منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    مصادر فطرية في اللغة العربية

    شاطر

    سلطان الزبيدي

    عدد المساهمات : 6
    نقاط : 18
    تاريخ التسجيل : 06/03/2010

    مصادر فطرية في اللغة العربية

    مُساهمة  سلطان الزبيدي في الإثنين مارس 08, 2010 2:53 pm

    إذا تمعّنا في كثير من مفردات اللغة العربية تمعناً دقيقاً ، ونظرنا إليها نظرةً فاحصةً عميقة ، نجد أن هذه المفردات في كثير من أحوالها قد صيغت من مصادر فطرية بسيطة للغاية. ولنأخذ بعض الكلمات على سبيل المثال : فنرى أن الكلمات بابا و ماما أُخذت من صوت الطفل الرضيع وهو يلفظ كلماته الأولى ويردد بصوته الطفولي : با .. با ، ما .. ما .. ومن هذه الأصوات جاءت كلمتا أب وأم ، وكل ما أُشتق منهما فيما بعد كالأبوّة والأمومة وغيرها من الكلمات .

    وفي أسماء الأصوات ، ونحن نعرف أن للحيوانات أصواتاً ، وللطيور والزواحف وغيرها ، نجد أن هذه الأسماء أُخذت أيضاً على الطريقة السابقة . فمواء القط مأخوذٌ من صوته موء .. موء .. وعواء الذئب وابن آوى مأخوذ من أصواتهما : عو .. عو .. وكثيراً ما أقلقت أصوات هذه الحيوانات الإنسان البدائي في صحرائه وفي كهفه ومسكنه .

    ونحن نقول سقسقة العصافير ، أليست هذه الكلمة مأخوذة من صوت العصافير : سِقْ .. سِقْ .. وهي تغرّد على الأشجار .

    وتكتكة الساعة ، وطقطقة الأواني ، ووعوعة الطفل ، ورنين الأجراس وخرير المياه ، وصرير الباب ، ونقيق الضفدع ، وطنين البعوض والذباب وغيرها كثير أُخذت جميعاً من أصوات هذه الأشياء ، أو من الأصوات التي تُحدثها وتُسمع عنها .

    وقد جاءت الأصوات على عدة أوزان صرفية منها :

    1- فَعِيل : كفحيح ، وخرير ، وصفير وغيرها .

    2- فُعَال : كبُكَاء ، عُواء ، ونُباح وغيرها ، أما صياح فقد كُسرت فاؤها لإستثقال الضمة قبل الياء .

    3- فَعْل : كهَمْس ، وجَرْس ، وخَفْق وغيرها .

    4- فَعْلَلَة : كطَنْطَنَة ، وغرغرة ، وقضقضة ، وشقشقة وغيرها .

    ولو تتبّعت معظم أسماء الأصوات لوجدتها تتبع هذه القاعدة ولا تشذّ عنها ، وكلمة صوص أُطلقت على الكتكوت الصغير من شكل صوته المتكرر : صو .. صو .. وكذلك الحال في العديد من مفردات اللغة العربية ، وإن دلَّ ذلك على شيء ، فإنّما يدلّ على عراقة هذه اللغة وإيغالها في القِدَم ، حيث أعطى الإنسان البدائي الأول هذه الأسماء لكثير من الأشياء والمُسمّيات كما سمعها بالفطرة ، وتعلّمها بالسليقة ، دون أن يتكلّف في وضعها وصياغتها ، ودون أن يخترعها إختراعاً أو يكدّ ذهنه وفكره لوضعها وإطلاقها على مسمّياتها . إنما جاءت تلقائية معبّرة بشكل تامّ عن المعنى الذي أراد لها أن تعبّر عنه . وبقيت بعده ميراثاً ثميناً يحفظهُ أبناؤه وأحفاده ، ويردّدونه جيلاً بعد جيل .

    والعبرة من هذا الحديث – عزيزي القارئ – هي أن تستنتج أن لغتك العربية موغلةٌ في القِدم ، عميقة الجذور ، أصيلة المعاني ، تكاد تسمو على اللغات جميعاً ، وأن بعض مفرداتها الفطرية البسيطة تستعمل في معظم لغات العالم الحي ، كلفظة أب وأم وغيرها .

    ولنردد معاً قول الله عز وجلّ : " وعلّم آدم الأسماء كلها ، ثم عرضهم على الملائكة ، فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ، فقالوا سبحانك لا عِلْمَ لنا إلا ما علّمتنا إنك أنت العليم الحكيم "

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 05, 2016 7:30 am