منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    اللغة العربية … وحملات التغريب

    شاطر

    غيث الشريف

    عدد المساهمات : 6
    نقاط : 18
    تاريخ التسجيل : 12/03/2010

    اللغة العربية … وحملات التغريب

    مُساهمة  غيث الشريف في الجمعة مارس 12, 2010 11:15 am

    اللغة العربية … وحملات التغريب




    بقلم : ا.د. إبراهيم محمد إسماعيل عوضين
    رئيس قسم الأدب والنقد ـ بكلية اللغة العربية بالمنصورة.



    · التحرر من سلطان اللغة طلبا للمعاصرة أحد مظاهر النشاط التغريبي.
    · المستعمر الأوروبي انتقى من أبناء الوطن العربي من يحمل رسالته ويدافع عنها.
    · تيار الحداثة في كثير من صوره تحطيم لما ينبغي المحافظة عليه.






    نعرف أن التغريب إن هو ـ في الحقيقة ـ إلا وجه من أوجه الحرب الشرسة التي شنها المستعمرون الأوروبيون الصليبيون على الأمة الإسلامية في العصر الحديث، بقصد تغيير الموازنة الدينية، والقيم الخلقية التي أقرها الإسلام منذ أكثر من أحد عشر قرنا تواصلت فيها تلك الحرب، والسعي إلى الاقتراب بتلك الموازين والقيم من الموازين والقيم الغربية التي تتمثل في التعليم الأخلاقية للكنيسة النصرانية، على نحو ما صرح به (هاملتون جب) في كتابه (وجهة الإسلام) الذي ضمنه مخطط التغريب وكشف فيه أن المقصود بالتغريب .. هو بذل الجهود المكثفة لحمل العالم الإسلامي على الانصهار في الحضارة الغربية، وهدم الحضارة الإسلامية التي تقوم عليها وحدة المسلمين.
    ولذلك .. كانت تلك الحروب شاملة، أصابت كل ألوان الحياة في المجتمع الإسلامي، بحيث يستطيع كل دارس أن يجد أثر تلك الحرب بارزا في الوجهة التي يخصها بالدراسة من حياة الأمة الإسلامية، ثقافية كانت، أم سياسية، أم اقتصادية أم عقدية، أو خلقية، أم فنية .. إلى آخر كل تلك المواطن .. !


    مصاب اللغة العربية:
    فإذا نظرنا ـ في الميدان الفني ـ إلى ما أصاب اللغة العربية من تلك الحرب .. تبين لنا ـ من شراستها ـ مدى إصرار هؤلاء الصليبيين في سبيلها على إحراز النصر الحاسم، مهما تحملوا في سبيلها من أهوال ومشقات!.
    لقد كان من أبرز مظاهر النشاط التغريبي ـ أو التخريبي ـ الانطلاق إلى التحرر من سلطان اللغة، طلبا للمعاصرة، التي لا تتفق مع لغة تكلم بها امرئ القيس ومن تلاه في هذه العصور الغابرة .. وإلى التحرر ـ بالتبع ـ عن المناهج الأدبية التي التزمها أدباء العرب طوال هذه القرون المتطاولة، لما فيها من بعد عن مناهج الأدب الغربي المستخدمة.
    ولم يجد هؤلاء ما يخجلون منه، إذا دعوا إلى التخلص من تلك القيم الإسلامية التي تلزم الإنسان العربي بحدود معينة في تعامله مع المرأة وفي سلوكياته المرأة نفسها، وفي الالتزام بقوانين تقوم على الشريعة الاسلامية، ففي التخلص من هذا وذاك تقارب من روح العصر التي لم تعد تقبل مثل هذه القيود والحدود، والتي كشفت عن أن الأوروبيين حققوا النهضة بعيدا عن التقيد بها وأن العرب تخلفوا عن الركب حين تمسكوا بها.
    من ثم .. انتقل دعاة المعاصرة ـ بمفهومها الأوروبي الاستعماري الصليبي ـ من مرحلة التخفي والتستر، إلى مرحلة الجهر والإعلان، فكشفوا عن كوامنهم وأسفروا عن مقاصدهم ونواياهم.
    وفي هذه المرحلة جوبهت الأمة العربية بمن يهاجم لغتها وينتقص من قدرتها على التلاؤم مع الحياة العصرية، (فهي ـ في زعمهم ـ ليست لغة علم ، وهي لغة لا تمكن من ملاحقة الحركة الأدبية في تغيراتها السريعة، كما إنها لا تمكن الناطقين بها من استيعاب الفنون الأدبية الحديثة)!.

