منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    العربية لغة الإيجاز

    شاطر

    بدر المطيري

    عدد المساهمات : 5
    نقاط : 15
    تاريخ التسجيل : 09/03/2010

    العربية لغة الإيجاز

    مُساهمة  بدر المطيري في الجمعة مارس 12, 2010 8:35 am

    إن أبرز ما يلفت الانتباه في لغة العرب أنها لغة إيجاز، وكيف أن كلمة واحدة فيها أو جملة واحدة تحتوي على ألوان من المعاني المختلفة والمتشبعة التي يتلاعب خيالها في ذهن المرء بسماعه لهذه اللغة، فإذا اقتفينا آثار خطى هذه اللغة المجيدة منذ بدايات عهدها في العصر الجاهلي، نجد أن العرب حينذاك شـديدي الحرص على الإيجاز في لغتهم، وقد كانوا يعمدون إلى حذف الحـرف والكلمة والجملة والجمل إذا وجدوا أن المعنى تامة بدونها، ويقتصرون على الإشارة المعبرة الموحية إلى المعنى فضلا عن السرد الممل.

    وهكذا كانت السجية العربية الأولى تميل إلى الإيجاز، واللقطات الإيحائية في تعبيرها حين يغني اللمح عن التفصيل، وهذا ما نلمسه في أمثلتهم السائرة وخطبهم المتقطعة إلى فواصل كثيرة، وفي جعلهم البيت وحدة قائمة بنفسها.

    وفي صدر الإسلام كان العرب يجعلون من الإيجاز عماد بلاغتهم وركن فصاحتهم، وكانت هناك عوامل مصاحبة مع قيام الدولة الإسـلامية دعت إلى هذا المطلب البلاغي في لغتهم، إلى جانب أنه طبع وسـليقة في اللغة العربية، وقد جاء أن الإيجاز طبيعـة فبي الشـعوب السـامية التي تتصـف لغاتها بأنها لغات إجمالية، تعتمـد على التركيـز والاقتصاد على الجوهـر والتعبير بالكلمة الجامعـة والاقتفاء باللمحـة الدالـة.

    والإيجاز بعد أن كان روح وطبع لغوية صار للأهمية في تزيين الأسلوب اجتهاداً وروية وتدريبات، ويقول فيه الحكماء: "البلاغة علم كثير في قول يسـير"، و"خير الكلام ما قلّ ودلّ ولم يملّ"، وعمر رضى الله عنه يقـول: "ما رأيت بليغاً قط إلا وله في القول إيجاز، وفي المعاني إطالة"، وهذا بعض ما جاء في الإيجاز من أقـوال.

    والإيجاز يسمى في بعض الأحيان بالاختصار، وقد يذكره بعض العلماء في كتبهم بالإشارة، وله تعريفات ومفاهيم مختلفة لدى أصحاب البلاغة واللغة، وأول من تعرض للإيجاز هو العسـكري في كتابه "الصناعتين"، وقد عرف الإيجاز بأنه: "قصور البلاغة على الحقيقة، وما تجاوز مقـدار الحاجة فهو فضل".

    وقال السكاكي: الإيجاز أداء المقصود بأقل من عبارة المتعارف.

    وعند الرمـاني: البيان عن المعنى بأقل ما يمكن من اللفظ، وقد قد جاء في تفسيره للإيجاز بقوله: إذا كان المعنى يمكـن أن يعبر عنه بألفـاظ كثيرة، ويمكن التعبير عنه بألفاظ قليـلة، فالألفاظ القليلة إيجاز.

    أما الجاحظ فقد قال في ذكر في حقيقة الإيجاز: "الإيجاز ليس يعني به قلة عدد الحروف واللفظ، وقد يكون الباب من الكلام من أتى عليه فيما يسع بطن طومار فقد أوجز، وكذلك الإطالة وإنما ينبغي له أن يحذف بقدر ما يكون سببا لإغلاقه، ولا يردد وهو يكتفي في الإفهام بشطره، فما فضل عن المقدار فهو الخطل، أي يراد به حذف ألفاظ أو جمل من الكلام مالا يتسبب في إخلال المعنى أو التقصير فيها".

    وفي الحقيقة أن الإيجاز كان له نصيب من الاهتـمام لدى القدماء، فإلى جانب ما ذكرناه من أقوال وتعريفات يجـدر منا ألا نغفل الإشـارة ألي أن "أرسـطو" قد ذكر الإيجـاز في كتابه "الخـطابة"، وكان مما جـاء فيه: "واعلم أن الكلام ربما نفع إيجازه حين يـراد الإفهـام الوحي، ويوثق بتعقب الإقناع إياه لمعـرفة حـال السـامع أو حـال الأداء".

    هكذا، وان تباينت بعض النظريات والمفاهيم في تعريف الإيجاز، إلا أنها كلها تتفق على دلالة الإيجاز في الكلام عن طريق الإيحاء، لتناوله للمعاني بصورة أوسـع وأرحب حين يطلق سراح الذهن ويتجول فيها كيف شـاء بدون قيود أو حدود، مادامت يتمكلها اللفظ بالتفسير أو التأويل.

    ولا ينبغي أن يكون مقياس البلاغة في الإيجاز قله عدد الحروف فقط، بل عما يحمله اللفظ من معنى، وما يثيره من صور وأفكار، وقد يكون بذلك أدني إلي الفصاحة المتمة لصورة الإيجاز في البلاغة الحقيقية

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 05, 2016 7:30 am