منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    مصادر لغتنا العربية … وقواعدها

    شاطر

    فيصل السبيعي

    عدد المساهمات : 5
    نقاط : 15
    تاريخ التسجيل : 12/03/2010

    مصادر لغتنا العربية … وقواعدها

    مُساهمة  فيصل السبيعي في الجمعة مارس 12, 2010 10:31 am

    مصادر لغتنا العربية … وقواعدها


    بقلم : أ.د. احمد محمد قاسم
    مستشار الدراسات العليا لوكالة الرئاسة العامة لكليات البنات



    · قريش أفادت كثيرا من لغات العرب، فانتقت أحسنها.
    · لسان العرب أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها ألفاظا، ولا يحيط بجميعها غير نبي.
    · علماء العربية القدامى كانوا أكثر حرصا عليها وأشد دقة.
    · التنافس القوي بين مدرستي البصرة والكوفة أثرى اللغة العربية كثيراً.



    لغتنا العربية إحدى اللغات الحية التي قامت على وجه الأرض، فأدت رسالتها كاملة على خير وجه، فعبرت عن حاجات المجتمع من آمال وألام وعلوم وفنون وسارت مع المجتمعات العربية تستوعب كل جديد، وتتسع لكل مبتكر، فهي أداة طيعة للتفاهم، تستخدم للإبانة عن الأغراض، والكشف عما في النفوس، ولا شك أن العلوم النقلية ـ على قدر جلالها ـ لا يمكن الإلمام بها ومعرفة أسرارها إلا بالوقوف على قواعد اللغة؛ ومعرفة أصولها ودقائقها.
    وإذا كانت اللغة العربية قد استمدت معظم أصولها من القرآن الكريم ، والاستشهاد بآياته ، فإن العالم المفسر لا يستطيع أن يفهم كتاب الله ويقف على أسرار آياته إلا إذا ألم بقواعد اللغة، ولذلك قال أبو البركات الأنباري ما خلاصته (1) : (إن الأئمة من السلف والخلف أجمعوا قاطبة على أنه (أي النحو) شرط في رتبة الاجتهاد وأن المجتهد لو جمع كل العلوم لم يبلغ رتبة الاجتهاد حتى يتعلم النحو فيعرف به المعاني التي لا سبيل لمعرفتها بغيره، فرتبة الاجتهاد متوقفة عليه لا تتم إلا به).




