منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    القرآن الكــــــــــــــريم حافظ للغة

    شاطر

    غيث الشريف

    عدد المساهمات : 6
    نقاط : 18
    تاريخ التسجيل : 12/03/2010

    القرآن الكــــــــــــــريم حافظ للغة

    مُساهمة  غيث الشريف في الجمعة مارس 12, 2010 11:24 am

    القرآن الكــــــــــــــريم
    حافظ للغة


    بقلم أ.د. حسن محمد با جودة
    أستاذ الدراسات القرآنية البيانية
    جامعة أم القرى بمكة المكرمة.



    اللغة العربية لغة القرآن الكريم، اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون وعاء لكلماته، وبانتشار القرآن بين عباد الله المؤمنين ذاعت وانتشرت. وثبتت أركانها في شعوب لم تعرف العربية من قبل، بل لقد ضمن القرآن الكريم لهذه اللغة الثبات والصيرورة .. ودراستنا لهذا الموضوع (القرآن الكريم حافظ للغة) سوف تتناول الآتي :
    ـ خصائص اللغة العربية وأسباب تفوقها في العصر الجاهلي.
    ـ مكاسب اللغة العربية بنزول القرآن الكريم فيها.
    أ ـ مكاسب بطريق غير مباشر.
    ب ـ مكاسب بطريق مباشر.
    ـ كيف حفظ القرآن الكريم اللغة العربية منطوقة مسموعة؟
    ـ كيف حفظ القرآن اللغة العربية مكتوبة مسموعة؟
    ـ كيف يحفظ القرآن الكريم اللغة العربية منطوقة ومكتوبة؟


    خصائص اللغة العربية وأسباب تفوقها في العصر الجاهلي
    قسم علماء فقه اللغة اللغات إلى ثلاثة أصناف :
    الصنف الأول اللغات العازلة :
    وهي غير المتصرفة، بنية الكلمات فيها لا تتغير وأصولها لا تلصق بها حروف زائدة لا قبلها ولا بعدها، وليس بين أجزاء تركيبها روابط وصلات، ومن هذا الصنف اللغة الصينية، وكثير من اللغات البدائية.
    الصنف الثاني اللغات الإلصاقية :
    وهي لغات أصلية تمتاز بالسوابق واللواحق التي تربط بالأصل فتغير معناه بما عداه من أجزاء التركيب. ومن هذا الصنف اللغة اليابانية والتركية.
    والصنف الثالث اللغات التحليلية :
    وهي المتصرفة التي تتغير أبنيتها بتغير المعاني وتحلل أجزاؤها المترابطة فيما بينها بروابط تدل على علاقتها. ومن هذه اللغات السامية وفي طليعتها العربية، وأكثر اللغات الهندية الأوروبية(1).
    واللغة العربية أحدث اللغات السامية سنا، وفق الرأي الراجح(2) كما أن جزيرة العرب هي المهد الأول للشعوب السامية(3)، ومنها هاجروا جماعيا إلى الأماكن الخصبة المجاورة.
    وقد لاحظ العلماء تفوق اللغة العربية على سائر اللغات السامية، بما في ذلك اللغة السامية الأم، اللغة العربية تفوقت على كل اللغات السامية في النهوض بخصائص تلك اللغات بما في ذلك أهم صفتين لتلك اللغات وهما الاشتقاق والإعراب، واللغة العربية أقرب اللغات السامية إلى اللغة الأم، ومن فهي أساس المقارنات اللغوية(4)، ومما احتفظت به اللغة العربية عدد من الأصوات التي هجرتها لغة سامية واحدة أو أكثر من لغة(5) وثمة ألفاظ تستعملها اللغة العربية اليوم عمرها أكثر من أربعين قرنا(6) ثم إن ظاهرة الإعراب في العربية أقدم من القرن الخامس والعشرين قبل الميلاد(7).
    وحينما نبحث عن السبب الذي أتاح للغة العربية أن تنهض بخصائص اللغات السامية بأكثر من سائر اللغات السامية الأخرى فإن ذلك السبب يعود إلى انعزال العرب في شبه جزيرتهم التي تعتبر أكبر شبه جزيرة في الدنيا. إنها على سبيل المثال أكبر من شبه القارة الهندية وتشكل وحدها اليوم زهاء سدس العالم الإسلامي. وبسبب هذا الانسياح الواسع لشبه الجزيرة العربية هي أشبعت كل رغبة في العربي إن أراد حربا أو سلما، أراد كيدا أو نجعة(Cool ومن هنا كان الغالب على هجرة العرب من جزيرتهم أن تكون هجرة جماعية بسبب قسوة الحياة وشدة الجدب في بعض الأوقات، وكأن الجزيرة العربية بمنزلة الأم غير الرءوم التي تطرد أولادها الفينة بعد الفينة.
    وبالإضافة إلى عزلة العرب في جزيرتهم، تلك العزلة التي أتاحت للغة العربية أن تنهض بخصائص اللغة السامية الأم نهضة مباركة، وأن تكون لها شخصيات المتميزة، ثمة سبب آخر ساعد هذه العزلة على أن يكون لها أثرها الحميد على اللغة العربية، أما هذا السبب فهو الصفاء الغالب على سماء الجزيرة العربية. لقد انعكس صفاء الجزيرة العربية على نفوس العرب التي عكسته على بدورها على لغتها في مخارج الحروف فتوزعت توزيعا عادى على سلم المخارج الصوتية، وفي الكلمة التي تكونت من تلك الحروف، والتي صيغت في قوالب صوتية صغيرة، لأنها قليلة الحروف، فلا تتجاوز الكلمة المشتقة مع حروف الزيادة السعبة الأحرف. وبسبب ظاهرة الإعراب ووسائل أمن اللبس في اللغة العربية أتيح للفظة العربية مرونة كبيرة في الموقع من الجملة أو العبارة مع الاحتفاظ بمعناها.
    وقد نجم عن كل ذلك أن كانت اللغة العربية هي اللغة الموسيقية الشاعرة دون سائر لغات الدنيا(9) زمن هنا كانت الموسيقى شرطا أساسيا في شعر اللغة العربية، بسبب يسر تحقيق هذا الشرط في هذه اللغة الموسيقية الشاعرة، التي تملك أكبر معجم لغوي، والتي تتجلى بعض مظاهر عبقريتها فيما يمكن أن يسمى بالاختزال. إن اللفظة العربية القليلة عدد الحروف تنزل منزلة الدائرة الصغيرة أو الحلقة الصغيرة من السلسلة ومن المعروف أن السلسلة الصغيرة الحلقات أكثر لينا واشد طواعية، خاصة وقد عرفنا أن اللفظة العربية بشبب ظاهرة الإعراب في المقام الأول حرة من الحركة، وغن حرية الحركة هذه قد عززت من موسيقية العربية، اللغة الشاعرة.
    · ونستطيع أن نشير إلى أهم المظاهر التي نهضت بها اللغة العربية في عصورها السحيقة قبل الإسلام في هيئة نقاط :

