منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    اللغة … وقوميتنا العربية

    شاطر

    فيصل السبيعي

    عدد المساهمات : 5
    نقاط : 15
    تاريخ التسجيل : 12/03/2010

    اللغة … وقوميتنا العربية

    مُساهمة  فيصل السبيعي في الجمعة مارس 12, 2010 10:43 am

    اللغة … وقوميتنا العربية

    بقلم أ.د. حسين نصار
    مستشار الرئاسة العامة
    لكليات البنات بالرياض



    · العربية هي الرباط الوثيق الشامل للعرب في كل مكان.

    · القرآن يقوم بالقسط الأكبر من الحفاظ على اللغة العربية.



    اصطلح المحدثون على استعمال عدد من الكلمات التي كان من قبلهم يرونها من المترادفات استعمالا مختلفة تميز بين دلالاتها فأطلقوا كلمة الوطن والقطر على البقعة العربية التي تخضع لحكومة واحدة، وكلمة الشعب على من يعيشون في هذه البقعة، فظهرت عبارات الوطن، أو القطر السوري، والوطن أو القطر التونسي، والشعب السعودي، أو المصري.
    وأطلقوا القومية العربية على من يعيشون في البقعة التي تمتد من الخليج العربي وإيران شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، ومن تركيا والبحر الأبيض المتوسط شمالا، إلى جيبوتي وأواسط إفريقية جنوبا.
    وهناك مناطق خارج هذه البقعة تغلب العروبة على أهلها مثل الاسكندرونة، أو تفشو فيها حتى أتاحت للعرب أن يحكموها في زمن ما مثل زنجبار التي اندمجت في تنجانيقا تحت اسم تنزانيا، ولكن هذه البقاع سلبت من العروبة في أزمان مختلفة.



