منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    مستقبل اللغة العربية في القرن الواحد والعشرين

    شاطر

    فيصل السبيعي

    عدد المساهمات : 5
    نقاط : 15
    تاريخ التسجيل : 12/03/2010

    مستقبل اللغة العربية في القرن الواحد والعشرين

    مُساهمة  فيصل السبيعي في الجمعة مارس 12, 2010 10:35 am

    مستقبل اللغة العربية في القرن الواحد والعشرين



    بقلم : أ. د. الطاهر أحمد مكي
    كلية دار العلوم ـ القاهرة .


    · القبطية في مصر لم تصعد أمام زحف اللغة العربية مما أدى إلى زوالها.
    · الفارسية كانت لغة دولة قوية آنذاك مما جعلها تصمد أمام زحف العربية.
    · حتى الشعوبيون الذين هم اشد كرها للعرب لم يستطيعوا الانفصال عن العربية بل اتخذوها وعاء نتاجهم الأدبي.
    · في القرن العاشر الهجري أصبحت العربية لغة الأدب الوحيدة على امتداد العالم الإسلامي رغم اختلاف لغاتهم الخاصة.




    لنتصور ما ستكون عليه اللغة العربية غدا، علينا أن نستقرئ تاريخها على امتداد أكثر من ألف ونصف ألف من الأعوام، كيف نشأت أصلا، وتطورت واقعا، عبر هذا الزمن الطويل، وما عوامل الثبات التي أبقت عليها دون غيرها من لغات الأرض، ومظاهر التغير التي عرضت لها فجددتها وجعلتها موائمة للكثير من البيئات ومختلف العصور، وغذتها بقاء ونماء وتكورا، لن هذه العوامل نفسها هي التي سوف تحكم سيرتها أيضا في قابل أيامها، في القرن التالي، أو بعد ألف عام ثالثة من الزمان.
    كان ظهور الإسلام بعيد الثر في حياة اللغة العربية على نحو لم تعرفه من قبل، ومع نزول القرآن الكريم بها تأكدت الرابطة الإلهية بينها وبين الدين الجديد وأصبحت لغة دين وحضارة، ومضت مع الإسلام أيان اتجهن وصارت لغة الدولة ووعاء الثقافة في كل العالم الإسلامي، واستقرت إلى الأبد في معظم الأقاليم التي بلغها الإسلام وانسجت باخرة من بعضها الآخر لأسباب تتصل بالسياسة أولا، وبقوانين الصراع بين اللغات ، وقد ربطت بين كل أجزاء الدولة برباط وثيق، وحين استردت بعض اللغات الإسلامية الأرض التي فقدتها ـ كالفارسية مثلا ـ ظلت العربية إلى جوارها لغة الدين والمباحث الإسلامية.
    لقد جعل الإسلام من الفصحى نموذجا يحتذى وتكفلت جهود العلماء من شتى الشعوب الإسلامية في مجالات النحو والصرف والأصوات ومعاني المفردات بالإبقاء على صورتها الأولى، أو على صورة جد قريبة منها إذا شئنا الدقة.
    هذا النفوذ الذي بلغته العربية في مناطق كانت تستوطنها لغات ما كان يمكن أن يحدث دون أن تتعرض هي نفسها لتأثير وتغيير، ومهما تباينت هذه العلاقات الجديدة فلم تكن هناك حدود فاصلة بين الفاتحين المسلمين والشعوب التي خضعت للإسلام، فخلقت لغات هؤلاء آثارا واضحة في اللغة العرية، فتركت الفارسية ملامح بينة في عربية أهل البصرة، وتلاقت في كوفة الآرامية والفارسية والعربية، حيث يتلاقى التجار والصناع وغيرهم، ويكنون مع أسرى الحروب إذ ذاك وكان عددهم كبيرا، أغلبية مؤثرة، وصارت الفارسية لغة التفاهم بينهم زمنا.
