منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    أهمية المعاجم اللغوية ودورها في حفظ اللغة العربية

    شاطر

    عبدالعزيز توف

    عدد المساهمات : 7
    نقاط : 21
    تاريخ التسجيل : 07/03/2010
    الموقع : يا استاذ انا اسمي عبدالعزيز الذبياني بس الكميوتر قلي اسمك طويل

    أهمية المعاجم اللغوية ودورها في حفظ اللغة العربية

    مُساهمة  عبدالعزيز توف في الإثنين مارس 08, 2010 4:06 am

    أهمية المعاجم اللغوية ودورها في حفظ اللغة العربية





    لقد تأكد لنا أن اللغة تتسع وتنمو وتتطور على مر العصور سواء من حيث قواعد نحوها وصرفها أو من حيث مفرداتها وتراكيبها وأساليبها تبعاً لتطور الناطقين بها فكرياً وحضارياً واجتماعياً .

    وأن مجموعات كبرى من صيغها وألفاظها تتغير في مدلولاتها ومفاهيمها نتيجة لعوامل وظروف طبيعية وحضارية مختلفة وبذلك فإنها تصبح من الضخامة والسعة والتشعب بحيث لا يستطيع أحد الإحاطة بها وبكل ما تشتمل عليه من صيغ وتراكيب وأساليب وكلمات مهما اتسع علمه وسمت قدراته أو مواهبه ودامت ممارسته للغة وبالنسبة للغة العربية فقد أكد ابن فارس وهو لغوي ذلك بقوله )وما بلغنا أن أحداً ممن مضى ادعى حفظ اللغة كلها( .‏

    وقد روى العالم اللغوي عمر بن خالد العثماني والقصة مروية في كتاب ذيل الأمالي والنوادر لأبي علي اسماعيل ابن القاسم القالي ) أنه قدمت علينا عجوز من بني منقر تسمى أم الهيثم فغابت عنا فسأل عنها أبو عبيدة وهو معمر ابن المثنى وهو أديب وعالم لغوي مشهور فقالوا : إنها عليلة فقال : هل لكم أن تعودوها فجئنا فاستأذنا فقالت : لجّوا فسلمنا عليها فإذا هي على أهدام وبجد وقد طرحتها عليها فقلنا : يا أم الهيثم كيف تجدينك ?‏

    فقالت : كنت وحمى بالدِّكة فشهدت مأدبة فأكلت جبجبة من صفيف هلعة فاعترتني زلخة فقلنا يا أم الهيثم أي شيء تقولين فقالت : أو للناس كلامان ?! والله ما كلمتكم إلا بالعربي الفصيح ...( .‏

    ويخبرنا جلال الدين السيوطي صاحب كتاب المزهر بأن عدداً من علماء العربية سئلوا عن أشياء في اللغة فلم يعرفوها أو اعترفوا بعدم معرفة أصولها أو معانيها .‏

    وأورد على ذلك شواهد كثيرة فإذا صحت الرواية السابقة وصح ما قال السيوطي فإن ذلك يدل دلالة واضحة على صعوبة بل استحالة الإحاطة بمفردات اللغة في كل مستوياتها وأبعادها حتى لحفظتها والمتخصصين المتبحرين فيها والعارفين بأسرارها والمولعين باستقصاء ألفاظها والبحث عن معانيها ومع أن القرآن الكريم نزل على العرب بلغتهم التي ينطقون بها وفي عهد نقائها وصفائها وفصاحتها فقد صعب على بعضهم معرفة معاني ألفاظه وصيغه فقد روى بدر الدين الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن أنه كان ابن عباس وهو ترجمان القرآن يقول ) لا أعرف حناناً ولا غسلين ولا الرَّقيم( ولهذا احتاج الناس إلى من يكشف لهم معاني ومدلولات ألفاظ القرآن وعباراته وهذا هو ما دفع علماء اللغة فيما بعد إلى تصنيف كتب خاصة يجمعون فيها ما سمي بغريب القرآن من المفردات ويفسرونها ويوضحون معانيها ومع أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عربي ما نطق إلا بالعربية الفصحى الصافية فقد غاب على نفر ممن عاصره إدراك معاني بعض ما ورد في أحاديثه وكلامه من مفردات وتراكيب لفظية , الأمر الذي دفع فيما بعد إلى تصنيف كتب خاصة تشتمل على ما سمي بغريب الحديث والتي تتولى شرح وتفسير ما اشتملت عليه بعض الأحاديث من غريب العبارات أو المفردات أو المعاني هذا ما قاله الاستاذ حسين نصار صاحب المعجم العربي وإذا كانت هي الحال بالنسبة لمن عاش عهد الفصاحة ونقاء اللغة وصفائها وبالنسبة للناس في عصر لم تصل فيه اللغة ما وصلت إليه فيما بعد من سعة وتطور واختلاط وتأثر فكيف بأناس هذا العصر ومعرفتهم باللغة ومفرداتها بعدما واجهت هذا العصر تطورات وتغيرات عبر الأزمان وما بلغته من سعة ونمو إنه الواقع التاريخي والعقلي إذاً يشهد باستحالة الإحاطة باللغة وبكل ما يرتبط بها من مفردات وصيغ وأسباب .‏

