منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    لغة الضاد بين التشكيك والتحديث

    شاطر

    فيصل السبيعي

    عدد المساهمات : 5
    نقاط : 15
    تاريخ التسجيل : 12/03/2010

    لغة الضاد بين التشكيك والتحديث

    مُساهمة  فيصل السبيعي في الجمعة مارس 12, 2010 10:39 am

    لغة الضاد بين التشكيك والتحديث



    بقلم : أ.د. ناول عبد الهادي ـ المغرب




    · اللغة العربية تجعل الملاءمة السمعية مع اللغات الأخرى ميسورة.

    · اللغة التي حملت مصطلحات ونتاج الحضارة قديما يمكنها الآن أن تحمل كل جديد .





    أدت اللغة العربية دورا أساسياً في حياة الفكر الإنساني حين كان نشر المعارف والعلوم يكاد يقتصر عليها طيلة المرحلة التاريخية التي ساد فيها العرب العالم لمدة لا تنقص عن ستة قرون. كان العرب أساتذة الكون في الفكر والحضارة وقد استطاعت هذه اللغة أن تقوم بدورها خير قيام لما تميزت به من ميزات قد لا تتوفر لغيرها كما شهد بذلك أعداؤها من كبار المستشرقين، فهذا (ماسينيون) يقول : "إن اللغة العربية لها استعداد للرؤية الجوانية، يتذوقه من نشأوا على التحدث بها، وفيها بفضل تركيبها الداخلي قدرة خاصة على التجريد والنزوع إلى الكلية والشمول، ومن هنا كان للعرب الفضل في استكشاف رموز الجبر، وصيغ الكيمياء، والمسلسلات الحسابية، ثم إن اللغة العربية لغة الشفافية والايحاء، تعبر بجمل قصيرة مركزة عما لا تستطيع اللغات الغربية أن تعبر عنه إلا في الجمل الطويلة الفضفاضة".
    نورد هذا القول للمتكلمين من العرب أنفسهم في غنى اللغة العربية وقدرتها على التعبير عن العلم ومصطلحاته ومسايرة الحضارة الحديثة، لأنها في نظرهم لغة أدب وشعر مع أن غنى اللغة العربية واضح لكل من لديه العلم بروافد اللغة من نعت واشتقاق وتعريب وقياس، وما إلى ذلك . وقد بلغ رصيد هذه اللغة التي يتهمونها بالفقر والعجز (ستة ملايين وستمائة وتسعة وتسعين ألف وأربعمائة لفظ [6699400]) ولا يستعمل من هذا الرصيد إلا خمسة ملايين وتسعة وتسعون ألف وأربعمائة لفظ فقط، ليس اليوم ولكن منذ أكثر من اثني عشر قرنا، أي في عهد الخليل بن أحمد سنة 114هـ/491م، عهد الفصاحة فكم لفظا يستعمل اليوم يا علماء اللغة؟!! وإذا كان إحصاء الخليل قابلا للشك لعدم توفر الآلات الإلكترونية الحاسبة، فهذا "ارنست رينان" الفرنسي يقول في كتابه "تاريخ اللغات السامية" : إن اللغة العربية بدأت فجأة على غاية الكمال وإنها سلسلة أي سلاسة غنية أي غنى كاملة لم يدخل عليها منذ ذلك العهد إلى يومنا أي تعديل ، وإذا اعترض أحد بأن رينان لم يدر ك الآلة وبأنه لا يتقن العربية فلنحوله على المنطق والتاريخ فقد صعدت هذه اللغة أمام الاستعمار الغربي الذي تفانى لكي يمحوها من الوجود، وذلك راجع لعدة أسباب أهمها :
    1ـ محاولة القضاء على الدين الإسلامي، لأن العربية مفتاح التفقه في الدين ولعلهم تنبهوا إلى ما كتبه "أبو منصور الثعالبي" في مقدمة كتابه "فقه اللغة العربية" : "من أحب الله تعالى أحب رسوله محمدا (ص) ومن أحب الرسول العربي أحب العرب، ومن أحب العرب أحب العربية"، والدليل على أن أولى الحملات ضد العربية قامت على أيدي المنصرين قبل أن يتحملها المستشرقون من أمثال : سنوك، وما رجليوث، ويلمور، وحتى ماسينيون فقام المفكرون والمصلحون العرب