    وبينما كان تأثير الفارسية في عربية العراق كبيرا، وكثرت الألفاظ الفارسية في العربية الفصيحة وأخذت إيقاعا عربيا، كان أثر القبطية في عربية مصر ضئيلا، أو معدوما، ويرده الباحثين إلى أن مصر لم ترزق في ذلك الوقت عالما في قامة الجاحظ يلتفت إلى لغة الطبقة الوسطى والدنيا بين السكان في المدن، ويلقى ضوءا على العلاقات اللغوية في الفسطاس القديمة فيسجلها، ويكتب لها الاستمرارية، وهي فيما أحسب لم تكن تختلف كثيرا عما كانت عليه الحال في البصرة والكوفة، ولو أن ذلك لا يحول دون القول بأن عملية التعريب في مصر تمت بصورة أسرع وأعمق مما كان عليه الحال في العراق، وهو أمر يمكن أن يعزى إلى عدة أسباب منها : أن مصر القبطية كانت في وهدة الانحدار حضاريا سياسيا وثقافيا، فلم تكن تملك من وسائل المناعة ما يهبها قوة المقاومة والتماسك، ولا من تراث مصر العريق في عصورها الفرعونية ما يعينها على المواجهة والثبات، إلى جانب أن الناس أقبلوا على الإسلام أفواجا هائلة، لعوامل مختلفة فرجحت كفة العربية في القرن الثالث الهجري وتراجعت القبطية إلى سهول الريف، وأخذت شكل جزر لغوية منعزلة في الصعيد، ثم تلاشت تماما في القرن السادس الهجري، الثاني عشر الميلادي.
    · لقد تميزت اللغة العربية بأنها لغة دين عظيم، بها نزل القرآن الكريم، وهو يختلف عن غيره من الكتب السماوية، ولا يشعر المسلم بأنه يقرأه إلا إذا كان في لغته العربية، أما الترجمة فيهي مجرد شرح وتفسير للإفهام فحسب، ولا يتذوق المرء معها حلاوته نصا، ولا يدرك مدى إعجازه بلاغة، ومن هنا تحرص جمهرة المسلمين على أن ترفق النص العربي بترجماته المختلفة على الهامش أو في صفحة مقابلة أو بين السطور، ويرى أغلب الفقهاء أن الصلاة يجب أن تؤدى بالعربية فما من مسلم إذن إلا ويعرف من العربية شيئا قل أو كثر.
    وهكذا أصبحت العربية في شعور أي مسلم أيا كانت لغته الأصلية، جزءا لا ينفصل من حقيقة الإسلام نفسه، ولم يفكر الفرس الذين بلغوا منزلة عالية في الخلافة العباسية، في أرقى عهودها وأوج نفوذهم أن يرتفعوا بإحدى اللهجات الإيرانية لتكون لغة الدولة، ولا في فارس نفسها، وكان يجب أن يمضي قرن كامل من الزمان بعد، قبل أن تبعث الفارسية لغات أدب وحياة.
    ولم يستطع حتى الشعوبيون الذين ادعوا تفوق غير الشعوب العربية على العرب أن ينتقصوا من مكانة العربية ولم يفكر ابن المقفع ولا بشار بن برد ـ مثلا ـ ويأتيان في طليعة الأدباء العرب وأصولهما فارسية، وينزعان إلى الشعوبية بقوة، في استخدام لغتهما الأصلية ، وهي الفارسية، في إبداعهما وإنما اعتمدا العربية واتخذاها وسيلة للتعبير فكان الأول ناثرا متميزا، والثاني شاعرا فذا.
    وقد أدى انتقال العربية من البداوة إلى الحضارة، وتغلغل غير العرب في مناطق الأدب، إلى تلاشي طابعها القديم، وحل مكانه أسلوب منمق مهذب، وسرعان ما فرضت هذه اللغة السهلة المنسكبة الواضحة سلطانها على الجميع، فاحتذاها الكتاب وأصبحت لغة الأدب عند المثقفين في العالم الاسلامي، دون تمييز بين جنس وآخر، ولا بين لغة أصلية أو لهجة وطنية، حيث الشعوب والأقوام في الدولة الإسلامية العظمى أخلاط من البشر يموج بعضها في بعض، ولم تقف قواعدها المحكمة من نحو وصرف وإعراب واشتقاق وبناء في وجه تيارات التجديد وجاءت في جانب منها على الأقل صدى للغات الوطنية آلتي انمحت، وتخلقت بقية منها في أعماق أهلها، أو بقيت جزرا منعزلة في طائفة أو طبقة أو مهنة أو مكانا قصيا، ولما تتوقف عن التطور ولا تزال قابلة للتجديد، دون أن يبتعد بها هذا عن أصولها أو تفقد هويتها، والفضل في ذلك أولا وأخيرا يعود إلى القرآن الكريم.
