منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    منابت البلاغة وتُربتها

    شاطر

    أحمد السليمان

    عدد المساهمات : 8
    نقاط : 24
    تاريخ التسجيل : 09/03/2010
    العمر : 31
    الموقع : jeddah

    منابت البلاغة وتُربتها

    مُساهمة  أحمد السليمان في الثلاثاء مارس 09, 2010 8:39 am

    بسم الله الرحمن الرحيم

    منابت البلاغة وتُربتها


    ساهمت عوامل متعددة في نشأة البلاغة العربية و تطورها. يمكن تقسيمها إلى عوامل أولية و عوامل مساعدة أو طارئة.

    1ـ العوامل الأولية هي تلك التي أدت إلى ملاحظة الخصوصية الأدبية، سواء كان ذلك من الداخل، أي عن طريق معاناة موضوع البلاغة (النص الأدبي)، أو من الخارج عن طريق معاناة أسئلة أخرى لغوية أو دينية أو معرفية عامة.

    2 ـ والعوامل المساعدة هي العوامل التي ساهمت في تعميق البحث في الموضوع أو تطويره، وهي تتعلق أساسا بالمثاقفة، وتطور البحث والتأليف في المجالات الفكرية المختلفة. يمكن أن نجسد ذلك بالخُطاطة التالية
    :


    أصول البلاغـة العربية


    ج .1 ـ العوامل الأولية: المنابت

    كانت النشأة الأولى للبلاغة من مصدرين

    داخلي و خارجي

    ج.1 ـ1 ـ الاكتشاف من الداخل

    وقد أنجزت عن طريق تأمل النص الشعري مباشرة (نقد الشعر واختياره)، أي عن طريق الملاحظة المباشرة والاختيار الفني.

    ظهرت منذ العصر الجاهلي ملاحظات و تعليقاتٌ واصفةٌ، أو مآخذ على القول الشعري الذي صار موضوعَ تأمل، ثم توسعت هذه الملاحظات وتكاثرت خلال العصر الإسلامي والأموي إلى أن ثارت الخصومة بين القدماء والمحدثين حول الأسبقية إلى مجموعة من الصور سميت: البديع، أي الجديد على غير مثال. فكانت بداية التأليف في الصور البلاغية مع ابن المعتز، وانطلق تقليد كتب البديع ثم البديعيات. تغذت هذه الكتب من الخصومات النقدية، فتكاثرت الصور والأمثلة و التعريفات. فشكل عمل النقاد التطبيقيين والبديعيين المرحلة الأولى، مرحلة الملاحظة المنبثقة من الموضوع نفسه. ومن هذه المجموعات تغذت كتب التنظير النقدي (قدامة مثلا) والبلاغي (الجرجاني) فيما بعد، عبر معالجة الإعجازيين الانتقائية كما مارسها الباقلاني.

    إلى جانب هذا المسار النقدي البديعي كانت عملية اختيار الشعر (والنثر أيضا) مسعفةً في كشف الصناعة البلاغية والتمهيد لطرح الأسئلة حولها. كما في اختيار أبي تمام على أسس جمالية وفكرية وأخلاقية في الحماسة والوحشيات. و في شرح المرزوقي لجانب من هذا الاختيار(الحماسة). هذا الشرح الذي يمكن اعتباره من أهم كتب البلاغة التطبيقية قبل وجود البلاغة كنظرية، وذلك فضللا عن الأسئلة المباشرة التي طرحها المرزوقي حول عمود الشعر في مقدمة شرحه.

    لقد سمينا هذا العمل البلاغي النقدي في كتابنا تحليل الخطاب الشعري بلاغة الرصد. لكونها ترصد الملاحظات وتجمعها وتسميها دون اهتمام بنسق تنظيري.

    ج.1ـ 2 ـ أما الاستكشاف من الخارج

    فقد نتج عن عملية التأليف العلمي التي استهدفت تقنين اللغة والفكر وتنزيه الدين.