    ولا عجب أن نجد العباقرة من أسلافنا يجمعون أصول النحو ويضعون أسسه وقواعده ويرفعون بنيانه بصدق وإخلاص، وصبر وعزيمة لا تلين، فكان الواحد منهم لا يوجد إلا في حلقة علم أو قاعة بحث، أو ميدان مناظرة، أو جلسة تأليف، أو في رحلة إلى البوادي والنجوع للوقوف على أسرار اللغة وجمع قواعدها من مصادرها الأصلية.
    وهؤلاء تركوا تراثا قيما مدونا انتفع به تلاميذهم وخلفاؤهم وتوارثته الأجيال وتعاقبت عليه طوائف علماء اللغة وتنافسوا في تشييد أركان قواعد اللغة وأصولها، وإقامة بنيانها على أسس سليمة مستمدة من مصادرها. لذا فإن تراثهم الذي خلفوه وراءهم نفيس للغاية لأنهم بذلوا فيه جهدا خارقا لا يرقى إليه كثير من علماء العلوم الأخرى.
    ولقد اختلف العلماء في أصل وضع اللغة العربية، هل هي من وضع الله سبحانه وتعالى أم هي من وضع البشر؟
    فنرى القرطبي يقول عند تفسير قوله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها)(2) :
    " اختلف أهل التأويل في معنى السماء التي علمها الله تعالى آدم عليه السلام، فقال ابن عباس : علمه أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها، ثم يقول : قلت : وقد روي هذا المعنى مرفوعا على ما يأتي وهو الذي يقتضيه لفظ "كل" إذ هو موضوع للإحاطة والعموم(3)" ثم يقول : قال ابن منداد : "في هذه الآية دليل على أن اللغة مأخوذة توقيفا وأن الله تعالى علمها آدم عليه السلام جملة وتفصيلا" .
    ويميل الأزهري أيضا إلى أن اللغة توقيف، فيقول (لسان العرب أوسع الألسنة مذهبا أكثرها ألفاظا، وما نعلم أحدا يحيط بجميعها غير نبي ولكنها لا يذهب منها شيء على عامتها حتى لا يكون موجودا فيها(4)، ولكن ابن منظور يرى أن لغة العرب ليست مما تلقاه آدم عن ربه وإنما هي لغة يعرب بن قحطان فقال : "اختلف الناس في العرب لم سموا عربا؟
    فقال بعضهم : أول من انطق الله لسانه بلغة العرب يعرب بن قحطان، وهو أبو اليمن كلهم وهم العرب العاربة، ونشأ إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام معهم فتكلم بلسانهم، فهو وأولاده العرب المستعربة، وقيل إن أولاد إسماعيل نشأوا بعربة وهي من تهامة فنسبوا إلى بلدهم . وروي أن النبي (ص) قال : "خمسة أنبياء من العرب وهم : محمد وإسماعيل، وشعيب، وصالح، وهود صلوات الله وسلامه عليهم" وهذا يدل على أن لسان العرب قديم وهؤلاء الأنبياء كلهم كانوا يسكنون بلاد العرب". ثم قال : " وكل من سكن بلاد العرب وجزيرتها ونطق بلسان أهلها فهم عرب"، وقال أيضا : "وقال قتادة : كانت قريش تجتبي أي تختار أفضل لغات العرب حتى صار أفضل لغاتها لغتها، فنزل القرآن بها" وإذا كان ابن منظور يرى أن لغة العرب ليست مما تلقاه آدم عن ربه وأن أول من نطق بالعربية هو يعرب بن قحطان فإنه لم يحدد لنا كيف أنطق الله يعرب بن قحطان بهذه اللغة ولم يبين لنا ما إذا كان ذلك على سبيل الإلهام أو غيره".
    ولكن ابن جني يفصل الكلام فيما قيل عن أصل اللغة فيقول(6): "حد اللغة أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم واختلف هل هي من وضع الله أن البشر؟ على مذاهب :


    أحدها وهو مذهب الأشعري :
    أنها بوضع الله واختلف على هذا هل وصل إلينا علمها بالوحي إلى نبي من أنبيائه؟ أو بخلق أصوات في بعض الأجسام ؟ تدل عليها وإسماعها لمن عرفها ونقلها ، أو بخلق العلم الضروري في بعض العباد بها على ثلاثة آراء :
    أرجحها الأول ويدل له ولأصل المذهب قوله تعالى : (وعلم آدم الأسماء كلها)(7) أي علمه المسميات، قال ابن عباس : علمه اسم الصفحة والقدر وغيرهما، وفي رواية عنه عرض عليه أسماء ولده إنسانا، والدواب، فقيل : هذا الجمل، هذا الفرس، أخرجهما ابن أبي حاتم في تفسيره وتعليمه تعالى دال على أنه الواضع (للغة) دون البشر وأن وصولها بالوحي إلى آدم" ولقد رجح ابن جني هذا الرأي ونقله عن شيخه أبي الفارس.

    والمذهب الثاني :
    أنها اصطلاحية من وضع البشر ثم قيل : وضعها آدم عليه السلام، وتأول ابن جني الآية على أن معنى (علم آدم) أي أقدره على وضعها ، وقيل: أصل اللغات كلها من الأصوات المسموعات ، كدوي الريح والرعد، وخرير الماء، ونعيق الغراب، وصهيل الفرس، ونهيق الحمار ونحو ذلك ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد واستحسنه ابن جني، وقال: "وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل(9)".