    1) ظاهرة الاشتقاق :
    فالمعروف أن اللغة العربية يضطرد فيها الاشتقاق بأكثر من أي لغة اشتقاقية أخرى، والاشتقاق معناه استلال الألفاظ من الأصل اللغوي وسبكها في هيئة قوالب صوتية كاسم الفاعل من الثلاثي مثلا، فإن له قالبا صوتيا واحدا في كل ألفظ اللغة العربية. وقس على ذلك سائر الصيغ.
    وإن هذه القوالب الصوتية الثمرة اليانعة لظاهرة الاشتقاق من أهم الأسباب في جعل اللغة العربية لغة موسيقية في شعرها ونثرها على السواء.

    2) ظاهرة الإعراب :
    والمعروف أن اللغة العربية تتفوق في هذه الظاهرة على سائر لغات الإنسانية. ومن فوائد هذه الظاهرة إتاحة الفرصة للفظة كي تأخذ حريتها تقديما وتأخيرا مع احتفاظها بموقعها الإعرابي. ولا يخفى ما في هذه الحرية من تأكيد لصفة الموسيقية التي تعرف بها اللغة العربية إضافة إلى قدرتها الفائقة على نقل وساوس النفس وخلجات الصدر وخطرات الذهن.

    3) توزيع مخارج الحروف الأبجدية على سلم المخارج توزيعا عادلاً :
    ولا يخفى ما في هذا التوزيع من إسعاف على الإفصاح عن المعاني، بسبب البعد الكافي لين المخارج فإن من أسباب اللبس قرب المخارج، ولا يخفى ما لاستقلال المخارج الصوتية من أثر في فصاحة اللفظة، ودور متميز في مجال القافية، وهي كذلك حلية صوتية، وينبغي أن يكون لاعتماد العرب الأميين على الأذن والسماع بأكثر من العين والبصر دور في صقل لغتهم من الوجهة الصوتية.

    4) وفرة المفردات :
    التي تعبر عن المعاني المتقاربة، وربما التي تعبر عن مسمى معين، وهو ما يسمى بالترادف، وهي مفردات أسهمت في إيجادها سائر القبائل العربية، وفي قوالب صوتية معينة. ويكفي في هذا الصدد أن يقول : إن أمكن جمع أكثر من (5644) لفظا في شؤون الجمل رفيق الإعرابي في الصحراء ومؤنسة في وحشته(10) فغذا أضفنا إلى ذلك قلة حرف اللفظة العربية اسما وفعلا وحرفا فهي تقل حتى تكون حرفا واحدا، وهي تزيد فتقف مع حروف الزيادة عند سبعة أحرف، استطعنا أن نفهم قدرة هذه المفردات على الإفصاح عن المعنى من جهة وعلى إساف اللغة العربية كي تكون اللغة الموسيقية الشاعرة من جهة أخرى.
    وما معنى انعزال العرب القرون المتطاولة في جزيرتهم وهم أمة البيان وفرسان الكلمة، وهم القوم الذين تجلت عبقريتهم في فني الشعر ولانثر معا؟ معناه نهوض هذه الأمة بخصائص اللغة العربية إلى أسمى الدرجات، الوصول بها إلة أعلى القمم، والعجيب في شأن اللغة العربية أنها فاجأت الإنسانية وهي في أوج كمالها، وكامل زينتها، وروائع بيانها، في مجالي الشعر والنثر على السواء.
    ورغم اختلاف العرب قبل الإسلام في كل شيء تقريبا فإنهم اتفقوا على اتخاذ لسان قريش لغة أدبية لهم، رغم انسياح هذه الجزيرة البعيد المدى.
    وثمة أسباب متعددة وراء اتفاق العرب على جعل لسان قريش لغة أدبية لهم منا الديني، فهم سدنة البيت الحرام، ورعاة المشاعر المقدسة، ومنها الاقتصادي فإن قوافل قريش التجارية تجوب الجزيرة العربية وبخاصة رحلة الشتاء إلى اليمن، والصيف إلى الشام.
    وإذا كان العرب يزورون قريشا في عقر دارها بسبب زيارة الأماكن المقدسة للحج والعمرة وارتياد الأسواق في المواسم وهي أسواق تجارية وثقافية، وإذا كانت قريش في رحلاتها تزور القبائل العربية في عقر دارها، فإن هذا وذاك أتاح لقبيلة قريش أن تكون على علم بلسان العرب كله، أن تكون قادرة وهي القبيلة المعروفة برقة إحساسها ودقة ذوقها، أن تتخلص من عيوب النطق المبعثرة في لسان العرب من ناحية، وأن تنتقي ما راقها من لسان العرب، فعلى سبيل المثال كانت قبيلة قريش تسهل الهمزة فتقول مثلا ذيب وبير وشي في حين كانت قبيلة تميم تنبر فتقول ذئب وبئر وشيء، ولم يخف على قبيلة قريش أن النبر أجمل من التسهيل فاستعارته من تميم، فأصبحت قبيلة قريش تهمز بعد أن كانت تسهل.
    لقد فوجئت الإنسانية باللغة العربية في أوج كمالها قبل الإسلام بعدة قرون، كما فوجئت بتراثها البياني في مجالي الشعر والنثر على السواء، وهو يرفل في أجمل موسيقي، وأنصع بيان، وأحلى لفظ، وألطف معنى.
    ولما كان من سنن الله تعالى بشأن اللغات أن كل لغة بعد أن تصل إلى القمة أن تتدحرج عنها فليس بعد الطلوع إلا النزول، وليس بعد الكمال إلا النقصان، ولما كانت اللغة العربية ليست بدعا من اللغات، فبعد أن وصلت أعلى القمة قبل اللاسلام كادت تتدحرج، ولكن شاء الله تعالى أن ينزل فيها آخر الكتب السماوية وأشرفها، فمنع اللغة العربية أن تترجل عن صهوة قمتها، فكانت اللغة بمثابة ذلك الفائز الحاصل على أعلى الدرجات في القفز حتى إذا كان في أوج ارتفاعه تم التقاط صورة له في أعلى قفزة له، إن القرآن الكريم حفظ اللغة العربية في أعلى قفزة ميمونة مباركة لها من ناحية، وحمل اللغة العربية إلى القمم الرفيعة التي لا تشرئب لها الأعناق، وإلى الآفاق الرحبة التي لا تتلطع إليها الأطماع.