بالدفاع عن العربية حين نجد ردا لجمال الدين الأفغاني على دعاوى ارنست رينان وآخر لمحمد عبده على هانوتو، وثالثا لقاسم أمين على داركور،وغيرها كثير ما نجد تفنيدا لمزاعم المنصرين لمصطفى الخالدي في كتابه "التبشير والاستعمار" يقول الدكتور عثمان أمين في كتابه : (فلسفة اللغة العربية): " إن للغة العربية لغة القرآن الكريم، والقرآن ـ كما هو معلوم ـ لا سبيل إلى ترجمته إلى أي لغة أجنبية والقيام بترجمة القرآن يكاد يكون جزءا من مخطط لهدم الدين الإسلامي من أساسه".
    2 ـ تقويض وحدة العرب لأن من أهم دعائم الوحدة وحدة اللغة ورحم الله الرصافي حين قال: "وتجمعنا جوامع كبريات وأكبرهن سيدة اللغات".
    وعلى العموم فإن القضاء على اللغة العربية قضاء على مقومات العربية، ويوضح ذلك العقاد في كتابه "أشتات مجتمعات في اللغة والأدب"فيقول : (إن الحملة على اللغة في القطار الأخرى هي حملة على لسانها أو على أدبها وثمرات تفكيرها على أبعد الاحتمال، ولكن الحملة على لغتنا حملة على كل شيء يعنينا وعلى كل تقليد من تقاليدنا الاجتماعية والدينية، وعلى اللسان والفكر والضمير في ضربة واحدة، لأن زوال اللغة في أكثر الأقوام يبقيها بجميع مقوماتها غير ألفاظها ولكن زوال اللغة العربية لا يبقى للعربي أو المسلم قواما يميزه عن سائر الأقوام، ولا يعصمه أن يذوب في غمار الأمم فلا يبقى له باقية من بيان ولا معرفة ولا إيمان) هذا وقد اتخذ المستعمر عدة وسائل لمؤامراته على العربية أهمها :
    · فرض لغاته على العرب ونشرها بشتى وسائل الترهيب والترغيب، فقد جعلوها ضرورية في المدارس وفي الإدارة والمصالح والشركات ولا بد لمن يطلب وظيفة منهما قل شأنها أن يكون على دراية بلغتهم وفي ذلك ما فيه من تضييق وخنق للغة العربية.
    · بث العملاء في البلدان العربية للدعوة بالقلم واللسان إلى العناية باللغات العامية، واللهجات الاقليمية، وما النداءات التي قامت في مصر في النصف الأول من هذا القرن للكتابة باللهجة العامية ولا سيما في القصة إلا صورة من تلك المؤامرة، وكذلك الظهير البربري في المغرب كان من :بر الظواهر لهذه المؤامرة.
    · التشكيك في مدى قدرة العربية على استيعاب الحضارة الحديثة، إما لأنها غير محدود الألفاظ وغير قابلة للتطور، وإما لأنها عامرة بألفاظ الصحراء لما تعداه المزمن، وإما لأنها عسيرة في كتابتها أو استيعاب قواعدها النحوية والصرفية، إلى غير ذلك مما وجدد له صدى قويا عند كثير من أدباء العرب كتابهم فمنهم من نادى بكتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية، كما نادى البعض بتسكين أواخر الكلمات وإلغاء النحو، وفي كل هذه الدعوات خدمة للاستعمار وهدم للغة العربية ولعل الغربيين أنفسهم لم يكونوا يتصورون أن من العرب من يستطيع أن يتجاوب معهم بتلك السرعة والسهولة لأنهم يعترفون ضمنيا بعظمة اللغة العربية وأنه ليس من اسهل تناسي عظمتها حتى إن المستشرق الفرنسي (هنري لرسل) نشر مقالا في جريدة (لومند) في 3/9/1964م جاء فيه :
    · "إن التلميذ أو الطالب يجد في اللغة العربية معاني لغوية تختلف اختلافا كبيرا عن معاني الفرنسية أو اللاتينية أو أي لغة أوروبية، وعن طريقها يتعرف المتعلم على عقلية العرب .. ويستوقف النظر سير الكتابة من اليمين إلى الشمال، ولكن هذا السير يبدو مطابقا لحركة فيزيولوجية أكثر اتفاقا مع الطبيعة".