    والمذهب الثالث :
    الوقف أي لا يدري أهي من وضع الله تعالى أم من وضع البشر لعدم دليل قاطع على ذلك، واختار ابن جني هذا الرأي أخيرا، حيث قال: " فأقف بين تين الخلتين حسيرا وأكاثرهما فأنكفئ مكثورا، وإن خطر خاطر فيما بعد يعلق الكف بإحدى الجهتين ويكفها عن صاحبتها قلنا به وبالله التوفيق(10)".
    ويعلق على ذلك محقق الخصائص الشيخ محمد علي النجار بقوله : " يبدو من هذا أن مذهب ابن جني في المبحث : الوقف ، فنراه لا يجزم بأحد الرأيين: الاصطلاح والتوقيف وقد صرح بهذا ابن طيب في شرح الاقتراح".
    وإذا كانت اللغة توقيفية أو اصطلاحية فهل وضعت في وقت واحد؟ قال ابن جني : "الصواب رأي أبي الحسن الأخفش سواء قلنا بالتوقيف أم بالاصطلاح : أن اللغة لم توضع كلها في وقت واحد بل وقعت متلاحقة متتابعة فإنها لابد أن يكون وقع في أول الأمر بعضها، ثم احتيج فيما بعد للزيادة عليه لحضور الداعي إليه فزيد فيها شيئا فشيئا إلا أنه على قياس ما كان منها في حروفه وتأليفه وإعرابه المبين عن معانيه لا يخالف الثاني الأول(11)".
    ولكن الشيخ محمد الطنطاوي صاحب نشأة النحو، يرجح رأيا في هذا الموضوع بل ترك الأمر من غير تحديد فقد قال في صدر تمهيده لمؤلفه(12): "نشأت اللغة العربية في أحضان جزيرة العرب خالصة لبنائها منذ ولدت نقية سليمة مما يشينها من أدران اللغات الأخرى، ثم يبين أنه كان لأسواق العرب التي كانت تقام بأرضهم طوال العام أثر كبير في قوة اللغة ورفعة شأنها ومن أشهر الأسواق عكاظ ومجنة و ذو المجار التي كان يتبارى فيها مداره الخطباء ومفوهوا الشعراء من القبائل المتنائية الأصقاع يعرضون فيها مناظراتهم ومنافراتهم ومعاظماتهم وكل ما يعن لهم في جيد الخطب وبديع الشعر فقد عاد ذلك على اللغة بتثبيت دعائمها وإحكام رسوخها وجودة صقلها وبقيت كذلك متماسكة البنيان غير مشوبة بلوثة الأعاجم".
    · وهكذا كانت اللغة لها مكانتها السامية ومنزلتها الرفيعة يغار عليها أبناؤها ويحرصون على قوتها ونقائها من اللحن، بل كانوا يعجبون لمن يلحن كيف يرزق، قال ابن قتيبة: "روي أن أعرابيا دخل أسوق فسمع بعض العرب يلحنون، فقال : سبحانه! يلحنون ويربحون، ونحن لا نلحن ولا نربح!!(13)".
    · والحقيقة أن اللغة كانت قبل الإسلام وفي بدايته قوية صحيحة فصيحة سليمة البنيان إلى أن اختلط العرب بالأعاجم فظهر اللحن على ألسنتهم وامتد ذلك إلى القرآن الكريم ومن هنا ألحت الضرورة لوضع قواعد اللغة العربية لضبط الألسنة وعصمتها من اللحن والخطأ وكان بدء التفكير في وضع قواعد النحو في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقيل على يد علي بن أبي طالب كرم الله وجهه فقد جمع كثيرا من الأسماء والأفعال والحروف وأعطاها لأبي الأسود الدؤلي وبين له أنواعها وقال له انح هذا النحو (14) فكان ذلك نواة لمادة النحو العربي وكان شأنه في ذلك شأن أي شيء يولد، فقد ولد في القرن الأول الهجري ضعيفا محتاجا إلى العناية والرعاية ثم حبا بعد ذلك في أوائل القرن الثاني الهجري ثم نما عوده فأصبح شاب يافعا في أواخر هذا القرن وأوائل القرن الثالث الهجري فقد ظهرت كوكبة من أئمة اللغة والنحو فوضعوا