    وقد تعددت الدراسات والآراء التي حاولت أن تتبين الصلات التي تجمع الشعب أو القوم تحت اسم واحد، سواء أكانت وطنية أم قومية ولم تقف عند التعدد بل اختلفت أيضا في أكثر ما قالت .
    فقد قال بعضهم يجمع بينهم العرق أو الدم أو الجنس الواحد، ولا شك أن ذلك صحيح ولكنها ليست الصحة المطلقة فالولايات المتحدة الأمريكية قطر واحد، ولكن شعبها ينحدر من أعراق معظم شعوب الدنيا إن لم يكن كلها، وتنتمي بقية شعوب الأمريكيتين إلى العرقين الهندي الأحمر، والأسباني بصفة أساسية.
    بل يمكن القول إنه لا يوجد شعب في جميع أرجاء الدنيا حافظ على نقائه العرقي، وبخاصة الشعوب العربية، حقا ينحدر أكثر مسلميها وكثير من نصارى العراق وسوريا ولبنان من العرق العربي، ولكن الإسلام دفع العرب إلى أن يتخذوا المسلمين من غير الدم العربي إخوانا، والفتوح أباحت لهم التسري واتساع الخلافة يسر لهم الاختلاط بالشعوب القريبة منهم والبعيدة عنهم، وإذا كان العرب استنكفوا ـ وما زالوا يستنكفون من تزويج بناتهم إلى غير العرب فإن رجالهم لم يجدوا حرجا من التزويج من الأعاجم، يل يمكن القول إنهم أقبلوا عليه إقبالا واسعا في عصور متعددة، لا يشترطون في الزوجة إلا أن تكون من أهل الكتاب، أما الجارية فلم يضعوا حيالها أي شرط.
    وقد أدى ذلك إلى ظهور رجال لا ينحدرون من دماء عربية خالصة، ولكنهم من رواد العروبة أو القومية العربية بالتعبير الحديث، وأبرز أمثلة هذه الفئة الجاحظ الذي تجري في عروقه دماء إفريقية ودافع عن العرب أحسن دفاع أمام الشعوبية العجمية، وقد أمثل لها بعنترة، الذي رفعته السيرة (الملحمة) الشعبية علما على الكفاح العربي.
    وقال بعضهم يجمع بينهم الدين الواحد، ولكن ذلك القول غير مطلق أيضا فما أقل الأقطار التي يعتنق أبناؤها دينا واحدا، ولا يخلص الإسلام إلا في الجزيرة العربية باستثناء اليمن الذي عاشت فيه جماعة يهودية كبيرة، ولا زالت بقاياها فيه. والسبب في هذا النقاء الديني أن الجزيرة مهد الإسلام، وأن الإسلام منع دخول غير المسلمين مكة، وأن الحكومات الإسلامية منذ عصر الخلفاء الراشدين، أو عصر عمر بن الخطاب خاصة، حرصت على هذا التحريم. أما بقية الأقطار العربية، فيكثر فيها النصارى، ويقل اليهود، من أبنائها سواء أكانوا من العصور السابقة على الإسلام أم التي جاءت بعده.
    وقد انضم كثير من النصارى إلى الدعوة القومية بل كانوا زعماء لها في بعض الأقطار، في بعض الأوقات، مما رمى بظلال مريبة على هذه الدعوة عند كثير من الشعوب العربية الأخرى.
    وقال بعضهم الآخر يجمع بينهم التاريخ الواحد، ولا شك أن الأقطار العربية جميعها، بل والإسلامية أيضا، بل وما سلب من الأمة الإسلامية خضعت لدولة واحدة تحت خلافة الأمويين، وشطر من خلافة العباسيين، واجتمعت أقطار كثيرة منها تحت ظل خلافة الراشدين والعباسيين في المشرق والمغرب، والأمويين في الأندلس والعثمانيين في استنانبول، ثم يسطت الحكومات المتعاقبة سلطانها على أكثر من دولة متقاربة ما فعل الفواطم والأيوبيين والمماليك وغيرهم. ولكن هذه الأقطار انفصل بعضها عن بعض عند سقوط الدولة العثمانية،وخضع كل منها لحكومة محلية مستقلة، أو انفصل من قبل هذا السقوط.
    وإذن لا تطرد الآراء السابقة، وتنخرم في موقع ما، ولا يبقى غير اللغة العربية الواحدة، والآمال المشتركة.
    ويراد بالآمام المشتركة وعي الشعوب بمصالحها الحقيقية التي تحتم عليها التغاضي عن وجوه الاختلاف، واستثمار وجوه التباين، والتنسيق بين المصالح المحلية والمشتركة، والسعي إلى ما أمكن من الاتفاق أو الاتحاد الاقتصادي والسياسي.