    دور المستشرقين :
    ومن هذا المنطلق .. أخذت دعوات بعض المستشرقين تتردد أصداؤها في أرجاء الوطن العربي!. وكان في مقدمة من نهضوا بهذه الدعوة .. المستشرق الألماني (ولهام سبينا)، الذي نزل مصر، وقبع بين جدران دار الكتب المصرية، وخالط الناس في الأحياء الشعبية ليدرس اللغة العامية .. ثم سارع إلى تأليف كتاب أسماه (قواعد اللغة العامية في مصر) سنة 1880م، كشف في مقدمته عن غرضه من وراء ذلك وهو جمع المصريين على لغة عامية واحدة، تغنيهم عن اللغة الفصحى بما فيها من صعوبة بالغة في تعلمها، وبما في طريقة كتابتها من تعقيد(1).
    وفي سنة 1890م اسلف (سلدن ولمور) القاضي الإنجليزي كتابا فمساه "العربية المحلية في مصر" ضم فيه إلى التبشير باللغة العامية، دعوته إلى استبدال الحروف اللاتينية بالحروف العربية ف الكتابة، محذرا من انقراض لغة الحديث ولغة الأدب وحلول لغة أجنبية محلها، إذا واصلنا الإبقاء على اللغة الفصحى فكان بذلك خطوة على طريق التحول في هذا المسار.




    دور المستغربين :
    ولم يكن هؤلاء المستشرقون وحدهم في الساحة، فقد كان يعززهم من أبناء المخدوعين فيها والمتتلمذين عليهم .. طائفة مكن لهم المستعمرون بكل وسائل التمكين ـ الظاهرة والخفية ـ وتوسل هؤلاء في دعوتهم بوسائل المستشرقين تارة، واعتمدوا على وسائل أخرى تارة أخرى، ليخفوا هويتهم، وليضمنوا النجاح لما يدعون إليه.
    بل إن منهم من حرص على أن ينقل الدعوة من المجال الفكري الذي يحتمل الحوار والمناقشة إلى مجال التطبيق، ليجعل من هذه الدعوة واقعا، لا مناص من التسليم بهن كما بدا ذلك محمد عثمان جلال (1245 ـ 1316هـ/1829 ـ 1898م) الذي ترجم بعض الروايات من الفرنسية إلى العامية المصرية، وكما صنع أخيرا الدكتور لويس عوض سنة 1965م في كتابه "مذكرات طالب بعثة"، الذي حرص على أن يكتبه باللغة العامية، مستغلا موقعه من مؤسسات الدولة الثقافية، وتمكنه ـ عن طريق ذلك الموقع ـ من استهواء كثير من شباب المتعلمين والمتأدبين خصوصا في ظل ما فرض على مصر في تلك المرحلة من انصراف عن اللغة الفصحى، جريا وراء ما أسموه الأدب الشعبي.