الأسس والدعائم واستمدوا أصول اللغة وقواعدها من كلام العرب ومن هؤلاء الأئمة الأعلام: الخليل بن أحمد المتوفي سنة 160هـ، ويونس بن حبيب المتوفي سنة 183هـ، وسيبويه المتوفى سنة 183هـ، وأبو الحسن الكسائي المتوفي سنة 189هـ، وأبو زكريا الفراء المتوفي سنة 207هـ، وأبو عمر الجرمي المتوفى سنة255هـ، وأبو عثمان المازني المتوفى سنة 248 أو 249، 230، في أحد الأقوال، وأبو العباس المبرد المتوفى سنة 285هـ، وأبو العباس ثعلب المتوفى سنة 291هـ، وغيرهم من جهابذة العلماء وأئمة اللغة.
    ولقد اهتم هؤلاء بالقواعد الأصولية للغة حيث قاموا بجمع أصول العربية من السماع والإجماع والقياس واستصحاب الحال، والسماع هو الاحتجاج بمن يوثق بفصاحته فشمل كلام الله تعالى وهو القرآن الكريم وكلام نبيه (ص) الوارد إلينا نصا وكذلك شمل كلام العرب ممن توثق بعربيتهم وفصاحتهم قبل بعثة النبي(ص) وفي صدر الإسلام نظما ونثرا عن مسلم أو كافر إلى أنت فسدت الألسنة للاختلاط بالأعاجم وكثرة المولدين.
    فالقرآن الكريم مصدر من مصادر اللغة التي تحتج بها العربية سواء أكانت القراءة متواترة أم آحاد بل يحتج بالقراءة الشاذة أيضا ، قال السيوطي : "وقد أطبق الناس على الاحتجاج بالقراءات الشاذة في العربية إذا لم تخالف قياسا معروفا بل لو خالفته يحتج بها"(15) ثم قال : "وما ذكرته من الاحتجاج بالقراءة الشاذة لا أعلم فيه خلافا بين النحويين، وإن اختلف الاحتجاج بها في الفقه، ومن ثم احتج عن جواز إدخال لام الأمر على المضارع المبدوء بتاء الخطاب بقراءة : (فبذلك فلتفرحوا)(16)، واحتج على صحة قول من قال إن الله أصلها "لاه" بما قرئ شاذا : (وهو الذي في السماء لاه، وفي الأرض لاه)(17)".
    وأما الحديث الشريف فيحتج بما ثبت أنه من لفظ رسول الله (ص) وذلك قليل لذا نرى الكثيرين من النحاة لم يحتجوا بالحديث الشريف لأمور منها : أن معظم الأعاجم والمولدين قد تداولتها قبل تدوينها فزادوا عليها ونقصوا منها، وقدموا وأخروا، وأبدلوا ألفاظا بألفاظ ولهذا ترى الحديث الواحد في الموضوع الواحد مرويا على أوجه شتى، ولأن بعض الرواة الأعاجم لا يعلمون ذلك.
    ولذلك قال أبو البركات الأنباري عند الكلام عن منع "أن" في خبر كاد : "وأما حديث (كاد الفقر أن يكون كفرا) فإنه من تغييرات الرواة لأنه (ص) أفصح من نطق بالضاد(18)".
    وأما كلام العرب فيحتج بما ثبت عن الفصحاء الموثوق بعربيتهم لذا لا يحتج بكلام أهل الحضر ولا من في أطراف بلاد العرب لمجاورتهم لغيرهم ممن خالطوا الأعاجم.
    وإذا كان النحو قد نشأ بالبصرة فإن البصرة أنشئت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ونزح إليها واستوطنها صفوة من القبائل العريقة في الفصحى فاتخذوها دراهم وأكثرهم من قيس وتميم وكان قريبا منهم "المربد" وهي سوق صارت في الإسلام معادلة لسوق النوادي الأدبية، والمجامع الثقافية ، وحلقات الإنشاد والمفاخرة والمنافرة والمعاظمة ومجالس العلم والأدب، وكان الشعراء يؤمونه ومعهم رواتهم، وكان لفحولهم حلقات خاصة فيها قال الأصفهاني " وكان لراعي الإبل والفرزدق وجلسائهما حلقة بأعلى المربد يجلسون فيها"(19).