    في القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي، أصبحت العربية لغة الأدب الوحيدة على امتداد العالم الإسلامي مهما كانت أصول أهله، وأسهمت كل الأقاليم مهما تناءت في بناء صرح الأدب العربي، ولم تستطع الفواصل والحدود السياسية أن تصبح عقبة أمام انتقال الأدباء والعلماء والشعراء، فأبو علي القالي ـ مثلا ـ نشأ في أرمينيا، وتأدب في بغداد، وعلم وألف في إسبانيا، وعاش الخوارزمي في العراق، وخدم سيف الدولة في حلب، وطوف بديع الزمان الهمذاني في خراسان وسجستان وأفغانستان، وكانت حياة المتنبي قاسماً مشتركاً بين العراق والشام ومصر وفارس.
    هذه الحياة المغامرة المتجولة كانت شيئا مألوفا ومطردا،وأحدثت نشاطا عظيمات في تبادل الأفكار والآراء وانتشار المذاهب ،واحتفظت للغة الأدب، بطابعها الفصيح، ويشير المقدسي، وهو رحالة من القرن الثالث عشر الميلادي، واهتم كثيرا بالظواهر اللغوية، إلى أن أسمى درجات العربية كانت تتكلم في فارس، لأن الناس هناك يبذلون جهدا عظيما في دراستها، "فهم يتكلفونها تكلفا، ويتعلمونها تلفقا".
    · وقد نجم عن انتشار اللغة العربية ثراء إمكاناتها في التعبير عن شتى الأغراض والمعاني والأفكار وارتقاؤها في الأخيلة والأساليب والتعبير واستطاعت أن تجلو المعاني الدقيقة التي تطلبها ارتقاء العلوم و والفنون، وأن تستخدم الحجج العقلية والبراهين الفلسفية، وتجردت ألفاظ كثيرة من معانيها القديمة وأصبحت تدل على معان جديدة، خاصة بالعبادات أو السياسة أو الحروب أو مصطلحات العلوم والفنون واقتبس العرب إلى جانبها للأغراض نفسها ألفاظا من لغات أخرى كالفارسية بخاصة، ثم السريانية،واليونانية، بعد أن أعربوها وصقلوها بمناهج اللسان العربي.
    أنزلت الأمم الإسلامية كلها اللغة العربية منزلة سامية، لأنها لغة القرآن والسنة المصدرين الأساسيين للتشريع الإسلامي، والذين لا يتكلمونها يحفظون القرآن أو أجزاء منه لأداء عبادتهم، وكثيرا ما يعرفونها إلى جانب لغتهم الأصلية.
    لقد انتشرت اللغة العربية في إفريقيا في جنوب الصحراء في زمن مبكر جدا، وحتى قبل أن يبلغها الإسلام، حملها التجار معهم، وأذاعوها في نطاق محدود قد لا يتجاوز الأسواق الرئيسة في المدن الكبرى، ولكنه هام ومؤثر، فلما جاء بعدها الإسلام ثبت أقدامها فظهرت المدارس القرآنية، واهتم بها المجتمع الإفريقي، يرسل إليها الأطفال بينين وبنات، ولم تكن تختلف عن بقية المدارس الشبيهة في أي بلد إسلامي، فطرق التدريس تقليدية، وتتمتع بحرية واسعة، وفي استطاعة أي إنسان أن يفتح مدرسة أو كتابا أو خلوة ومدلولها جميعا واحد، وإن اختلفت الأسماء حسب البلد الذي تقام فيه هذه المؤسسة التربوية البدائية، يقيمها أهل الخير ابتغاء مرضاة الله، وقد تجد تشجيعا من الدولة وفي الوقت نفسه كان كبار رجال الدولة علماء وأساتذة، ويجعلون من بيوتهم مدارس يتوافد عليها الراغبون في العلم.
