منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    أين تكمن البلاغة في اللفظ أم في المعنى ؟؟

    شاطر

    AR MANGOUSH

    عدد المساهمات : 5
    نقاط : 15
    تاريخ التسجيل : 12/03/2010

    أين تكمن البلاغة في اللفظ أم في المعنى ؟؟

    مُساهمة  AR MANGOUSH في الجمعة مارس 12, 2010 5:56 am

    لعل من أهم القضايا التي أثيرت في تاريخ الأدب العربي قضية اللفظ والمعنى والمفاضلة بينهما، وأول من أثارها الجاحظ بتفضيله اللفظ على المعنى بل ربما أنكر فضل المعاني، فهي كما يقول مطروحة لمن شاء أن يأخذ منها، وقد انتشرت هذه الفكرة وأولع بها الكثيرون حتى أن ابن خلدون –وهو في القرن الثامن- يدعوا إليها، ولعل السبب وراء ذلك اشتعال الخلاف بين المتكلمين والزنادقة حول إعجاز القرآن فقد حاول المتكلمون إثبات اعجازه، فزعموا أنه بالمعنى ولكنهم رأوا أن المعاني موجودة في غيره بل هي مشتركة بين الأمم و اللغات المختلفة، ثم قال النظام وهو أستاذ الجاحظ أن إعجاز القرآن بالصرفة حيث صرف الله العرب عن قول مثله، ولكن هذا لم يشف صدر الجاحظ حتى اهتدى إلى ما أسماه بالنظم، فقال بأن القرآن معجز بنظمه وتأليفه واندفع يشيد في الأدب كله بالنظم واعتبره وحده معيار البلاغة لما رآه مصدر إعجاز القرآن، وقد تصدى لهذه الفكرة الكثير من الأدباء كقدامة في كتابه نقد الشعر والجرجاني في كتابيه دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة، وابن قتيبه في كتابه الشعر و الشعراء، وابو هلال في كتابه الصناعتين، وابن رشيق في كتابه العمدة وغيرهم، وننقل هنا كلام لثلاثة ممن أثاروا هذه القضية وكان لهم آراء مختلفة وهم، الجاحظ وقد فضل اللفظ، وردُ الجرجاني عليه وقد فضل المعنى بعض الشيء، وكذلك كلام ابن رشيق وقد جمع بينهما.
    قول الجاحظ:
    يقول الجاحظ: "المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها الأعجمي والعربي والقروي والبدوي، وإنما الشأن في إقامة الوزن وتحبير اللفظ وسهولته وسهولة المخرج، وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير"، والعجيب أن الجاحظ من أئمة الأدب الذين اعتنوا بالمعنى و عرفوا شرفه، وحقا كان يعتني بألفاظه ولكنها عناية تابعة لمعانيه وهذا ما استخدمه الجرجاني للرد عليه كما سنرى.
    رد الجرجاني:
    تحدث الجرجاني في هذا الشأن في بداية كتابه أسرار البلاغة فبين أن الألفاظ لا تفيد بذاتها حتى تؤلف وترتب على وجه ما وحتى تحمل بين طياتها معنا يستحسن ويطلب، فهو يرى الألفاظ خدم للمعنى، فإن استجادة الشعر ليست لأجل اللفظ وحسب، وإلا لكان تغيير ترتيب كلمات بيت ما لا تضر بحسنه، غير أنها في الحقيقة تضر وتذهب ببهاء البيت بل ربما ذهب به كله ولم يعد قولا مفيدا، وبهذا فإن الألفاظ وحدها ليس لها فضل وليس بها إعجاز، فإنك إن استحسنت قولا فإنما ذلك لاستحسانك المعنى الذي طرق قلبك وعقلك، حتى أن فنون اللفظ التي تضفي عليه حسنا لا تستحسن بغير النظر إلى المعنى كالتجنيس مثلا: " فإنك لا تستحسن تجانس اللفظتين إلا إذا كان موقع معنييهما من العقل موقعاً حميداً ، ولم يكن مرمى الجامع بينهما مرمى بعيداً ، أتراك استضعفت تجنيس أبي تمام في قوله :
    ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت

    فيه الظنون أمذهب أم مذهب



    واستحسنت تجنيس القائل : حتى نجا من خوفه ومانجا ، وقول المحدث :
    ناظراه فيما جنى ناظراه