    ج.1ـ 2ـ 1ـ أدت عملية الاختزال التي طالت المنجز من الخطاب (أي مجموع النصوص الشعرية و النثرية بما فيها القرآن الكريم و الشعر الجاهلي) إلى تعارض بين القاعدة القياسية والنص الخارج عن القياس. لقد أدى الاطراد القياسي الذي تطلَّبه وضعُ النحو إلى التعارض مع النص القرآني، من جهة، والشعر العربي، من جهة ثانية. فكان أن فُتح باب التوسع في اللغة منذ البداية مع سيبويه. هذا الباب الذي طبقه أبو عبيدة في مجاز القرآن بكثير من حرية الرأي التي جَرَّتْ عليه نقمة اللغويين و دارسي النص القرآني. وتفاعل معه غيره من اللغويين، مثل الفراء، بحذر أكثر.

    من خلال عملية استخراج العبارات التي لا تنضبط للقواعد المقررة في النحو توصل اللغويون إلى استخراج كثير من الصور البلاغية مقارنين بين القرآن والشعر. بل لقد تعدوا ذلك إلى تسمية كثير من المفاهيم الجوهرية، مثل: التقديم والتأخير والحذف والاختصار والتشبيه والتمثيل والكناية...إلخ. ثم تناقلت كتب البلاغة أمثلتهم ومفاهيمهم. إذ نستطيع أن نعيد العتاد الذي بُنِيَ به علم المعاني إلى جهد هؤلاء اللغويين، كما نجد عندهم أغلب أسماء صور علم البيان وأمثلته، أي كل ما يتصل بالتركيب وتحول الدلالة بشكل من الأشكال.

    وفي الحديث عن ضرورة الشعر التي هي الوجه الآخر لعملية التوسع طرح السؤال البلاغي الجوهري: ما الذي يجوز في الشعر مما لا يحتمله الكلام؟

    وعموما فإن الأسئلة التي أثارها تقعيد اللغة سواء من زاوية مجاز القرآن أو من زاوية ضرورة الشعر قدمت للبلاغة ثلاثة عناصر مهمة:

    متن من الأمثلة المنزاحة عن الأقيسة اللغوية المطردة.

    مفاهيم ومصطلحات تدل على إجراءات تركيبية ودلالية انزياحية.

    الحديث عن الخصوصية اللغوية للشعر باعتباره صاحب خصوصية ذاتية.

    إن علاقة البلاغة بتقعيد اللغة علاقة قديمة حديثة. ويمكن في هذا المجال سحب الماضي على الحاضر، والحاضر على الماضي، لفهم مغرى الظاهرة. يمكن النظر في الموضوع بتأمل ملابسات ظهور مصطلحين متمايزين متداخلين؛ مصطلح الشعرية Poètique ومصطلح الأسلوبية Stylistique.

    ارتبط المصطلح الأول، مصطلح" شعرية" بياكبسون ارتباطا قويا كاد يصرف النظر عن غيره، وذلك باعتبار صياغته لجهود الشكلانيين الروس صياغة لسانية قوية سهلت تداولها. من أشهر عناوينه: "نحو الشعر" هذه العبارة المباشرة الدلالة. ومن المعلوم أن الشعريةَ قد اعتُبرت عند من سار على دربه وظيفة لسانية قصارى الاختلاف في شأنها أن يقترح لها نحوٌ خاصٌّ أو يُفرعَ نحوها عن نحوِ اللغة التواصلية[15].

    ثم تهذب هذا التوجه بانتقاله من يد اللغويين إلى يد دارسي النص الخاص، مثل رولان بارث و تودوروف و جان كوهن وغيرهم، فأعيد إلى أحضان البلاغة[16]. وهذا هو العمل نفسه الذي أنجزه عبد القاهر الجرجاني في أعقاب اللغويين.

    وفي أدبيات الأسلوبية نقرأ أن بالي كان تلميذاً لـِ DE SAUSSURE وأنه لاحظ عدم تغطية نموذج أستاذه لكل أبعاد الظاهرة اللغوية. وكان من حقه أن يلاحظ ذلك، فتشبيه النظام اللغوي بقطعة الشطرنج وحده كفيل بجعل المبتدئ في اللعبة يلاحظ أنه نسق بدون قلب، أي أنه نسق يفتقد الجانب الوجداني؛ هذا الجانب هو الذي بحث عنه BALLY وأسماه الأسلوبية[17].