    الكفر ملة واحدة :
    ولم يكتف هؤلاء وأولئك ـ في محاولتهم طمس معالم العربية ـ بالمناقشة والتطبيق في مصر، فقد استغلوا تمكن المستعمرين ـ على اختلافهم من السيطرة على مجالات الحياة في بعض أماكن في الوطن العربي ، ليعزلوا اللغة العربية عن ميادين التدريس والتعليم، ويفرضوا اللغات الأوروبية مكانها.
    ففي مصر .. أخضع التعليم لنظام (دنلوب) الإنجليزي، الذي يقوم على جعل تدريس العلوم كلها اللغة الإنجليزية بحجة أن اللغة العربية لغة متخلفة ضيقة، لا تتسع لاستيعاب العلوم العصرية، ولتأكيد ذلك وتعميمه .. صدر قرار بأن يكون استخدام العربية في امتحان الشهادة الثانوية اختياريا.
    وعلى الطريق نفسه سار المستعمر الفرنسي في بلاد الشام (سوريا ولبنان) وبلاد المغرب العربي .. بل إن المستعمر الفرنسي كان أشد عنفا في فرض اللغة الفرنسية، وأبلغ مكرا ودهاء ، فلم يقتصر على جعل التعليم باللغة الفرنسية، بل عمل على (فرنسة) الحياة كلها، حتى تمكن من فرض الثقافة الفرنسية ـ بكل عناصرها ومقوماتها ـ على مجالات الحياة المختلفة هنا وهناك، على ما يقرره الواقع الذي خلفه المستعمر الفرنسي في هذه الأقاليم العربية، وعلى ما تبرزه تلك التعليمات الصادرة في أوائل أيام احتلال الجزائر التي تقول : "إن أبالة الجزائر لن تصبح حقيقة مملكة فرنسية إلا عندما تصبح لغتنا هناك لغة قومية، والعمل الجبار الذي يترتب علينا إنجازه، هو السعي وراء نشر اللغة الفرنسية بين الأهالي ـ بالتدرج إلى أن تقوم مقام اللغة العربية الدارجة بينهم الآن ؟ (2)".
    وقد وضح مدى تأثير ذلك في الحياة الجزائرية خصوصا عملية التغريب ـ بعد انتزاع الجزائر من أيدي الفرنسيين .. على من حرص الجزائريين على العودة إلى اللغة العربية، ولكن الفرنسيين كانوا ـ كشأن الأوربيين جميعا ـ يخططون لإقامة العقبات دون ذلك ، ليضمنوا بقاءهم الثقافي فيها، إذا ما اضطروا إلى الخروج منها، فقد حرصوا على أن يصنعوا هناك طبقة جزائرية تدين لهم بالولاء الكامل بعد أن أوحوا إليهم أنهم النخبة المثقفة، وأنهم الطبقة الراقية العصرية، وانهم رواد التنوير لأنهم الذين نبذوا كل ما يربطهم بماضيهم المتخلف، وارتبطوا بالثقافة الفرنسية ولذلك أطلق عليهم هؤلاء على أنفسهم اسم (جماعة النخبة).
    ولا ريب في أن مقصد المستعمرين الفرنسيين الصليبيين من صنع هذه الطبقة ، ومنحها كل تلك الامتيازات المادية والمعنوية، هو أن يضمنوا وجود جماعة ملء السمع والبصر من أبناء الجزائر تدافع عن الوجود الفرنسي ، إن لم يكن الوجود العسكري أو السياسي، فلا أقل من أن يكون الوجود الثقافي!.
    وقد حقق لهم هؤلاء النخبة ما قصدوا اليه، فهم الذين يقفون إلى اليوم في وجه العودة إلى العربية ويستغلون ما يمكنهم به الفرنسيون من وسائل لإظهار العودة إلى العربية في صورة العودة إلى التخلف، وعدم التلاؤم مع العصر.
    وكذلك صنع الإيطاليون مع أهل ليبيا، حين تمكنوا منهم، ولم يعترفوا بغيرها في المعاملات الرسمية، والمكاتبات الحكومية، حتى اضطر الليبيون إلى تعلم الايطالية، وتقديمها في كثير من الأحوال على العربية، ليستطيعوا التكيف مع الحياة الجديدة في ظل السيادة الإيطالية.
    ولم تقف إيطاليا عند هذا الحد .. بل بالغت في شططها فلجأت إلى التنكيل بكل من يخلف التعليمات، ويستعمل غير اللغة الإيطالية، حتى لقد أودعوا السجن كثيرا من الليبيين ضبطوا يقرأون كتبا أدبية، أو دروسا دينية، كما سجن آخرون وجدوا يقرأون كتبا للأديب الإسلامي مصطفى لطفي المنفلوطي(3).
    أما في بلاد الشام فقد ظهر عمق تأثير (الفرنسية)، أو مناهضة العربية في حياتهم في صورة أخرى وذلك أنهم اصطفوا طائفة هناك امتزجت عربيتهم بالفرنسية وغيرها من اللغات، واستغلوا تسلطهم على الحياة، فجعلوا من هؤلاء قواما على اللغة العربية لينشروا عربيتهم (المفرنسة) أو (المغربة) في بلاد الشام، ويصدروها إلى العرب في الأقاليم المجاورة مستغلين ما أتاحه لهم هؤلاء من وسائل الإذاعة والنشر .. وقد واجهت مصر ـ على الخصوص ـ سيلا من هؤلاء في نهايات القرن التاسع عشر ومطالع القرن العشرين، مهاجرين إليها ، ليؤسسوا فيها الصحف والمجلات التي استغلوا الكثير منها للتبشير بهذه الاتجاهات كما وضح فيما قدمته صحيفة (المقتطف) و (المقطم) و (الأهرام) و (الهلال)(4)، كما استغلوها لينشروا فيها التمثيليات والمسرحيات التي تقدم هذه الاتجاهات زادا سهلا سائغا للخاصة والعامة على السواء.

