القرى ، نشوان بين مزارع و نخيل
    قومي ، بثينة ، فاندبي بعويل ، و ابكي خليلك دون كل خليل "
    فلما أتى الرجل و أنشد الأبيات ، برزت بثينة و قالت : " يا هذا إن كنت صادقاً فقد قتلتني ، و إن كنت كاذباً فقد فضحتني . " فقال : " ما أنا إلا صادق . " و أراها الحلة ، فصاحت ، و صكت وجهها . فاجتمع نساء الحي يبكين معها ، حتى صعقت . فسقطت مغشياً عليها ساعة ثم قامت و قالت :
    و إن سلوي عن جميل لساعة من الدهر ما حانت ، و لا حان حينها
    سواء علينا ، يا جميل بن معمر ، إذا مت ، بأساء الحياة و لينها
    و أما حب جميل لبثينة فلم يخالطه هوى آخر ، على كثرة الفتيات اللواتي كن يتعرضن له ، و هن من عشيرته ، ليصرفنه عنها ، فما هفا فؤاده إلى سواها ، و لا استملح حديثاً غير حديثها ، و لا استعذب ثغراً سوى ثغرها ، و لم يقل الشعر ، بعدما أحبها ، إلا فيها ، و مات و ذكرها في قلبه و لسانه ؛ و آخر شعر قاله بعث به غليها . و هي التي أوحت إليه الغزل الجميل الذي لم يعرف الشعر القديم أوقع منه أثراً في النفس ، و لا أبلغ منه تحريكاً للقلب و إثارة للعاطفة ، لا يقتصر على التشبيب بمحاسن المرأة بل يضيف إليه شيئاً روحياً يعنى بنفس الشاعر و مشاعرها و آلامها و آمالها ، و ربما كانت عنايته بنفسه أكثر من عنايته بوصف محبوبته ، فلا يكاد يذكرها حتى ينصرف إلى بث شكواه و ما يلاقيه من تباريح البعد و الجفاء و الحرمان ، صادق اللوعة ، عف الضمير و اللسان ، رصين التعبير لا يتبذل . و قلما قرأت له من الشعر ما يبعث الشك في عفته و عفة صاحبته إلا أبياتاً قليلة تلمح من خلالها الريبة لمحاً ، و قد يكون الدافع إليها سخطة منه على بثينة إذا هجرته أو مالت إلى غيره ، كما حدث له معها حين علقت حجنة الهلالي ، فطلب منها أن تعلم جميلاً بأنها استبدلته به ، فقالت :
    ألم تر أن الماء غير بعدكم ، و أن شعاب القلب بعدك حلت ؟
    فأجابها جميل :
    فإن تك حلت ، فالشعاب كثيرة ، و قد نهلت منها قلوصي و علت
    أو أن يكون الدافع إليها حميته البدوية للذود عن كرامته كقوله :
    فبرقاء ذي ضال علي شهيد
    أو أنها تأتي في جملة تشبيبه فيذكر عناقها و رشف ثغرها مثل قوله :
    ألم تعلمي ، يا عذبة الريق ، أنني أظل ، إذا لم أسق ريقك ، صاديا ؟
    و هذه كلها هنات لا تقدح في عفة غزل جميل و روحانيته ، و هو القائل :
    و إني لأرضى من بثينة بالذي لو أبصره الواشي لقرت بلابله
    بلا ، و بألا أستطيع ، و بالمنى ، و بالأمل المرجو قد خاب آمله
    و بالنظرة العجلى ، و بالحول ينقضي أواخره ، لا تلتقي ، و أوائله
    و يقول أيضاً :
    يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ، و يحيا إذا فارقتها ، فيعود
    أما أخباره ففيها تناقض كثير بحسب اختلاف الروايات ، فمنها ما تتحدث عن عفته و تغالي فيها ، و منها ما ترينا الريبة في خلواتها مع بثينة ، فتفسد علينا جمال الهوى العذري ، فإذا هما عاشقان يقتطفان الملذات كسائر العشاق ، و قد يكون في هذه الأخبار ما هو موضوع عليهما رغبة في تفكهة الناس و تسليتهم بغرائب أحاديث المتيمين ، فشعره ، على علاته ، أحق من أخباره بصيانة وجه الجمال العذري .

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 04, 2016 3:12 am