    مكاسب اللغة العربية بنزول القرآن الكريم فيها :
    أ ـ مكاسب بطري مباشر :
    شاء الله سبحانه وتعالى أن يبعث في العرب الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آيات الكتاب العزيز ويزكيهم ويطهرهم ويعلمهم معاني ذلك الكتاب العزيز وسنة المصطفى (ص) فبعث خاتم النبيين وأشرف المرسلين محمد بن عبد الله (ص)، لأم من حكمة الله تعالى ألا يبعث رسولا إلا بلسان قومه، قال تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم)، وشاء الله سبحانه وتعالى أن تكون معجزة كل رسول من جنس ما نبغت فيه أمة ذلك الرسول كي تكون الآية غالبة والحجة بالغة والمعجزة قائمة. ولما كانت عبقرية العرب قبل الإسلام قد تجلت في لغتهم وفي كونهم أئمة البيان وفرسان الكلمة فقد شاء الله تعالى أن تكون معجزة المصطفي (ص) في أمة البيان آية بيانية ومعجزة بلاغية تجلتا في القرآن الكريم الذي انفرد دون سائر الكتب السماوية الأخرى بكون معجزة ومنهجا في آن واحد. أن الكتب السماوية السابقة على القرآن الكريم لم يكن التحدي بأي منها إنما كان التحدي بآيات مادية محسوسة كعصا موسى عليه السلام، لتفوق قومه عليه السلام في السحر، وقدرة عيسى ابن مريم عليه السلام بإذن الله تعالى على إبراء الأكمة الذي ولد أعمى ممسوح العينين، والأبرص، وإحياء الموتى بأن يدعوهم عليه السلام فيخرجون من قبورهم لتفوق قومه عليه السلام في الطب.
    لقد تدرج القرآن الكريم مع العرب بعامة، كفار قريش بخاصة، وقد عرفنا مكانتهم الرفيعة في مجال البيان أن يأتوا بمثل هذا القرآن الكريم فعجزوا، وأن يأتوا بعشر سور مثله فعجزوا، وأن يأتو بسورة واحدة مثله أو من مثله فعجزوا. جاء في سورة الإسراء المكية(12) قوله تعالى (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا)، وجاء في سورة هود المكية(13) كذلك قوله تعالى (أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين) ، وجاء في سورة يونس المكية(14) كذلك قوله تعالى (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله ادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين)، وجاء في سورة البقرة المدنية (15) قوله تعالى (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وأدعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين).
    ونستطيع أن نفهم أن تحدي القرآن الكريم للعرب بأن يأتوا مثل هذا القرآن أو مبثل عشر سور أو بمثل سورة مثله أو من مثله قد حمل العرب وبخاصة قبيلة قريش على تفكر في هذا التحدي، وغلى التدبر في إعجاز هذا الكتاب العزيز . ومع أن للتحدي العديد من الصور فإن التحدي المقصود هنا المتبادر غلىالذهن لأول وهلة ، ألا وهو التحدي البياني لهذا الكتاب العزيز .
    والمعروف أن الجميع عجز أمام التحدي القرآني وفي مقدمة هؤلاء كفار مكة الذين هجروا ميدان البيان الذي هو متفوقون فيه إلى إلى استلال السيوف واستقبال الجتوف. والمعروف كذلك أن بعض السفهاء جرءوا على اعلان سخفهم لمسيلمة الكذاب فكشفوا عن سوءاتهم بما جرى على ألسنتهم من سخيف القول وباطل الكلام ظانين أنهم بذلك الهراء يقابلون تحدي القرآن الكريم لهم فأضحكوا عليهم كل ثكلى.
    ونستطيع أن نفهم أن الكافرين الذين أعلنوا عداوتهم للإسلام قد آثار التحدي القرآن حفائظهم وشحذ هممهم بقصد أن يتفاعلوا مع اللغة بيانها وأن يأتوا ولو بمثل سورة واحدة من مثل القرآن الكريم وذلك قبل أن يهجروا ميدان البيان واللسان إلى ميدان الضرب والطعان. ونستطيع أن نفهم أن قبيلة قريش يأتي كفارها في هذا المجال على رأس كافري الجزيرة العربية وذلك لسببين :
    السبب الأول :
    وهي تشترك فيه مع سائر العرب، ألا وهو امتلاك زمام اللغة العربية وناصية البيان العربي. ويتجلى ذلك الامتلاك في فطنة العربي آنذاك بالسليقة لظاهرة الإعراب العظيمة الدلالالة على فهم التركيب. والمعروف أن العربي بفطرته لا يلحن آنذاك كما يتجلى في فطنة العربي آنذاك للمعنى الثانوي الذي يفيده كل لفظ مشتق.
    والمعروف أن اللفظة العربية المشتقة المفردة تفيد معنيين اثنين حدا أدنى. المعنى اللغوي الذي يفيده اللفظ في الدلالة على المسمى، والمعنى الاشتقاقي الذي يفيده اللفظ، أو صفة المسمى المهمة آلتي يفيدها بسبب اشمال اللفظ المشتق بالضرورة على حروف الأصل اللغوي الذي اشتقت منها اللفظة.
    إن لفظة السماء مثلا تدل على القبة الزرقاء التي تظلنا نهارا، المرصعة بالنجوم أو التي يزينها القمر ليلا، وبالإضافة إلى إفادة سماء هذا المعنى اللغوي هي تفيد بسبب اشتمالها على حروف الأصل اللغوي: (سما) أهم صفة في المسمى وهي صفة السمو أو العلو.
    أما السبب الآخر :
    الذي جعل قبيلة قريش يأتي كفارها على رأس الكافرين في الموقف من التحدي القرآني فإن السبب الذي انفردت به قبيلة قريش وحدها وذلك أنها اعتبرت نبوة محمد (ص) ونزول الوحي عليه من السماء امتدادا للتنافس بين بيوتات قريش وفوز بني هاشم بشرف النبوة والوحي.
    ونستطيع أن نفهم أن عجز كفار قريش وهم أفصح العرب وأحرص الناس على منافسة بني هاشم على الشرف والمجد، عن الإتيان بمثل سورة واحدة من سور القرآن الكريم عجز للإنسانية إلى يوم الدين، وذلك بسبب ذهاب هذين السببين إلى غير رجعة. ونستطيع أن كذلك أن قبيلة قريش ومن ماثلها لم تهجر ميدان البيان المتفوقة فيه إلى ميدان القتال وبذلك الأرواح إلا بعد استنفاد الجهد في مجال البيان المتفوقين فيه، ويلحق بكفار قريش كل المناوئين للقرآن الكريم من الذين يعرفون اللغة العربية والذين جربوا حظوظهم في الاستجابة للتحدي القرآني فعجزوا وجبنوا عن إعلان كلامهم السخيف، وكتموا محاولاتهم الفاشلة، كي لا ينضموا السفهاء الذين استزلهم الشيطان ونفوسهم الأمارة بالسوء فكشفوا عن سوءاتهم فكانوا سبة الدهر ولهو المقيم، ولهو المدلج الساري، وذلك على غرار مسيلمة الكذاب، وأمثاله من السفهاء.
    والذي أود أن أخلص إليه هو أن للقرآن الكريم دورا بارزا في حفظ اللغة العربية لدى أولئك المناوئين، ولكن بطريق غير مباشر ، لأن كل الذين تجاوبوا مع التحدي القرآني من أولئك المناوئين عنوا بلغتهم العربية عناية بالغة، وبذلوا منتهى وسعهم وطاقتهم كي يأتوا من القول بما شفي نفوسهم مما تجد من رغبة في الاستجابة للتحدي القرآني، وسواء أعلن أولئك الحمقى عن سخافاتهم كمسيلمة الكذاب، أنم أخفوها فإن القرآن الكريم حمل الجميل بطريق غير مباشر على العناية بلغتهم العربية، وفي ذلك مظهر من مظاهر حفظ اللقرأن الكريم اللغة.