    دور الحداثيين :
    ولم يقف هؤلاء العرب (المتغربون) عند حد ذلك المخرج المادي، بل توسعوا فيه، فقدموا لنا لغة ملفقة من أمشاج تثير السخرية والتقزز، فجعلوها عربية الشكل المتمثل في الحروف ن غريبة الإيقاع والإيحاء ـ أو غربيتهما معا ـ وذلك بحرص بعضهم على أن يفرغوا كلمات العربية من مضامينها الموضوعة، ويجعلوا منها قوالب لمضامين أخرى، زاعمين أنهم بذلك يصححون المسار، وينقذون العربية من الغرق في الماضي، وينقذون العربية من الترسب مع ذلك الماضي، فيهيئونهم ليصبحوا عصريين متلائمين مع العصر، وحتى يتمكنوا من التعبير عن مكنون أنفسهم وإبراز أحاسيسهم الصادقة، لأن العربية بمضامينها الموروثة لم تعد تستطيع تلبية ذلك، وحتى ينطلق الشاعر حرا، ليخلص شعره من المنطق، والتعليم، والسرد .. بعد أن يتحرر من حبس اللغة، ويتخلص من إسارها!.
    فهذا علي أحمد سعيد المعروف بـ (أدونيس) أحد دعاة (الحداثة) في الأمة العربية يعلن الحرب على اللغة العربية ـ في ضمن ما يحارب من ثوابت الأمة الإسلامية ـ فيقول عن اللغة العربية :
    " واللغة العربية ـ بنوع خاص ـ شعرية في الدرجة الأولى، أي شخصية إلى حد كبير : تفلت من المصطلحات والتحديدات المنطقية، وتنبجس وتنفجر في حركة الأعماق وفي إبداع الشعري يصل غنى هذه اللغة إلى أوجه، وتصبح غابة شاسعة كثيفة من الإيقاع والإيحاء والتوهج، لأحد أبعادها، فتفرغ الكلمات من معانيها الموضوعة، المجودة مسبقا في المعاجم، أو على الألسنة وتتنوع دلالاتها، وتختزن ممكنات من المعاني تكثر أو تقل بحسب سياقها وترابطها بغيرها وارتباطها بالحدس الشعري(4) ".
    وواضح ما أحاط به الكاتب عباراته من ألفاظ خادعة ساحرة ـ فهي ذم بما يشبه المدح، أو التهوين بما يشبه التمجيد ـ وذلك بما تحدثه في نفس متلقيها من خدر، تجعله سريع الاستجابة كذلك الذي يضمه إلى ركب المعاصرة، وينفي عنه وصمة التخلف والجمود والرجعية، ويكفي النظر إلى ما ضمته هذه العبارة من ألفاظ معسولة أو مسمومة مغرية، مثل : (تفلت من المصطلحات والتحديات، تنبجس وتتفجر في حركة الأعماق غابة شاسعة الإيقاع الإيحاء التوهج).
    فعلى قدر ما تدغدغ الألفاظ الأولى حس طائفة من النشء وتستحوذ على عواطفهم، تأتي الألفاظ الأخرى، فتهيج فيهم النفور من فقدان الشخصية والاستسلام لسلطان السابقين، والدوران في محاورهم.
    فالكاتب لا يقدم فكر يعتمد على برهان منطقي بقدر ما يقدم شعرا يقوم على التأثير الانفعالي، ولا يقف الكاتب عند حدود هذه العبارة بألفاظها الخداعة، بل يستمر في انتقاله من خدعته، ليتمكن تماما من التأثير في المتلقي، ويحقق النجاح الذي ينشده في هذه اللغة العربية، والكاتب يلجا في خدعته التالية إلى إيهام المتلقي بأن إفراج الكلمات من معانيها الموضوعة هو السبيل إلى تحقيق الحداثة، والتلاؤم مع العصر، ليصبح النتاج جديدا خالصا من كل ما يشده إلى القديم وذلك قوله (6):