    وقد بلغت العربية في جنوب الصحراء مبلغا عظيما، وأصبحت اللغة الرسمية في نيجيريا على امتداد القرن التاسع عشر الميلادي، وعرفت عددا من المجيدين والكتاب الناثرين والمؤلفين، وكان هذا الشعر موضع دراسة جادة في عدد من الجامعات المصرية.
    وتسود اللغة العربية بين غالبية المسلمين في الحبشة، وحافظوا عليها بقوة باعتبارها لغة القرآن الكريم، واستطاعوا فيما قبل القرن العشرين أن يقيموا بينهم وبين الدول الإسلامية المجاورة، اليمن، والسودان، والحجاز، ومصر بخاصة، روابط ثقافية واقتصادية وثيقة، وضم الأزهر رواقا شهيرا يسمى رواق الجبرتية كان مخصصا للطلاب القادمين من شرق إفريقيا بعامة، وللطلاب الأحباش بخاصة، وكثيرون من الأحباش الذين درسوا في الأزهر عادوا إلى بلادهم وتولوا المناصب الدينية من قضاء وافتاء، وكانوا من مواطنيهم موضع إجلال وإكبار.
    فإذا اتجهنا إلى الشرق الآسيوي فإن معلوماتنا عن انتشار اللغة العربية في العصور الأولى محدودة للغاية، فقد تبعت الإسلام، وكانت وراءه على بعد خطوات من وصوله دائما، واهتم المؤرخون ـ كما هي العادة ـ بالأحداث العسكرية إن وجدت، أو مظاهر الإسلام في البلاد التي بلغها، وقلما يعنون بالمراحل التي بلغتها اللغة العربية في انتشارها وصراعها وانتصاراتها، وتجئ أفكارنا حول هذه القضية معتمدة أساس على إشارات قليلة متناثرة في كتب التراجم والطبقات والتاريخ.
    كان الدين الإسلامي أساس التعليم، وكان هذا بدوره يرتكز على اللغة العربية، ويذكر الرحالة ابن جبير المتوفى عام 614هـ/1317م، أنه شاهد الأطفال في الهند يحفظون القرآن الكريم ويتعلمون الخط من خلال الآيات القرآنية في تدريب الصبية عليه، احتراما لكلام الله تعالى.
    وهكذا حفظت اللغة العربية الفصحى رغم أنها لم تكن لغة البلاد ولا لغة الحكومة، وكانت الكتب المتصلة بالتفسير والحديث والفقه والعقائد باللغة العربية، ولم تكن ترجمت إلى الفارسية حتى ذلك الوقت، وقدمت لنا شبه الجزيرة الهندية كوكبة عظيمة من كبار العلماء في مجالات اللغة العربية والعلوم الإسلامية المختلفة.
    ونلتقي بالعربية في سومطرة وجاوة، وقد كتب بها الكثير من شواهد القبور المزخرفة بالنقوش الإسلامية الجميلة على شكل نباتات وأزهار مكونة من تداخل الكلام، وتستخدم التاريخ الهجري، ودون على بعضها أبيات من الشعر العربي، فقد حمل شاهد قبر يعقوب ابن عم الملك الكامل، وكان داعية أسلم على يده خلق كثير،
    وتوفي عام 630هـ/1232م، البيت التالي من الشعر :

    ولو كانت الدنيا تدوم لأهلها
    لكان رســول الله حياً وباقياً

    * ووجد منقوشا على قبر الملك الصالح، المتوفى 696هـ/1296م، أبيات أبي العتاهية :
    إنما الدنيا فنــــــاء
    ليس للدنيا ثبوت
    إنما الدنيا كبيت
    نسجته العنكبوت
    ولقد يكفيك منها
    أيها الطالب قـــوت
    ليـــــس إلا من قليل
    كل من فيها يموت
    · غير أن الاستعمار الأوروبي عمل بقوة على منع انتشار اللغة العربية والتهوين من شأنها في كل المناطق التي خضعت له في أفريقيا وآسيا أو التي مارس عليها نفوذا كبيرا، حاول اجتثاثها وتبغيض المواطنين فيها، واتهامها بأنها ليست لغة علم، وأن مفرداتها لن تتسع لمتطلبات الحضارة الحديثة، وأنه خير لهذه الدول أن تتخذ لها لغة أوروبية، وفي الوقت نفسه عمل على تجميد تدريس اللغة العربية ولن يتح للقائمين عليه أن يتقدموا أو يصيبوا شيئا من طرق التدريس الحديثة، وفي الوقت نفسه أهمل المدارس القرآنية، ودفع بها بقوة إلى الانكماش والتلاشي.