    وأمثلة هذا الوعي كثيرة بدءا بالجامعة العربية، فدول الخليج العربي، وانتهاء بدول المغرب العربي، ومرورا بالوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا : إن لم نضرب الأمثلة بالسوق الأوروبية المشتركة، والسوق الأمريكية المشتركة، المزمع إقامتها بين كندا والولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك. حقا قد تجد من الفئات أو الأفراد من يماري في جدوى التضامن العربي أو الوحدة، ولكن الدلائل كلها والأمثل التي ذكرتها تبرهن أن الأغلبية تهفو نفوسها إلى لون ما من الاتفاق يقص عند بعضهم فيكتفي بشيء من التنسيق، ويمتد عند بعض فيتمنى الاندماج في كيان واحد شامل.
    واللغة هي الرباط الشامل الوحيد، يتفاهم بها المتعلمون في جميع أرجاء الوطن العربي ، ويحاول أن يفعل ذلك غير المتعليمن أيضا.
    قد يقول قائل إن كل قطر من أقطار العروبة له لغته (لهجته) العامية، التي يتفاهم بها أهله، ويتعذر على غيرهم إدارك المراد بها في بعض الأحيان، وذلك قول صحيح .
    ولكن يحد من هذا العائق وجود القرآن الكريم، فأبناء هذه الأقطار ـ مسلمهم ونصرانيهم ويهوديهم ـ تتردد على آذانه في كل حين الآيات القرآنية في الإذاعة المسموعة والمرئية والمساجد والمآتم والمواسم والاحتفالات المتنوعة، حاملة اللغة العربية الفصيحة ومشيعة الإلف بينهم وبينها، على تفاوت مراتبهم من العلم والجهل، بل من العلم والجهل عامة.
    ويحد منه أن وسائل الإعلام ـ وبخاصة الصحف ـ تلتزم اللغة الفصيحة ما استطاعت مها كان القطر العربي الذي يصدرها.
    ويحد منه وجود بعض اللهجات القريبة من الفصحى ـ مثل المصرية ـ وما زالت دائبة الاقتراب منها شاعت في غير قطرها، وصار أبناء الأقطار المختلفة يفهمونها فهما تاما أو يكادون.
    ولا تقتصر اللغة العربية على أن تكون مجرد لسان يستخدمه العرب للتفاهم فهي جانب ذلك ثقافة واسعة الجوانب ، متعددة الأنحاء، راقية المراتب ، شاركت فيها جميع أقطار العروبة قديما وحديثا.
    ولذلك نجد التجديد الشعري خاصة يبدأ في القرن الماضي بالعودة إلى عصور الازدهار الماضية، ومن ثم وجد عصر الكلاسية الجديدة أما سميناه عصر الإحياء الجديد.
    وما إن تبزغ حركة تجديد، أو يبتكر فن أدبي، أو يبتدع اتجاه فني في قطر من أقطار العروبة حتى يرتد صداه في غيره من أقطار العروبة محافظا على كل كيانه أحيانا، ومجريا عليه بعض التعديلات الأخرى. كذلك ينتقل الفنان والنمط الفني والجنس الأدبي من قطر عربي إلى آخر، فلا يستنكر الأرض الجديدة، بل قد يجد فيها ظروفا أصلح ومجالا أرحب، فيشتد عوده ويلفت الأنظار، فتنتقل آثاره إلى مواطن أخرى قد يكون منها وطنه الأول، غير أنه يصل إليه ناضجا زاهيا.
    من أجل ذلك عندما نقول إن العربية هي الرباط الوثيق الشامل البارز للعرب في كل مكان، لا نعني اللسان العربي وحده، بل نعنيه ونعني ما انتجه هذا اللسان الفني المبدع من ثقافة، كانت حضارة بني الإنسان في عصر من العصور ، وخلفت آثارها المعترف بها في الحضارة العالمية بعدها.
    ومن أجل ذلك نحرص عليها ونطالب بالحرص عليها، ونتخذ جميع الوسائل عليها، فهي لساننا، وأداة التفاهم بيننا وبين أشقائنا بما يشيعه هذا التفاهم من تجانس واتفاق ومصدر ثقافاتنا ومحور كياننا الموحد، ومن أقرب الأمثلة على نتائج التفريط في اللغة الفرقة التي وقعت بين أهل إيطاليا وإسبانيا وفرنسا بعد تحللهم من اللغة اللاتينية الجامعة، واتخاذ كل منها لهجتها المحلية لغة لها، فلم يعد بينها رباط جامع.
    ومن حسن حظنا أن القرآن ـ الذي وعدنا الله عز وجل بحفظه أبدا ـ يقوم عنا بالقسط الأكبر من الحفاظ على العربية، ويحمل عنا الكثير، ويحفظ العربية ويضمن لها البقاء أيضا غناها وقدرتها الواسعة على الاشتقاق والنحت، وقابليتها الفسيحة للتوسع؛ وترحيبها الفسيح بالدخيل الذي تقترضه من اللغات التي تختلط بها، دون أن تفقد مقوماتها الأساسية.

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 05, 2016 5:49 pm