    "… ذلك أن التجديد تغير شامل أفقيا وعموديا، في البناء والعبارة والتركيب وفي النظر والرؤيا جميعا وينبثق من التجاوز ـ يعني الماضي ـ ملمح أساسي آخر هو الطرافة، أي انعدام السوابق المماثلة، فإذا كان المقياس القديم هو النهج منهج الأوائل، فإن المقياس الجديد هو النهج منهج الفرادة".
    "هكذا يحاول الشاعر العربي الجديد أن يخلص الشعر من المنطق والتعليم والسرد، وبهذا يخلصه من سلطان الخارج وأحداثه وأوشاعه المفروضة، ويجعله انبثاقا من الداخل، ذلك أنه أصبح اليوم يؤمن أن القصيدة تعبير عن معاناة حياتية شخصية".
    فالشعر ـ كما يريده هؤلاء أو كما يتوهمونه ـ لا يكون جديدا إلا إذا سار على منهج (الوجوديين)، أو (السرياليين)، أو (الرمزيين)، أو (العبثيين)، لا يحمل مضمونا ولا يهتم بغير ذاته، ولا يخضع لمقاييس عقلية، فهو خواء فارغ لا يهتم بأن يمد متلقيه بأي شيء ، لأن صاحبه خلصه من المنطق، ومن التعليم فأصبح كلاما خاليا من القيمة، لا يضيف للإنسان إلا الجهل!.
    ولا يكتفي الكاتب بذلك بل يواصل مسيرته في التنفير من اللغة العربية الموروثة، والإغراء بلغته الجديدة التي لا تأخذ من العربية غير شكلها، حرصا منه على إشاعة المعاصرة والحداثة، ليحكم ربط الإنسان العربي بسيده ورائده الأوروبي ، فيبادر بتبشير متلقيه بأنه إذا تمكن من هدم لغته ـ هكذا ـ ضمن لنفسه التحرر والانطلاق من سجن اللغة، والتخلص من واقعه الذي يشده إليه، والذوبان في شخصية الآنيان السيد ليصبح عالميا ، فيقول(7) :
    "من هنا لا تعود اللغة وسيلة لانحباس الشاعر وراءها ، أو فيها، والهروب من الواقع ـ تصبح وسيلة لمحو الحدود كلها بين الإنسان والآخر والإنسان والعالم".
    ليقدم بهذا الكلام حلقة من سلسلة الخداع الآتي يعتمد عليها في دعوته تلك، إذا لا يتصور إنسان أوتي مسحة من عقل أن اللغة العربية ـ بذاتها ـ وسيلة لانحباس الشاعر وراءها أو فيها بعد أن انطلق بها أدباء العربية هذه القرون المتعددة ـ على امتدادها ـ متلائمين مع ظروف الحياة في كل عصر، وفي كل بيئة، فاللغة التي اتسعت لهذا النشاط الأدبي والفكري والعلمي تلك القرون الممتدة والتي اتسعت لأن ينزل القرآن الكريم بها، لا يمكن أن يتصور ضيقها ضيقا ينحبس فيه أو وراءه الشاعر أو غير الشاعر .. اللهم إلا أن يكون هذا الشاعر محدود الإمكانات البيانية، ضحل الثروة اللغوية، غريبا عن اللغة العربية وآفاقها، فاقد الهوية أو تائها، فمثل هذا هو الذي يرى في اللغة سجنا لا يطبق حراكا داخله، لأنه يجهل التعامل بها أو معها، أو لأنه لم يعد الإعداد الكافي لاستيعابها ولأنه يريد أن يتوسل بها فيما لا يتفق وقيمها، ويحاول أن يسوغ هذا الجهل والقصور ، فيزداد استسلاما لما تمليه عليه أوهام الغيبوبة والخدر، ويقر أن انطلاق الشاعر من سجنه (لغته) إنما يعني تحطيم قيود تلك اللغة، فلا تبقى محاطة بذلك السياج المعروف بقواعد النحو والصرف والبلاغة ولا تبقى أسيرة تلك المعاجم والقواميس، متعللا بأن ذلك السياج مفروض عليها من خارجها، وأنه لذلك أفقدها المد الذاتي، فأصبحت محدودة في هذا العالم الفسيح!.