    لكنها على أية حال مظاهر ارتبطت بالاستعمار ووجوده وبذهابه واضمحلال نفوذه، سوف تتغير الحال عاجلا أم آجلا.
    أنت ترى إذن أن اللغة العربية لم يصبها على امتداد تاريخها وهن ولا ضمور، ولو أن الأدب وهو شيء غير اللغة مرت به مراحل متفاوتة، من السمو والهبوط، والتقدم والتخلف، دون أن يمس هذا اللغة نفسها في أصولها، وهو أمر بدهي ما دامت قد ارتبطت بالقرآن الكريم، وما دام القرآن نفسه موضع رعاية إلهية، (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون).
    فإذا تجاوزنا ماضي اللغة وحاضرها إلى المستقبل أمكن أن نتصوره في ضوء أمسها، والقواعد التي حكمته والقوانين التي ساستها، دون أن نخشى الوقوع في هاوية المبالغة والافتراض.
    أول ما يبدو لنا وضوحا أن القرآن يزداد رسوخا، والإقبال عليه حفظا وتجويدا يشتد، وذلك يعني بداهة ألا خوف على العربية لغة في مستقبلها القريب أو البعيد، لا في القرن القادم ولا بعد ألف ثالثة من الزمان.
    وثمة عوامل كثيرة تجعل هذا العامل أكثر فعالية في المستقبل أكثر مما كان عليه في الماضي، أهمها الصحوة الإسلامية الهائلة التي تمتد من إندونيسيا في أقصى الشرق إلى سواحل الأطلنطي غربا، ومن البوسنة شمالا حتى أقاصي إفريقيا جنوبا، وهي ذات طابع فريد وحاد يبلغ حد الثورة، ولم تشهدها البلاد الإسلامية على امتداد تاريخها، بمثل هذا الشمول والاتساع والتزامن، وتجئ وليدة معاناة قاسية من الخضوع لاستعمار أوربي بغيض، أهان كرامة هذه الشعوب وامتهن مقدساتها، وهي الآن تحاول أن ترفع رأسها وأن تثبت إنسانيتها وأهليتها للحياة.
    وهي حركة اندفاعها لا تمضي بداهة بمستوى واحد من التخطيط والعقلانية، فقد يتعثر بعضها، وقد يتطرق البعض الآخر، نتيجة عوامل محلية أو ظروف تاريخية ضاغطة، وربما تتفاوت حظوظها من النجاح تبعا للمجابهة التي تصطدم بها، أو الصعاب التي تعوقها، من قوى مضادة للإسلام، أو تراه خطرا على مصالحها، ولكنها في نهاية المطاف سوف تبلغ شاطئ الأمان ،وتحقق الجانب الأكبر من غاياتها عن لم تكن كلها.
    هذه الأمم الإسلامية غير العربية هي في الجانب الأكبر منها بلا لغة قومية واحدة تجمع بين أفرادها، وتتوزع حياتها لهجات محلية عديدة، وأكرهها الاستعمار الإنجليزي أو الفرنسي على أن تتخذ من لغتها الرسمية، ولغة التفاهم بين قبائلها المختلفة، سوف تجد مع الصحوة الإسلامية وحتى مع الصحوة القومية، في هذه اللغات أثرا مقيتا من بقايا الاستعمار البغيض، يذكرها دوما بممارساته الأليمة، ومهاناته الفظيعة، ومعاملته غير الإنسانية لهم، وحين تبرأ هذه البلاد من عملائه الذين خلفهم وراءه سوف ترى أن تجاوز هذه اللغة تربطها بها وشائج أقوى، وليس أقوى من الدين رابطة.