    ب ـ مكاسب بطريق مباشر :
    كان العرب قبل الإسلام محصورين في جزيرتهم التي أشبعت كل رغبة لديهم، ولم يدر بخلد واحد منهم أن يخرج من جزيرته إلا من أجل التجارة وما في حكمها، ولم يدر بخلد جماعة منهم أن تخرج إلا من أجل الهجرة الجماعية بسبب شظف العيش وقسوة الحياة.
    ولكن بعد الدعوى الإسلامية واستمرار الفتوحات في كل اتجاه انتشر المسلمون في أنحاء الأرض يحملون الإسلام ولغة الاسم ولم يمض قرن واحد من الزمان على وفاة المصطفى (ص) حتى كانت دولة لا إله إلا الله محمد رسول الله ممتدة دون انقطاع من حدود الصين شرقا، إلى حدود فرنسا غربا، وهذه الفتوحات إنما كانت من أجل إتاحة الفرصة المطلقة للناس كي يختاروا الدين الذي يرتضونه دون أي مؤثر من ترغيب أو ترهيب.
    ونستطيع بشأن هذه الدولة العربية الإسلامية أن نقول إنها تمثلت فيها ثلاث موجات :

    الموجة الأولى : موجة المد الإسلامي.
    الموجة الثانية : موجة اللغة العربية .
    الموجة الثالثة : موجة الكتابة العربية الاسلامية.
    وتفسير ذلك أن المجاهدين في سبيل الله تعالى حملوا دين الإسلام معهم، القرآن الكريم وسنة المصطفى(ص) النبي العربي القرشي الهاشمي وذلك بمعناه أن لسان هذه الدولة الإسلامية هو اللغة العربية، والمعروف أن الإسلام دين العلم، فليس ثمة دين حث على العلم كالإسلام وقد كان القرآن الكريم وسنة المصطفى(ص) منطلق عناية المسلمين بعلوم القرآن الكريم والسنة المطهرة أولاً، العلم المطلق آخرا.
    · إن المسلمين عنوا بجمع اللغة من مظانها خدمة للقرآن الكريم والسنة المطهرة، وبعد الاطمئنان إلى فهم كل من القرآن الكريم والحديث الشريف سبب العناية باللغة العربية وبتراثها الشعري والنثري على السواء. كان القرآن الكريم والحديث الشريف سببا في ظهور علوم ذوات علاقة بهما كعلوم اللغة والسيرة وعلوم القرآن الكريم وعلوم الحديث الشريف. أما علم النحو فقد وضع أساس لمنع اللحن في تلاوة القرآن الكريم.
    · ولما كانت تلاوة القرآن الكريم والحديث تشترط الالتقاء المباشر بالشيخ والتلقي المباشر عنه ضمانا لسلامة نقل العلم وتلقينه، فقد صيغت هذه الحقيقة طريقة نشر العلم في تلك الدولة العرية الإسلامية الطويلة العريضة، ومن هنا كان الاهتمام بما يسمى بالإجازة بمعنى أن يجيز الشيخ تلميذه في نقل علميه عنه، ولا يكون ذلك إلا بعد اطمئنان الشيخ إلى كفاءة تلميذه وتمكنه من العلم وبخاصة في مجال النطق الصحيح لمفردات العلم، قياسا على تواتر رواية القرآن الكريم وسنة المصطفى(ص).
    · وبسبب هذه العناية الكبرى بالتلقي المباشر عن الشيخ في نقل العلم ونشره تأخر في المرتبة نقل العلم عن طريق الكتب مباشرة، وهي الطريقة التي تسمى بالإجادة والتي يسمى أصحابها بالصُّحفيين، نسبة إلى الصحف، التي أخذوا العلم عنها، بمعنى الكتب. وهكذا كان الاهتمام كبيرا بصحة نطق المعلومات وصحة نقل العلم والنطق به، قياسا على صحة تلاوة القرآن الكريم ورواية السنة المطهرة واشتراط التلقي المباشر عن الشيخ.
    · ولا يخفى أن للأذن دورها بشأن الكلمة المنطوقة المسموعة، وأن للقرآن الكريم أكبر الدور في حفظ الكلمة العربية الإسلامية المنطوقة المسموعة ولا يخفى أن الكلمة المنطوقة المسموعة تشكل نصف العلم . أما النصف الآخر فتشكله الكلمة العربية الإسلامية المكتوبة المقروءة، وكما كان للقرآن الكريم دور كبير في العناية بالكلمة العربية الإسلامية من هذه الناحية وفي حفظ هذه الكلمة، كان للقرآن الكريم دور كبير في العناية بالكلمة العربية الإسلامية المكتوبة المقروءة هذه المرة وفي حفظها.
    كان تراث العرب في الجاهلية منطوقا مسموعا بأكثر من مقروءا مكتوبا، وبالإسلام أصبح للعلم حظه الموفور من الكتابة والقراءة، وذلك على غرار حظه الموفور من النطق والسماع. وكان المنعطف الذي بدأ عنده حظ العلم في الإسلام من الكتابة والقراءة تدوين القرآن الكريم للمرة الثالثة والأخيرة على عهد عثمان بن عفان الثالث الراشد رضي الله عنه وجمع القرآن الكريم على حرف واحد من الأحرف السبعة سنة خمس وعشرين هجرية. وإرسال عثمان رضي الله عنه عدد من نسخ المصحف الشريف في صورته الأخيرة إلى عدد من العواصم الإسلامية.
    لقد أخذ المسلمون في سائر أنحاء الدنيا يكتبون النسخ من القرآن الكريم وفق المصحف الإمام الذي احتفظ به عثمان رضي الله عنه لنفسه ووفق النسخة التي بقيت في المدينة المنورة والنسخ التي أرسلت إلى الأمصار. وحرصا من المسلمين على قدرة المسلمين جميعا على قراءة النسخة الواحدة من المصحف الشريف في كل زمان ومكان كتبوا كل العلوم وفق كتابة المصحف العثماني.
    ولما كان للدولة الإسلامية في فجرها لغة واحدة هي العربية وكتابة واحدة هي الخط العربي الإسلامي، ذلك معناه أن الموجات الثلاث التي أشرنا إليها، وهي موجة المد الإسلامي، وموجة اللغة العربية، وموجة الكتابة الإسلامية، كانت في الحقيقة موجات متساوية في القوة بحيث إنه يصح القول إنها موجة واحدة ذات ثلاث صور.
    وبمرور الوقت ظهرت في الدولة الإسلامية آفة الشعوبية التي تسمى حاليا بالقويمة فتعقبت بعض القطار الإسلامية للغاتها المحلية وكان ذلك على حساب اللغة العربية لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. وقد نجم عن ظهور اللغات المحلية انحسار مد موجة اللغة العربية . وحينما تقارن بمرور الوقت بين موجة المد الإسلامي وموجة مد اللغة العربية يبدو كأن الموجتين تتجهان في اتجاهين متعاكسين، بسبب انحسار موجة اللغة العربية من ناحية، واستمرار موجة المد الإسلامي في أكثر الاتجاهات من ناحية أخرى.
    وإذا كانت الشعوبية أو القومية قد حملت بعض الجماعات الإسلامية على تعقب للغاتها المحلية على حساب لغة القرآن الكريم، فإن كل الشعوب الإسلامية وبدون استثناء قد احتضنت الكتابة العربية الإسلامية، تلك الكتابة التي دون فيها المصحف الإمام أو المصحف العثماني، والتي سارت دائما في ظل كتابة المصحف الشريف وتحت حمايته، وكأن هذه الموجة الثالثة موجة الكتابة العربية الإسلامية ظلت مواكبة للموجة الأولى موجة المد الإسلامي، لأن المسلمين جميعا كانوا حريصين على القدرة على قراءة النسخة الواحدة من المصحف الشريف، وهكذا شملت بركة القرآن الكريم الكتابة العربية الإسلامية التي كتب بها التراث الإسلامي كله بلغات العالم الإسلامي المختلفة، تماما كما شملت اللغة العربية ذاتها منطوقة مسموعة.
    وفي العصر الحديث نجح أعداء الإسلام والمسلمين في تضليل الكثير من الشعوب الإسلامية بقصد سلخها من ماضيها الإسلامي المجيد، وذلك بتحويلها عن استعمال الكتابة العربية الإسلامية التي تسير في ظل المصحف الشريف إلى استعمال الحروف اللاتينية . وبذلك استبدلت تلك الشعوب الإسلامية ـ وللأسف ـ الذي هو أدنى بالذي هو خير. ونجم عن ذلك انحسار الموجة الثالثة موجة الكتابة العربية الإسلامية التي يستمر بكل أسف وألم انحسار مدها كل يوم. وكادت الكارثة تحل بالبلاد العربية حينما تبني بعض أبنائها الدعوى ذاتها باستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، باستعمال الحروف اللاتينية بدل الكتابة المصحف الشريف.
    وحتى هذه اللحظة أصبح ترتيب الموجات الثلاث على النحو التالي : المد الإسلامي، مد الكتابة العربية الإسلامية، مد اللغة العربية.
    ويتضح مما سبق أن حفظ القرآن الكريم للغتنا العربية شمل شقيها، الشق المنطوق المسموع، والشق المكتوب المقروء، ولما كان الأعداء يهاجمون الإسلام من جميع نواحيه، وكان بحثنا يتعلق بجانب اللغة فذلك معناه أن حديثنا عن حفظ القرآن الكريم في الميادين الثلاثة التالية :
    1 ـ كيف حفظ القرآن الكريم اللغة العربية منطوقة مسموعة؟
    2 ـ كيف حفظ القرآن الكريم اللغة العربية مكتوبة مسموعة؟
    3 ـ كيف حفظ القرآن الكريم اللغة العربية منطوقة ومكتوبة بإذن الله تعالى.