    ولعل ذلك .. يرى أن تحرير اللغة من هذا السجن هو الذي يرد إليها كيانها المفقود فيقول(Cool :
    "إن تحرير اللغة من مقاييس نظامها البراني، والاستسلام لمدها الجواني .. يتضمنان الاستسلام بلا حدود إلى العالم، إذا تصبح اللغة بلا حدود، والعالم بلا حدود، تزول الهاوية بين المعنى والمعنيِّ، بين الكلمة والشيء، وهذا يؤدي إلى القضاء على علم المعاني، كما رآه أسلافنا، وإنشاء علم آخر للمعاني يتجاوز المقاييس والمصطلحات الماضية".
    ثم يعود إلى الإيغال بواسطة الكلمات المعسولة، والألفاظ البراقة، ذات الإيحاء الفضفاض، ليجعل من ذلك كله وسيلة تأثير في متلقيه، فيعلن عن إصراره على ضرورة إلغاء المنطق والعقل ، لأن المنطق والعقل ـ في تقديره ـ يفقدان اللغة القدرة على الانطلاق وراء اللانهائيات التي لا يكون الشعر شعرا إلا بالتعلق بها، ولا سكون شاعر شاعرا إلا بالسبح في فضائها، ولا تكون اللغة لغة إلا بتمكين الشاعر من العبور اليها، و لا تستطيع اللغة أن تعبر بالشاعر إلى عالم اللانهائيات إلا إذا ألفت العقل والمنطق ، واعتمدت على الإلهام والكشف، وذلك قوله تعليقا على تجاوز المقاييس والمصطلحات الماضية بعد إلغاء علم المعاني(9):
    "… ولهذا يتراجع المنطق والعقل أمام الإلهام والكشف .. لا تعود القصيدة شجرة معنى ، وإنما تصبح غابة معان، لا تعود محدودة ، وإنما تصبح لا نهائية، إن مجال اشعر هو اللانهاية.
    البديل الشعري للانهاية هو التخييل، فالتخيل هو الملمح الأساسي الرابع في الحركة الشعرية العربية الجديدة، وأعني بالتخييل .. القوة الرؤياوية التي تستشف ما وراء الواقع".
    ونبحث في اللغات كلها قديمها وحديثها لعلنا نعثر العربية الجديدة .. فلا نجد ولا ندري بأي لغة يريد أن يلحق اللغة العربية تلك، فليست هناك لغة تقوم بدون قواعد، ولم نسمع عن لغة تتركب من ألفاظ لا تحدها المعاني، ولا تهتم بالعلوم، ولا تقدم القيم التي تلزم بها الناطقين بها، ثم أين هو وحزبه من هؤلاء السادة الأوروبيين ، بعد أن كسر القيود، وتخطى الحواجز وانطلق متحللا من اللغة وانفلت من عقالها؟!
    إنه وهم تجسم له ولأمثاله في أثناء غيابهم عن الحقيقة، لم يجن من ورائه إلا ذوبان الشخصية في (لا شيء)، فإذا بهم يتلفتون بحثا عن شخصيتهم الجديدة، فلا يجدون شيئا، لأن السادة لا يقبلون أن يحرروا عبيدا ليجلسوا إلى جوارهم فوق كراسي الأسياد، ولا يسمحون للغة أخرى ـ غير لغتهم ـ أن تنتشر وتذيع مهما خلعوا عليها من مسوح وأزياء بقصد تغييرها وتقريبها من لغة السادة!.
    · هكذا .. بدا المستعمرون الأوروبيون وهكذا .. واصلوا الطريق .. فما يزعمه (أونيس) ليس إلا وهما أفرزه الخدر الذي أصابهم ونما في ظل الغيبوبة التي طوتهم وعزلتهم عن الرؤية البصيرة الواعية.