    كما كان العلماء والأدباء والأشراف ينزلون فيه للمذاكرة والرواية والوقوف على ملح الأخبار، كذلك كان اللغويون يأخذون عن أهله ويدونون ما يسمعون فيه ما يصحح قواعدهم، وكثيرا ما نجد التنويه عنه في تراجم النحاة واللغويين(20).
    ولم يكتف علماء البصرة بذلك بل اجهدوا أنفسهم فارتحلوا إلى البوادي والنجوع وشرقوا وغربوا وتحملوا الشهور والأعوام تفنيا في التثبت بأنفسهم من سلامة ما يروون عن العرب، وعن هؤلاء أخذت العربية، وفي أيامهم دونت.
    روى أن أبا الحسن الكسائي سأل الخليل بن أحمد من أين أخذت علمك؟ فقال من بوادي نجد والحجاز وتهامة. فسلك الكسائي طريق الخليل ونهج نهجه وخرج إلى الأماكن التي استقى منها الخليل علمه ثم رجع بعد أن أنفد خمس عشرة قنينة حبر في الكتابة عن العرب سوى ما حفظ من أهل البادية وحين عاد إلى البصرة وجد الخليل قد مات وجلس في موضعه يونس بن حبيب البصري فجرت بينهما مسائل ومناقشات أقر له فيها وصدره في موضعه مع أن الكسائي كان كوفيا(21).
    ولقد كان للتنافس الشديد بين البصرة والكوفة أثر كبير في جمع أصول اللغة ووضع قواعدها فقد كانت تعقد المساجلات والمناظرات بين علماء البلدين رغبة في الوصول إلى الحلقات واعتزاز بما لديهم وأملا في الحظوة عند العلماء والأمراء. ومن ذلك مناظرة الكسائي وسيبويه، ومناظرة الكسائي والأصمعي، ومناظرة المبرد وثعلب، وكان المتناظرون يستشهدون مناظراتهم بفصيح كلام العرب وأشعارهم وكانوا يفخرون ويتباهون بأنهم استمدوا مصادر اللغة وأصولها من البوادي والنجوع العربية الأصلية، وفي ذلك يقول الرياشي البصري : " نحن نأخذ اللغة عن حرشه(22) الضباب، وأكلة اليرابيع، وهؤلاء ـ يقصد بهم الكوفيين ـ أخذوا اللغة عن أهل السواد(23)، أصحاب الكواميخ(24) وأكلة الشواريز"(25)، لذا فإنهم لم يحتجوا بكلام المولدين والمحدثين ، وقيل إن آخر من استشهد بشعره هو إبراهيم بن هرمة، وإن أول المحدثين بشار بن برد، وإن كان سيبويه قد احتج ببعض شعره.
    وكما أن "الإجماع" حجة من الحجج الشرعية فإنه حجة من حجج النحاة واللغويين، قال في الخصائص : "وإنما يكون حجة إذا لم يخالف المنصوص ولا المقيس على المنصوص، وإلا فلا؛ فإنه لم يرد في قرآن ولا في سنة أنهم يجتمعون على الخطأ "(26).
    وقال السيوطي : " وإجماع لنا بالوقوف عليه، ومن صوره أن يتكلم العربي بشيء، ويبلغهم ويسكتون عليه.(27) ". كما أنه استدل على حجية الإجماع بما ذكره ابن مالك(27) من جواز توسيط خبر "ما" الحجازية مع نصبه بقول الفرزدق :
    فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم
    إذا هم قريش وإذا ما مثلهم بشر
    فالفرزدق كان له أضداد من الحجازيين والتميميين ولم يرد عنهم تصويب قوله فعدم نقل ذلك عنهم دل على إجماعهم على صواب قوله(29).