    1) كيف حفظ القرآن الكريم اللغة العربية منطوقة مسموعة ؟
    يتجلى هذا الحفظ في ثلاثة ميادين رئيسة:
    أ ـ حفظ القرآن الكريم مادة اللغة العربية :
    عرفنا أن اللغة العربية بلغت القمة قبل الإسلام وحينما كادت تنزل عنها شاء الله تعالى أن ينزل فيها الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، فمنعها من النزول عن قمتها وارتقى بها إلى رفيع الدرجات وأرحب الآفاق، وكيف حدث هذا؟
    حينما خرج العرب من جزيرتهم احتكوا بغير العرب كما أن الأعاجم الذين دخلوا في دين الله تعالى أفواجا غصت بهم المدن الإسلامية وكثر احتكاك النشء بهؤلاء الأعاجم مما عجل بتسرب اللحن إلى العامة والخاصة في المدن ابتداء بعاصمتي الإسلام الأوليين مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقد ظهر في نهاية القرن الأول الهجري مبدأ تنقية اللغة من اللحن. وكانت البادية سليمة معافاة من اللحن، وكان أي أعرابي في القرن الثاني من الهجرة حكما عدلا في أي خلاف لغوي ينشأ بين العلماء، وفي القرن الثالث الهجري تسرب اللحن إلى البادية وأخذ علماء اللغة الذين حذقوها عن الكتب يتصيدون أخطاء الأعراب.
    وفي القرن الرابع الهجري فسد اللسان العربي كله، وحلت اللغة الفصحى المكتسبة بالتعلم محل اللغة الفصحى بالسليقة وبالفطرة، وكان هذا القرن هو الذي تم فيه تبويب اللغة تبويبا علميا منظما.
    · إن القرآن الكريم هو الذي حفظ اللغة العربية حتى حلت اللغة الفصحى المكتسبة محل اللغة الفصحى بالسليقة، تلكم اللغة الفصحى التي نستعملها حتى يوم الناس هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
    وإن حفظ الله تعالى القرآن الكريم الذي نزل بلسان عربي مبين إلى يوم الدين معناه حفظ اللغة العربية بحفظ الله تعالى لهذا الكتاب العزيز . قال تعالى(16) ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، وبفضله تعالى تم ذلك على النحو التالي :
    · إن عناية المسلمين في فجر الإسلام بالقرآن الكريم ليس عليها من مزيد تلاوة وحفظا وتدبرا وعملا بتعاليمه، وبتعاليم السنة المظهرة المبينة للقرآن الكريم. ولما كان فهم معاني القرآن الكريم أمرا ضروريا بين ترتيل القرآن وحفظه وتدبره، ولما كان القرآن الكريم قد نزل بلغة العرب ووفق طرائقها في التعبير حقيقة ومجازا، لذا كانت العناية بلسان العرب كبيرة من قبل العلماء الذين عنوا بالقرآن الكريم، وفي مقدمة هؤلاء عبد الله بن عباس رضي الله عنهما الذي كان يكثر من الاستشهاد بكلام العرب، وبخاصة الشعر الذي كان ديوان العرب وسجل أمجادها ومفاخرها. ومن هنا كانت العناية بجمع اللغة العربية من مظانها شعرا ونثرا. حتى إذا كان من العلماء الاطمئنان إلى فهم القرآن الكريم أصبح جمع اللغة غاية في ذاته. والحقيقة أن جمع اللغة وترتيبها خدمة للقرآن الكريم كان دائما وأبدا الهدف الحقيقي والأولي الذي لازم كل المؤلفين في مجال اللغة جمعا وترتيبا وتأليفا.
    · وإليك هذا الدليل المتأخر الذي يعود إلى القرن السابع الهجري.
    إن ابن منظور (630ـ711هـ) مؤلف لسان العرب هاله انصراف المسلمين في عصره عن اللغة العربية لغة القرآن الكريم فصنف معجم لسان العرب غيرة على لغة الكتاب العزيز. وإليك بعضا مما جاء في المقدمة: "وأما بعد فإن الله سبحانه وتعالى قد كرم الإنسان وفضله بالنطق على سائر الحيوان، وشرف هذا اللسان العربي بالبيان على كل لسان وكفاه شرفا أنه به نزل القرآن ، وأنه لغة أهل الجنان … وهو المسؤول أن يعاملني فيه بالنية التي جمعته لأجلها، فإنني لم اقصد سوى حفظ أصول هذه اللغة النبوية وضبط فضلها ، إذا عليها مدار أحكام الكتاب العزيز والسنة النبوية، ولأن العالم بغوامضها يعلم ما توافق فيه النية اللسان، ويخالف فيه اللسان النية، وذلك لما رأيته قد غلب في هذا الأوان من اختلاف الألسنة والألوان، وصار النطق بالعربية من المعايب معدودا .
    وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير للغة العربية ، فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون، وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون، وسميته لسان العرب، أرجو من كرم الله تعالى أن يرفع قدر هذا الكتاب وينفع بعلومه الزاخرة، ويصل النفع به بتناقل العلماء له في الدنيا وبنطق أهل الجنة به في الآخرة".
    وأود أن أضرب مثلا من الواقع على حفظ القرآن الكريم للغة العربية في هذا الجانب، في إمكانك أن تلقى نظرة سريعة ـ مثلا ـ على تفسير : جامع البيان في تفسير القرآن، تأليف : الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، المتوفى سنة 310هـ كي تتبين وفرة استشهاده بالشعر الجاهلي والإسلامي.
    إن كل بيت يستشهد به الطبري لشاعر من الشعراء يعني عناية العلماء الفائقة بديوان ذلك الشاعر، وربما العناية بشعر قبيلته، وهل أن يخطر ببال أي شاعر جاهلي أن شعره سيبقى بعده لأكثر من جيل واحد أو جيلين وربما لثلاثة أجيال؟ لا. فكيف والثابت اليوم أن الأدب العربي الإسلامي أقدم الآداب الإنسانية بمقياس الفهم والاستيعاب، وليس المراد القدم الزمني .