    وإذا كان (أدونيس) قد حرص على أن يغلق كلامه بتلك التهويمات المخدرة .. فإن هناك من كان أكثر جرأة منه في التعبير عن مراده.
    فهذا (كمال أبو ديب) لا يلجا إلى حيل (أدونيس) وتهويماته، ولكنه يكشف عن رأيه ووجهته من أول الأمر مكتفيا في الإغراء به بنسبة هذا الحكم إلى (الحداثة) تقديرا منه أن كلمة (الحداثة) تغري بتقبل ما ينسب إليها، فيقول(10): "الحداثة لا ترى موت اللغة فقط، بل تراها لغة مكدسة محشوة بالسلطة من قوة ضخمة من قوى الفكر المتخلف التراكمي السلطوي".
    فالحداثة التي يبشر بها هو وصحبه .. لا تكتفي ـ في نفورها من اللغة العربية ـ بأن تقدر موتها وتقرر أن التمسك بها تمسك بكائن فقد الحياة .. حداثة هؤلاء لا تكتفي بهذ1 فحسب، ولكنها تقدر أن تلك اللغة جمعت ـ إلى الموت الذي يصرف الأدباء عنها ـ اعتمادها على أسباب النفور منها ، والفرار من استخدامها المتمثلة في حشوها بالسلطة المتولدة عن قوى الفكر المتخلف.
    ويذكر الدكتور مصطفى هدارة تفسيرا لموقف (الحداثة) من اللغة ، قدمه أحد المبشرين بها، في قوله : "الحداثة تدمير للقواعدية فيها، ومحاولة لإعادتها إلى بناها (اللاقاعدية اللامتشكلة)، ويتم ذلك عن طريق تدمير بنية الجملة الدالة بما هي نسق واضح من القواعد المنفذة، وتحويل الجملة إلى سلسلة من الإمكانات والتداخلات".
    وهكذا .. انتقل هؤلاء ـ في السعي إلى هدم اللغة العربية ـ من الانتساب إلى المعاصرة، بعد أن تعددت مراحل العصر ، ليضيقوا الاتساع الزمني، فانتسبوا إلى الحداثة، إيغالا في التأثير والخداع، إذ أدركوا أن المعاصرة أخذت تفقد بريقها لتعدد مظاهر المعاصرة، فانتقلوا منها إلى (الحداثة)، كما رأينا.
    وهكذا .. بدأت الدعوة إلى المعاصرة ـ في المجال اللغوي ـ بالحط من شأن اللغة العربية، واتهامها بعدم القدرة على التلاؤم مع مستجدات العصر، والدعوة إلى إدخال التغيير على كتابتها، واستبدال الحروف اللاتينية بحروفها أو استبدال اللغات الأوروبية بها.
    وانتهت بالدعوة الصريحة إلى إفراغها من مضمونها الموروث وتركها ـ بدون مضمون محدد ـ قالبا يملؤه كل واحد بما يشاء أو بما يعن له في أثناء تعبيره!
    * وهكذا .. بدأ الدعوة إلى إجراء التعديل في اللغة العربية ـ أو إبدالها ـ طائفة من المستشرقين أعوان المستعمرين الأوروبيين الصليبيين، حريصين على أن يهيئوا من أبناء الأمة من يتسلم منهم زمام هذه الدعوة ليتحقق لهم ما قصدوا إليه بعد نحو قرن من الزمان، ليتوارى هؤلاء المستشرقون إبعادا للشبهات، واكتفاء بما يؤديه هؤلاء الشواذ من دور في هذا المجال.. ما كان يجرؤ عليه غيرهم، ولا كان يستطيعه ـ بهذه الجرأة ـ أحد غير منتسب إلى العرب.


      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 11, 2016 4:47 am