    إن عمل اللغويين القدماء الذين ألَّفوا في مجال مجاز القرآن وضرورة الشعر داخل إطار التوسع في اللغة يلتقي مع عمل الشعريين والأسلوبيين المحدثين في قيامه على استكشاف ما لم يستوعبه النحو وما لم تستوعبه المعايير المنطقية الصرف[18].

    وكان النحو باعتباره مَنطقًا للغة قد امتد إلى قضايا انسجام الخطاب: توحيد الضمائر (المفرد المثنى الجمع) وتَوحيد الجهة (الغياب والحضور: الالتفات). فالتبس بالمنطق. ثم التبسا معاً بالبلاغة.

    ج.1 ـ 2 ـ 2 ـ ومن الطبيعي أن يكون أول استثمار لهذا الرصيد اللغوي في إطار سؤال آخر غير السؤال البلاغي الذاتي. لقد استثمرت هذه الجهود من طرف المتكلمين الذين شغلوا بتنزيه النص القرآني عن مجافاة العقل واللغة كما نجد في تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة وفي كثير من الشذرات التي حفظت من عمل الجاحظ.

    أثار اللغويون، دون أن يفكروا في ذلك، وهم يبررون انزياحات تعابير النص القرآني عن القواعد الجديدة، مجموعةً من الأسئلة الفكرية حول انسجام النص القرآني. ولم يعد الجواب اللغوي كافيا كما قال الجاحظ، بل صارت الاستعانة بالمنطق أمرا ملحا[19]. وفي هذا الإطار طور مفهوم المجاز من المستوى اللغوي العام (كل ما خالف القياس والمألوف) إلى المستوى الكلامي الخاص الذي يعني تحول الدلالة (المجاز في مقابل الحقيقة). ويعتبر عمل ابن قتيبة في كتابه تأويل مشكل القرآن قنطرة نحو الضفة الأخرى: ضفة المجاز الكلامي والأسئلة الكلامية الدائرة حول انسجام النص. فقد قدم مفهوم أبي عبيدة ثم انزاح عنه إلى المفهوم التأويلي الجديد.

    تكمن أهمية الخطوة التي خطاها المتكلمون الأوائل(أي الذين نظروا في انسجام النص) في بلورة مجموعة أساسية من المصطلحات والمفاهيم البلاغية، تسمية وتعريفا وتمثيلا. وعلى رأسها مفهوم المجاز والاستعارة.

    وحين انتقل عمل المتكلمين من التنزيه إلى البحث عن المزية والاحتجاج للنبوة بالإعجاز اتضح السؤال البلاغي: كيف يتفوق النص القرآني على النص الشعري العربي؟ وكيف يتفوق نص عل نص إجمالا.

    وقد بدأت الاقتراحات البلاغية الأولى في هذا المجال مع الخطابي والرماني و الباقلاني والقاضي عبد الجبار (خلال القرن الرابع الهجري). ويمدنا عمل هؤلاء الإعجازيين بمحاولات قَصدية لتفسير البلاغة على مستوى الصورة الواحدة ، ثم على مستوى العلم ككل فضلاً عن تخريج الأمثلة المفردة مما طبع عمل اللغويين والمتكلمين قبلهم. وقد بينا ذلك في موضعه.

    ج.1 ـ 2 ـ 3ـ هذا عن عملية الاستكشاف من خلال هموم تقعيد اللغة وتنزيه الدين، أما إذا أردنا النظر إلى المسألة من زاوية المعرفة استخلاصا وبثا فأحسن مثال يوضح الانتقال من السؤال المعرفي إلى السؤال البلاغي هو كتاب البيان والتبيين للجاحظ.

    فبالنظر في خطة البيان والتبيين للجاحظ: في حديثه عن أنواع الدلالة على المعاني، وبالنظر إلى ما فهمه قراؤه مثل ابن وهب، كما تقدم، يسوغ لنا القول بأن الجاحظ وصَل إلى بلاغة الخطاب الإقناعي من خلال البحث في المعرفة بصفة عامة: كيف نفهم وكيف نُفهم؟ بلاغة قوامها الاعتدال في استعمال الصور البلاغية حسب الأحوال والمقامات، مع توظيف كل الإمكانيات المسعفة واعتماد ذخيرة معرفية شديدة التنوع من النصوص الأدبية والدينية والأخبار والأمثال والحكم (ثقافة الخطيب).

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 09, 2016 2:16 pm