    إن الآداب السابقة على الأدب الجاهلي زمنا هي في لغة غير اللغة التي يعبر بها أربابها اليوم أو التي سوف يعبرون بها بعد اليوم، وما لنا نذهب إلى الآداب السابقة زمنا على الأدب الجاهلي ونترك روائع الأمم الأدبية والفكرية التي تعود إلى عهد قريب، وليكن على سبيل المثال شكسبير أشهر شعراء الإنجليز الذي عاش في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين.
    إن للشاعر لغته الخاصة به بحيث إن المتخصصين في أدبه يقولون بسبب سرعة تكور الدلالة في تلك اللغات : ليست الصعوبة مع شكسبير تكمن في استعماله ألفاظا غير مستعملة في عصرنا، لأن المعاجم المتخصصة في الشاعر تبين المعنى المراد، ولكن الصعوبة الحقيقية تكمن في الألفاظ التي لا زلنا نستعملها نحن ولكن معناها اليوم مختلف، ونظن أنا نفهمها على حقيقتها، وما السبب الذي جعل تلك اللغات تعرف جيدا موت الألفاظ والتطور السريع للدلالة؟ السبب هو عدم ارتباط أي لغة بكتاب، مقدس، بما في ذلك اللغة العبرية التي تختلف اليوم اختلافا بينا عنها في لغة العهد القديم. وما السبب الذي جعل الشعر الجاهلي معلوما لنا وربما لأطفالنا؟ لأن لغته العربية هي لغة القرآن الكريم الكتاب العزيز الذي تكفل الله تعالى بحفظه إلى يوم الدين. وفي حف الله تعالى للكتاب العزيز حفظ لكل تراث هذه اللغة وفيه الشعر الجاهلي، أو الأدب الجاهلي.
    وفي إمكانك أيضا وأنت تلقى نظرة سريعة على تفسير الطبري أن تتبين مدى عنايته باللغة وبشرح الغريب من ألفاظ القرآن الكريم، وفي إمكانك أن تتمثل كل من يفسر لفظة في غريب القرآن الكريم وقد عاد إلى أحد المعاجم اللغة العربية كي تتبين أن الطبيعة الاشتقاقية للغة العربية وجهت التأليف في المعاجم وجهات معينة بحيث يبدو في لك ترتيب المواد المعجم العلاقة الأسرية بين الألفاظ المشتقة من أصل لغوي واحد. إن في التعامل مع أي لفظة مشتقة تعاملا ضمنيا مع كل المواد المشتقة من ذلك الأصل اللغوي، وفي فهم معنى اللفظ الواحد فهما ضمنيا لكل مشتقات الأصل الواحد، وإن أقرب مثل يحضرني لتقريب المعنى المقصود المغناطيس وقدرته على جذب كل ما أمكن جذبه من نوع الحديد إليه، إن التعامل مع أي لفظة أي مادة من مواد المعجم بمثابة التعامل بالمغناطيس مع نوع الحديد، وأعني بنوع الحديد هنا سائر الألفاظ المشتقة من الأصل اللغوي الواحد.
    ولا ننسى أن التعامل مع الشطر من البيت يقود إلى التعامل مع البيت فالمقطوعة فالقصيدة فالديوان، وقل الشيء نفسه عن كل لفظة تتعامل معها بشأن سنة المصطفى(ص) المبينة للقرآن الكريم وبشأن كل موضوع تتعامل معه لغويا.
    وما معنى هذا التلاحم المعرفي بين ألفاظ اللغة العربية؟ معناه أن اللغة مستعملة، وأنها حية تلبي كل الاحتياجات ، ومن هنا كانت اللغة العربية لا تكاد تعرف موت الألفاظ الذي يجيده سائر اللغات الإنسانية، هذا إلى قدرة هذ اللغة الشريفة على تلبية كل حاجة ومواكبة كل جديد.
    وهكذا كانت اللغة العربية أغنى لغات الإنسانية ببركة هذا الكتاب العزيز، إنها حية متطورة من ناحية، وإنها لا تكاد تعرف موت الألفاظ من ناحية أخرى ومن ألطف ما يمكن الاستشهاد به دليلا على حياة هذه اللغة أن الألفاظ المرغوب عن استعمالها يكثر دورانها على الألسنة بقصد التحذير من استعمالها‍ إن كل طالب يدرس البلاغة ينبه إلى وجوب تحاشي لفظة مثل الهعخع بزنة هدهد، وهي اسم لضرب من النبت، ومثل لفظة مستشزرات التي جاءت في قول امرئ القيس في معلقته : غدائره مستشزرات إلى العلا
    والمعنى : ذوائب هذا المحبوب مرتفعات إلى أعلى.
    ولا ننسى أن اللغة العربية لبت خلال العصور كل الاحتياجات التي اقتضتها سنة التطور وبخاصة في مجال الترجمة، مما في ذلك ترجمة كتب العلم، ولا ننسى كذلك أن اللغة العربية كانت لغة العلم في العالمين العربي والإسلامي كله، الذين يتكلمون اللغة العربية والذين لا يتكلمون اللغة العربية، وبذلك قامت اللغة العربية بالدور العالمي ربما لأول مرة في تاريخ اللغات، بنجاح منقطع النظير. وإذا كانت اللغة العربية قامت في الماضي وفي ظل الظروف الصعبة آنذاك بالدور العالمي، فما أحراها أن نقوم بهذا الدور اليوم في ظل الوسائل السهلة الميسرة، وإن القرآن الكريم الذي حفظ اللغة العربية قديما هو الذي يحفظها اليوم وسيحفظها غدا بإذن الله تعالى.
    · وهكذا حفظ القرآن الكريم مادة اللغة العربية من ناحية المفردات والصيغ، مظهرا من مظاهر حفظه لهذه اللغة الشريفة من زاوية كونها منطوقة مسموعة، ويبقى وراء ذلك جانبان اثنان هما حفظ القرآن مخارج حروف اللغة العربية، وحفظ القرآن الكريم تراكيب اللغة العربية، وإن كلا من هذين الجانبين بحاجة إلى أن نقف عنده ونبين أبعاد حفظ القرآن الكريم له.