    ولا يظنن أحد أن تركيا بمنأى عن هذه الصحوة، وإن كانت في الريف أوضح منها في المدن، وعودتها إلى الحرف العربي، إن لم يكن إلى اللغة العربية غير بعيدة، ومثلها ألبانيا والبوسنة، ولكليهما أدب وطني مكتوب في اللغة العربية حيا، وبالحرف العربية أحيانا، وأما الجمهوريات الإسلامية التي استقلت حديثا عما كان يعرف بالاتحاد السوفيتي فيكفى أن تستقرئ تاريخها جيدا وتعيه لكي تحن إلى العربية، فقد كان إسهامها في الحضارة الإسلامية والعالمية مرموقا، وتم في اللغة العربية وحدها، ويكفي أن نذكر أن مكن بين علمائها الأجلاء الإمامين : البخاري ومسلم والفيلسوف الفارابي.
    ذلك ليس مجرد أمل، فقد حاولت باكستان غداة استقلالها وهي من كبريات الدول الإسلامية عددا وقوة، أن تجعل العربية لغتها الرسمية، وحالت دون تحقيق الأمنية عوامل مادية بحتة فحسب: صعوبة إيجاد المعلم الكفء والكتاب المناسب، والميزانية الوافية، ولكنها أصبحت اللغة الثانية على أي حال.
    وبعد الصحوة الإسلامية يجيء التقدم المذهل في عالم الاتصالات فأي مسلم في أية بقعة نائية من الأرض يستطيع أن يستمع إلى القرآن الكريم في أكمل قراءة، وأفصح عربية، من آلة صغيرة يحملها في جيبه أو يحتفظ بها في بيته، فيجد معها راحة الضمير واطمئنان النفس، وهو ما يلمسه المؤمنون الطيبون المجهدون في صراع الحياة.
    وهذه الوسائل التقنية الحديثة تعين على تعليم العربية وإجادتها في زمن اقصر وبجهد أقل، وهي في الوقت نفسه توسع من دائرة استخدامها لغة قومية، وتميت اللهجات المحلية، واللغات المحدودة الانتشار، وأحسب أن القرن الواحد والعشرين لن يعرف من اللغات في إفريقيا غير ثلاث : العربية، والهوسا، والسواحلية،وهاتان الأخيرتان متأثرتان بالعربية إلى حد كبير ويمكن أن يذوبا فيها في مستقبل غير قريب، ولن تعرف آسيا غير العربية والفارسية والأوردية والصينية واليابانية وما غير ذلك في طريقه إلى التلاشي، وربما حلت العربية أو الفارسية محل اللغة الأوردية.
    وقد أدت الصحوة الإسلامية إلى اهتمام الغرب باللغة العربية من جديد بعد أن كان اهتمامه بها قد فتر مع انحسار الاستعمار العسكري والمباشر، ذلك أن حاجته إلى مواجهة هذه الثورة وإفشالها وتفريغها من محتواها دفعت به ثانية إلى معاودة دراسة الإسلام للوقوف على مكامن القوة والحيوية فيهن وطريقه إلى ذلك التمكن من اللغة العربية.
    غير أن متابعة الجهد الذي يبذل في تعلم وتعليم اللغة العربية ونشرها ليس بالأمر السهل، إذا يحتاج الأمر إلى هيئة منظمة غير حكومية، تؤمن برسالتها قبل أن تراها وظيفة ومصدر رزق ، لأن الهيئات القائمة فعلا أفلست تماما ، أفلست الجامعة العربية في رسالتها الثقافية فلم تستطيع حتى أن تعين عضوا من أعضائها على أن يعيد للحرف العربي مكانته فيها بعد أن نفاه الاستعمار منها، فضلا عن التمكين للغة العربية ذاتها.
    لكننا نسرف في التفاؤل إذا تصورنا أنفسنا وحدنا في هذا العالم فهناك الغرب بخبثه، والولايات المتحدة بجبروتها، يرون الصحوة الإسلامية خطرا على مصالحهم، واللغة العربية تهدد ثقافتهم في مساحات شاسعة، وهو يستخدمون الآن كل قواهم تخطيطا ومعلومات واقتصادا وعلماء للعمل على وقفها، بتدميرها من الداخل، وتفريغها من محتواها، فإذا فشلوا فسوف يواجهونها لا محالة علانية وبالسلاح.