    وتقدم العربية نسقا من قواعد الإعراب بسيطا، وفيه قدر كبير من المرونة كما تقدم أساليب من تركيب الكلام تجمع بين السذاجة والدقة، ومنطقا من الأفعال يتسم بالبساطة وتخير الألفاظ أول الأمر، ولكنه مع ذلك قد بلغ من النظام في منطقه ما بلغه النسق الفرنسي، وهذه الخصائص وغيرها تزود المتعلم ـ من غير وعي منه ـ بتصور للتعبير الإنساني جديد حقا، وفيه خصوبة وثراء، وإن صعوبة الكتابة العربية نفسها تضطر المتعلم أكثر مما تضطره اللاتينية والروسية إلى أن يكون على حظ من الانتباه أعظم، والنطق بالعربية، وإن بدا غريبا لأول وهلة يحصله جميع التلاميذ بسرعة فيوسع حصيلتهم اللغوية الصوتية.
    إن العربية تجعل الملاءمة السمعية مع اللغات الأخرى ميسورة جد ربما كانت هذه الشهادة التي شهد بها شاهد من غير أهلها خير رد على أهلها المتشككين، وبقي أن نتعرض لسؤال طالما تلجلج في النفوس وعرضه مكتب التعريب بالرباط على كثير من الأساتذة والمتخصصين وهو : هل يمكن للعربية أن تكون لغة إدارة عصرية وعلوم حديثة تدرس على مستوى الجامعة وتستعمل في البحوث العلمية؟
    والذي يتتبع الردود التي أجاب بها الأساتذة والمفكرون يلاحظ أنها على العموم إيجابية وفي صالح العربية، غير أن هناك ملاحظات وتحفظات أرى من المفيد أن نشير إليها منها :
    أولاً : إن اللغة العربية كائن حي، وأنها لكي تعيش يجب أن تستعمل وأن استعمالها في الجامعة وفي المصنع وفي الإدارة كفيل بأن يجعلها تتطور بشرعة وتستجيب لحاجة المجتمع.
    ثانياً : أن اللغة لا يمكن أن تنمو منعزلة عن المجتمع وعلى المجتمع الذي يسعى إلى تنمية لغته أن يتطور ويواكب التقدم العلمي.
    ثالثاً: خدمة اللغة وتوفير وسائل البحث وتشجيع المجامع اللغوية، فلا ينبغي أن نقنع منها ببعض البحوث والدراسات التي تلقى دون أن يسمع بها غير الأعضاء أو بإخراج بعض المعاجم الوسيط ومعجم ألفاظ القرآن الكريم والمعجم الكبير كما لا ينبغي أن نقنع من مكتب التعريب بمجلة لا نرى لها أثرا في المكاتب ولا يطلع عليها سوى نفر محدود بل ينبغي أن يزداد النشاط ويتسع حتى يعم المدارس، والجامعات ووسائل الإعلام لإقناع الناس بجدوى بحوثهم ودراساتهم وتعريبهم ويجب أن يجند لذلك مجموعة من الأدباء والأساتذة والعاملين في وسائل الإعلام المختلفة، وإنه لمن الذلة والمهانة أن نسمع اللحن في الإذاعات ونقرأه في الصحف بل وفي الكتب أحيانا ثم لا نحرك ساكنا بل وصل الأمر إلى أن نجد طلابا في نهاية التعليم الثانوي بل وحتى في الجامعات يعجزون عن رسم بعض الكلمات أو نطقها دون لحن.
    ولا يسعنا إلا أن نعجب كيف يلحنون وينجحون كما عجب أعرابي عندما زار إحدى المدن فعاد إلى قومه يقول : عجبت لأهل المدينة كيف يلحنون ويربحون؟
    ونتعجب أيضا من أولئك الذين يعيبون على الأميين عدم النطق الصحيح في حين يسمعون المذيع أو المعلم في العربية فلا يستغربون.
    لاشك أن هذه الظواهر ستختفي حين يقدر العرب لغتهم حق قدرها، ويقفون صفا واحدا متحدين للدفاع عنها ضد خطر الغزو اللغوي والفكري كما قاوموا الغزو العسكري، وإن الأمل كبير ما دامت قلاع العربية في وطننا العربي الكبير لا تزال شامخة تواصل رسالتها في خدمة العربية والمحافظة عليها.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 04, 2016 3:13 am