    ب ـ حفظ القرآن الكريم مخارج حروف اللغة العربية :
    فيما يتصل بحفظ القرآن الكريم مخارج أصوات الأبجدية العربية أو مخارج حروفها سبق أن ألمحنا إلى أن اللغة العربية نهضت بحروف الأبجدية السامية نهضة عظيمة، وحافظت على سائر حروفها في الوقت الذي تخلت فيه سائر اللغات السامية عن بعض الحروف ، ونعتقد أن من أسباب نهوض اللغة العربية بحروف الأبجدية السامية انعزال العرب الطويل في جزيرتهم، وكونهم أرباب الفصاحة وأئمة البيان، واعتمادهم على الإنشاء واستعمال الأذن وحاسة السمع بأكثر من القراءة واستعمال العين وحاسة البصر، وربما كان لطيفا أن نشير إلى أن اللغات السامية رتبت حروفها في هذه الكلمات الست: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت، وأن اللغة العربية تزيد بهذه الحروف التي تسمى بالروادف والتي تجمعها هاتان الكلمتان ثند ضظع، وأن الترتيب الحالي لحروف الهجاء العربية: ا، ب، ت، ث، .. الخ إنما قام به نصر بن عاصم الليثي التابعي الذي مات بالصرة سنة 89هـ ـ 708م(18) وربما كان لطيفا أيضا أن نشير إلى أن أحد عشر حرفا من الأبجدية العربية ليس لها مقابل في الأبجديات الأوروبية.