    أو دعاني أمت بما أو دعاني



    لأمر يرجع إلى اللفظ ؟ أم لأنك رأيت الفائدة ضعفت عن الأول وقويت في الثاني؟ ورأيتك لم يزدك بمذهب ومذهب على أن أسمعك حروفاً مكررة ، تروم لها فائدة فلا تجدها إلا مجهولة منكرة ، ورأيت الآخر قد أعاد عليك اللفظة كأنه يخدعك عن الفائدة وقد أعطاها ، ويوهمك كأنه لم يزدك ، وقد أحسن الزيادة ووفاها، فبهذه السريرة صار التجنيس وخصوصاً المستوفي منه المتفق في الصورة من حلي الشعر ومذكوراً في أقسام البديع ، فقد تبين لك أن ما يعطى التجنيس من الفضيلة أمر لم يتم إلا بنصرة المعنى".
    وكذلك الأمر في السجع فعلى كونه من زينة اللفظ إلا أننا نجد المتقدمين يزهدون فيه إلا ما جاء على الطبع و السجية وتجده قليل، أما المتأخرين فإنك تجد اهتمامهم بزينة اللفظ وشغفهم به وتنكرهم للمعنى أنساهم أنهم يتكلمون لِيُفهَموا.
    وساق الجرجاني دلالة من كلام الجاحظ نفسه على أن اللفظ ومحسناته ليست هي الأهم في الأمر، يقول الجرجاني: "جَنَّبَك اللّهُ الشُّبْهةَ، وَعصَمك من الحَيرة، وجَعلَ بينك وبين المعرفة نسباً، وبين الصدق سَبَباً، وحبَّب إليك التثبُّت، وزيَّن في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعرَ قلبكِ عِزَّ الحقّ، وأودَعَ صدرَك بَرْدَ اليقين وطرد عنك ذلَّ اليأس، وعرَّفك ما في الباطل من الذلَّة، وما في الجهل من القِلَّة".
    ويجعل الجرجاني الفضل في للمعنى حيث يقول: "ومنَ المعلوم أنْ لا معنى لهذه العباراتِ وسائرِ ما يجري مَجراها مما يُفْرَدُ فيه اللفظُ بالنعتِ والصفةِ وينسبُ فيه الفضلُ والمزيَّةُ إليه دونَ المعنى غيرَ وصفِ الكلام بحسنِ الدَّلالة وتمامِها فيما له كانت دَلالةٌ ثم تبرُّجها في صورةٍ هي أبهى وأزْينُ وآنقُ وأعجبُ وأحقّ بأنْ تستوليَ على هَوى النفس وتنالَ الحظَّ الأوفرَ من ميل القلوب وأولى بأن تطلقَ لسانَ الحامدِ وتُطيلَ رُغمَ الحاسد . ولا جهةَ لاستعمال هذه الخصالِ غير أنْ يُؤتَى المعنى من الجهةِ التي هيَ أصحُّ لتأديتهِ ويختارُ له اللفظُ الذي هو أخصُّ به وأكشَفُ عنه وأتمُّ له وأَحرى بأن يُكسِبَه نُبلاً ويُظهرَ فيه مزيَّةً".
    فهو بهذا يجعل المعنى أصلا واللفظ فرعا وهو كلام حسن فإن أول ما يتبادر إلى ذهنك المعنى الذي تريد أن تكتب عنه ثم إنك تبحث عن اللفظ الملائم له، غير أنك باطلاعك على كتب الجرجاني تخرج بأنه قد وفق بينهما وحفظ لكل حقه غير أنه بدى لتفضيل المعنى أقرب لما كان منه من دفاع عنه.
    قول ابن رشيق:
    أما ابن رشيق في كتابه العمدة فقد جمع بين القولين ورأى أن لكلاهما فضل ومزية، يقول ابن رشيق: "اللفظ جسم، وروحه المعنى، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم، يضعف بضعفه، ويقوى بقوته، فإذا سلم المعنى واختل بعض اللفظ كان نقصاً للشعر وهجنة عليه، كما يعرض لبعض الأجسام من العرج والشلل والعور وما أشبه ذلك، من غير أن تذهب الروح، وكذلك إن ضعف المعنى واختل بعضه كان للفظ من ذلك أوفر حظ، كالذي يعرض للأجسام من المرض بمرض الأرواح، ولا تجد معنى يختل إلا من جهة اللفظ، وجريه فيه على غير الواجب، قياساً على ما قدمت من أدواء الجسوم والأرواح، فإن اختل المعنى كله وفسد بقي اللفظ مواتاً لا فائدة فيه، وإن كان حسن الطلاوة في السمع، كما أن الميت لم ينقص من شخصه شيء في رأي العين، إلا أنه لا ينتفع به ولا يفيد فائدة، وكذلك إن اختل اللفظ جملة وتلاشى لم يصح له معنى؛ لأنا لا نجد روحاً في غير جسم البتة".
    وكذلك فعل قدامة في كتابه نقد الشعر حيث قسم الشعر أربعة أقسام، جيد اللفظ جيد المعنى، جيد اللفظ رديء المعنى، رديء اللفظ جيد المعنى، رديء اللفظ رديء المعنى وتعدث عن ائتلافهما، وهو بذلك يتفق مع ابن رشيق بتفصيل أكثر وهو الصواب والحق فإننا نرى البيت حسن معناه وساء لفظه و البيت ساء معناه وحسن لفظه.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 09, 2016 2:15 pm