    ولم تقف اللغة العربية على المسموع عن العرب فحسب بل تجاوزت ذلك إلى القياس، فالقياس أحد مصادر اللغة وقد عرفه أو البركات بأنه : " حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه"(30).وقال : وهو معظم أدلة النحو والمعول في غالب مسائله عليه كما قيل : "إنما النحو قياس يتبع"، ولهذا قيل في حده : " إنه علم بمقاييس مستنبطة من استقراء كلام العرب"، وعلق السيوطي على ذلك بقوله : "فمن أنكر القياس فقد أنكر النحو لا يعلم أحد من العلماء أنكره لثبوته بالدلالة القاطعة وذلك أنا أجمعنا على أنه إذا قال العربي: كتب زيد فإنه يجوز أن يسند هذا الفعل إلى كل اسم مسمى يصح منه الكتابة نحو عمرو وبشر وأزدشير، إلى ما لا يدخل تحت الحصر وإثبات ما لا يدخل تحت الحصر بطريق النقل محال"(31)، ثم قال : "وكذلك القول في سائر العوامل الداخلية على الأسماء والأفعال الرافعة والناصبة والجارة والجازمة فإنه يجوز إدخال كل منها على ما لا يدخل تحت الحصر وذلك متعذر بالنقل فلو لم يجز القياس واقتصر على ما ورد في النقل من الاستعمال لبقي كثير من المعاني لا يمكن التعبير عنها وذلك مناف لحكمة الوضع فوجب أن يوضع وضعا قياسيا عقليا لا نقليا بخلاف اللغة فإنها وضعت وضعا نقليا لا عقليا فلا يجوز القياس فيها بل يقتصر على ما ورد به النقل. ألا ترى أن "القارورة" سميت بذلك لاستقرار الشيء فيها، ولا يسمى كل مستقر يه قارورة، وكذلك سميت الدار دارا لاستدارتها ولا يسمى كل مستدير دارا ".
    كذلك من الأصول النحوية التي يعتد بها "استصحاب الحال" وهو كما قال الأنباري "إبقاء الحال على ما يستحقه في الأصل عند عدم دليل النقل في الأصل.. وهو من الأدلة المعتبرة كاستصحاب حال الأصل في الأصل في الأسماء وهو "الإعراب" حتى يوجد دليل البناء، وحال أصل الأفعال وهو "البناء" حتى يوجد دليل الإعراب"(32) وقال في الإنصاف(33) "احتج البصريون على أنه لا يجوز الجر بحرف محذوف بلا عوض بأن قالوا أجمعنا على أن الأصل في حروف الجر لا تعمل مع الحذف وإنما تعمل معه في بعض المواضع إذا كان لها عوض وفلم يوجد هنا فبقي فيما عداه على لأصل والتمسك بالأصل تمسك باستصحاب الحال وهو من الأدلة المعتبرة ". وقال ابن مالك : " من قال إن كان وأخواتها لا تدل على الحدث فهو مردود بأن الأصل في كل الأفعال الدلالة على المعنيين [أي الحدث والزمان] فلا يقبل إخراجهما على الأصل إلا بدليل"(34).
    ويقول السيوطي : "والمسائل التي استدل فيها النحاة بالأصل كثيرة جدا لا تحصى كقولهم : الأصل في البناء السكون إلا لموجب تحريك، والأصل في الحروف عدم الزيادة حتى يقوم دليل عليها من الاشتقاق ونحوه، والأصل في الأسماء الصرف والتنكير والتذكير وقبول الإضافة وإسناد"(35).
    ومع أن الأنباري قد قال : إن استصحاب الحال من الأدلة المعتبرة ما سبق إلا أنه قال إنه من أضعف الأدلة ولهذا لا يجوز التمسك به ما وجد هناك دليل فلا يجوز التمسك به في إعراب الاسم مع وجود دليل على البناء من شبه الحرف أو تضمن معناه(36) .
    تلك أهم الأصول التي استقى منها النحاة قواعدهم ذكرتها بإيجاز وهناك عدد من المصادر الأخرى التي استمد منها النحاة أصولهم كالاستدلال بالعكس أو بيان العلة أو عدم النظير أو الاستحسان أو الاستقراء أو التعارض والترجيح ويمكن الرجوع في ذلك إلى المصادر التي عنيت بذلك كأصول النحو لابن السراج ولمع الأدلة وجدل الإعراب وأسرار العربية للأنباري،والاقتراح للسيوطي والله أعلم.

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 03, 2016 10:41 am