    وهو الآن يحاربون اللغة العربية دون هوادة في البلاد الإسلامية غير العربية أولا، لأنهم فيما يرون يمكن تشويه إسلامهم بسهولة في هذه الحالة لأن معلوماتهم عن دينهم يستقونها من مصادر غير عربية يسهل تزييفها ، والمثل الواضح لهذا نيجيريا، وكانت العربية لغتها الرسمية على امتداد القرن التاسع عشر كله، حتى فاجأها الاستعمار البريطاني الخبيث وهم من جانب آخر يعملون على إشاعة الفرقة والوهن والدس والوقيعة بين البلاد الإسلامية المختلفة وشغلها بغير الجاد من أمورها.

    *وماذا عن الأدب العربي في القرن الواحد والعشرين ؟ :
    إذا كنا نعايش صحوة إسلامية عمادها القرآن، وإذا كان الأدب هو الاستخدام الأمثل لهذه اللغة فأتصور أن القرن الواحد والعشرين سوف يشهد حركة إحياء أدبية، كتلك التي شهدتها مصر في نهاية القرن الماضي ومطلع هذا القرن، تعود بنا من جديد إلى خير ما في التراث ، تنشره وتدرسه وتتمثله، ثم يؤتى ثماره يانعة في آخر القرن نفسه.
    وسوف تختلف القضايا والهموم وطريقة التصوير والتشكيل،ولكن بناء القصيدة العربية سوف يشهد حركة معاكسة، تتجاوز الهلهلة والادعاء وتعود بالشعر إلى فحولته، فتملأ سماء الأدب العربي من جديد أسماء كبار الشعراء على امتداد التاريخ العربي، وقد انضم إلى قافلتهم البارودي وشوقي وحافظ وخليل مطران، وعلي محمود طه، وعلي الجارم، ومحمود حسن إسماعيل، ومحمد الجوهري، وعبد الله البردوني، وعمر أبو ريشة، ونزار قباني، قبل أن يترهل ، وآخرون في مستواهم . أما الذين تخففوا من قيود الفن، فسوف يتولاهم النسيان ولن يظفروا من التاريخ ، وهو عادل لا يجامل، ولا بكلمة واحدة .
    ولن يبقى من المسرح إلا ما كتب أمير الشعراء وعزيز أباظة، لأنهما عرفا كيف يسموان على الأحداث العارضة، ويبلغان القمة شعرا، وما كتب غيرهما فتسلية مرهونة باللحظة، أو سياسة مرتبطة بالواقع، وكلاهما سوف يتغير وسوف يكون للقرن الواحد والعشرين مسرحه الخاص بهن يعالج همومه، ويفيد من تقنياته ، ولن يلتفت إلى الوراء إلا مستلهما القمم فغي العربية أو من تجارب الآخرين.
    في النثر سوف يتخطى الألف الثانية إلى الثالثة ما كان محكم البناء، قوي السبك، فخيم الأسلوب، جزل العبارة، فيقرأ أهله إلى جانب التراث القديم ما كتب أحمد حسن الزيات، ومصطفى صادق الرافعي، ومصطفى لطفي المنفلوطي، ونجيب محفوظ، ويوسف جوهر، ولا أظن أن يوسف إدريس سوف يكون إلى جوارهم، لأن لغته مهلهلة، وجملته ركيكة، مهما كانت مكانته روائيا وقصاصا.
    وبدهي أن قلة أخرى لا تتجاوز أصابع اليد، من بين الزحام الصاخب، قد يبقى لها بعض الصدى لكن الكثرة الغالبة سوف تخفت ضوءا وصدى في اللحظة التي تتخلى عنها أجهزة الإعلام التي تدعمها، سوف تتعدد حواضر الثقافة المنيرة في الوطن العربي، تحتفظ القاهرة بمكانتها التاريخية، وتعاود بغداد أداء دورها العظيم، وتنشأ إلى جوارها مراكز أخرى في اليمن والجزائر ، فهما مهيأتان مناخا ومكانا لهذا الدور، ولن تعود بيروت كما كانت، ورغم تقدم التقنيات ورخصها، تظل للكتاب المطبوع أهميته، وللحرف دورهن ولن تحل الأذن محل العين، إلا لمن حرم متعة البصر ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 10, 2016 3:20 pm