    إن الإحاطة بجانب كبير من اللغة من مفرداتها وتراكيبها وكل مايتصل بهذه المفردات والتراكيب من معان ومدلولات ليس بعسير على الإنسان فقد يكرس شخص ما رزق موهبة الحفظ وحسن الفهم جهداً خاصاً لتخزين معلومات معينة كثيرة في ذاكرته فيوفق وتظل ذاكرته محتفظة بما اختزن فيها فترة من الزمن قد تطول غير أن المشكلة أو الصعوبة تكمن كما يرى علماء النفس في استرجاع كل ما علم أو تلقن هذا الشخص من معارف وحفظ من معلومات بعد توالي الزمن , إذ يتعذر على ذاكرة الإنسان مهما قويت واتسعت أن تحتفظ بكل ما أودع أو اختزن فيها من معلومات لأمد بعيد فالإنسان معرض لأن ينسى الكثير مما حفظ واكتسب من معلومات أو معارف مع مرور الزمن وخاصة عندما لا تتوافر الحوافز أو الأسباب لاسترجاع وحضور هذه المعلومات أو المعارف في ذهنه وعلى ضوء ذلك فإنه مهما كانت معرفة الإنسان باللغة ومهما كثر محفوظه من مفرداتها وتراكيبها فإن إحاطته بكل مفردات اللغة تكاد تكون أمراً مستحيلاً وان الاحتفاظ بكل ما تلقن وحفظ من هذه المفردات يبقى أمراً صعباً أيضاً , بل إنه لا يكاد يحتفظ في ذاكرته إلا بأقل القليل منها وفي حدود ما يستعمله ويستحضره في ذهنه منها .‏

    لقد قيل إن ما يستخدمه المثقف العربي المعاصر من مفردات لغوية في الكتابة والتأليف والكلام لا يكاد يتجاوز الستة آلاف لفظة بينما يصل مجموع مفردات اللغة العربية كما يقول بعض الدارسين والمهتمين إلى اثني عشر مليوناً وثلاثمئة وخمسة آلاف وأربعمئة واثنتي عشرة لفظة , هذا ما ذكره الدكتور حسن ظاظا في كتابه كلام العرب وإذا كانت هذه الإحصائية صحيحة فإنها تدل دلالة قاطعة على عجز الإنسان عن الإحاطة حتى بقسط كبير من مفردات لغته وعلى حاجته الماسة إلى مراجع يعتمد عليها تذكره وتمده بما يحتاج إليه وبما يغيب عن ذاكرته أو بما لم تشتمل عليه حصيلته اللغوية من مفردات لغته كما تزوده بمعاني ومدلولات هذه المفردات وتعرفه بمواقع وأساليب وأشكال استعمالها , إنه يحتاج إلى مراجع ترصد له مفردات اللغة على مر العصور وتنبع كل معانيها ومفاهيمها عبر تطوراتها المختلفة وإلا سيفقد الاتصال بجزء كبير من تراثه ويحرم من الاستفادة من نتاجات وإبداعات الأجيال الماضية وربما الحاضرة أيضاً ومن هنا جاءت الحاجة إلى تصنيف المعاجم وقواميس اللغة على مختلف أنواعها وأشكالها ومناهجها .‏

    إن من أعظم ما ابتكره الإنسان لحماية اللغة والحفاظ عليها حية نامية متطورة تأليف معاجم تحفظ مفردات اللغة القومية وتتولى تفسيرها وتوضيحها وتتكفل ببيان صور استعمالاتها وتمييز الأصيل من الدخيل والحقيقي من الزائف والحي من الميت والسائد من النادر فيرجع إليها الإنسان ليتزود بما يحتاج إليه من ألفاظ يعبر عنها وبها عما تخطر له من أفكار وتبدو له من معان ويختار منها ما يتلاءم مع مشاعره وأخيلته من صيغ ويتعرف على ما صعب عليه فهمه من مدلولات وبذلك يحيي لغته وينعشها ويبقيها ثابتة حية مع الزمن باستخدامه المستمر السليم لها نطقاً وكتابة وبما يبدعه وينتجه فيها فكره كما أنه يتخطى حاجز الزمن ويعيش مع الأجيال الماضية فيستفيد من خبراتها وما أبدعته قرائح أهلها وأنتجته عقولهم .‏

    المعاجم اللغوية هي خزائن اللغة وكنوزها التي يستخدمها الإنسان بما يغني حصيلته اللغوية وينميها ويجعلها مرنة طيعة في مجالي الأخذ والعطاء , في مجالات الاستيعاب والفهم والتوسع الفكري والنمو العقلي والمعرفي وفي مجالات التعبير والعمل الإبداعي والإنتاج الثقافي لكن أثر المعاجم ومدى فعاليتها في هذه المجالات يتوقف بصورة أساسية على نسبة استعمالها ثم على معرفة الفرد بأنواعها وأشكالها ومناهج تصنيف المفردات بها وأخيراً على طرق استخدامها وكيفية استغلالها وأوجه الاستفادة منها .‏

    رحم الله أجدادنا الذين حافظوا على لغتنا بتأليف معاجم حفظت لها أصولها وفروعها ونأت بها عن كل ما يشوبها وعن كل مسيء .‏

    رحم الله سيبويه إمام البصريين وصاحب معجم العين وأبا العلاء المعري العالم الفيلسوف واللغوي الذي حفظ حتى الحوشي من كلام العرب وأبا البقاء الكفوي صاحب معجم الكليات وابن جني صاحب كتاب سر صناعة الإعراب وابن دريد صاحب معجم الجمهرة في اللغة وابن السكيت صاحب كتاب إصلاح المنطق والألفاظ وابن سيده صاحب معجم المحكم والمحيط الأعظم وابن مالك صاحب ألفية ابن مالك وابن منظور صاحب معجم لسان العرب.‏

    رحم الله كل من ساهم في حفظه لغة العرب والمسلمين وأنا لا استطيع أن أعددهم وأعدد تآليفهم كلهم فهم كثيرون .‏

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 05, 2016 5:49 pm