    فكيف حفظ القرآن الكريم مخارج حروف الأبجدية العربية؟
    * من المعروف أن التلقي المباشر عن الشيخ أهم شروط تلاوة القرآن الكريم، وإن من الطف ما يمكن أن يشار إليه في هذا الصدد أن أبا حيان صاحب تفسير البحر المحيط يقرر أن سلسلة الرواة بينه وبين المصطفى(ص) برواية ورش ثلاثة عشر رجلا وبينه وبين المصطفى(ص) برواية عاصم اثنا عشر رجلا. علما بأنه رحمه الله رحمة واسعة، ولد بالأندلس في سنة 654هـ، وتوفي بالقاهرة سنة 754هـ. ويعلق رحمه الله على إسناد رواية ورش(20)" ومثل هذا الإسناد عزيز الوجود بيني وبين رسول الله (ص) ثلاثة عشر رجلا. وهذا من أعلى الأسانيد التي وقعت لي" ويضيف قائلا بشأن رواية عاصم(21) : "وقد وقع لي في بعض القراءات أن بيني وبين رسول الله (ص) اثني عشر رجلا، وذلك في قراءة عاصم … وهو إسناد أعلى ما وقع لأمثالنا".
    ولماذا يشترط تلقي القرآن الكريم مباشرة عن الشيخ؟
    لأن القرآن الكريم لا تصح قراءته إلا مجودا، والتجويد يقوم على دعامتين اثنتين، إتقان نطق الحروف وإحسان معرفة الوقوف، ولا يتم شيء من ذلك ولا يتحقق إلا عن طريق التلقي المباشر عن الشيخ. وهكذا حفظ القرآن الكريم مخرج الحروف الهجاء العربية، وفي هذه اللحظة في إمكانك أن تتمثل الكرة الأرضية، وقد وصل الإسلام بفضل الله تعالى منها حيث وصل الليل والنهار، وقد انكب السملمون زرافات أو وحدانا على تجويد القرآن الكريم عن طريق إتقان مخارج الحروف وإحسان معرفة الوقوف وأعني بالوقوف معرفة الوقف والابتداء.
    وإن من أكبر نعم الله تعالى على الإنسانية اختراع أجهزة التسجيل، بحث إن الواحد يستطيع أن يصغي لتلاوة القرآن الكريم في أي وقت شاء بصوت من أحب مشاهير القراء، أجزل الله تعالى لهم المثوبة.
    إن القرآن الكريم بنزوله حفظ مخارج حروف أبجدية العربية وضمن لها الخلود لأن الله تعالى تكفل بحفظ هذه الكتاب العزيز إلى يوم الدين. وفي حفظ الله تعالى الكتاب العزيز حفظ لمخارج حروف الأبجدية العربية عن أي تغيير أو تبديل . وإن هذا الثبات في مخارج الحروف تعرفه اللغة العربية وحدها لأنها اللغة الشريفة التي أصطفاها الله تعالى بإنزال آخر كتبه أشرفها فيها.
    وسبق أن المحنا إلى أن اشترط تلقي التلميذ عن شيخه كي يجيز للتدريس والنقل عنه بعد اطمئنانه إلى صحة تلقيه وأدائه قد انسحب على سنة المصطفى(ص) وعلى كل فروع العلم ولا يخفى ما في التلقي المباشر عن الشيخ من ضمان صحة التلقي والأداء.
    ولهذا كانت هذه الدرجة أرفع الدرجات تلقي العلم في حين يأتي في آخر درجات التلقي تلقى طالب العلم عن الكتب التي يجدها أو الصحف، وتسمى هذه الطريقة المتأخرة الوجادة؛ بكسر الواو، ويسمى صاحبها الصحفي والجمع صّحفيون بضم الضاد والحاء فيهما(22).

    ج ـ حفظ القرآن الكريم تركيب اللغة العربية :
    لو أن سؤالا طرح على أي أمة من أمم الأرض : هل هناك من أمة ولد لديها علم من العلوم المتعلقة بلغتها وأدبها كاملا بحيث إن القرون التالية لا تضيف إليه شيئا جديدا ذا بال؟
    لكان الجواب بالنفي. أما لغة القرآن الكريم فإنه تفخر بأن عندها ذلك العلم الذي ولد كاملا، بحيث إن القرون التالية لم تكد تضيف إليه جديدا وربما أكثر من علم وأعنى في المقام الأول علم النحو الذي ولد كاملا في أول كتاب شامل لقواعده، وذلك في المؤلف الذي أطلق عليه الكتاب والذي وضعه إمام النحاة الخليل بن أحمد الفراهيدي 100 ـ 170هـ، الذي ولد ومات بالبصرة والذي يعد بحق إمام العربية(23).
    · وكيف تسنى لعلم النحو أو علم قواعد اللغة العربية مثلا ـ أن يولد كاملا؟ وكيف تسنى لهذه العجيبة أن تتحقق؟ تسنى لعلم النحو أن يولد كاملا بسبب ثبات حفظ الله تعالى كتابه العزيز إلى يوم الدين، ذلك الكتاب العزيز الذي كان المنبع الأول الذي استقى منه علم النحو قواعده،وفي حفظ الله تعالى الكتاب العزيز من أي تحريف حفظ لعلم النحو وثبات لقواعد اللغة العربية، ليس فقط حتى يوم الناس هذا وإنما حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
    إن علم النحو إنما وضعت مبادئه أساسا من أجل طرد اللحن عن القرآن الكريم، ولما كان القرآن الكريم قد نزل وفق طرائق العرب في تعبيرها شعرا ونثرا، ولما كان المصطفى (ص) الرسول العربي قد أوحى الله تعالى إليه السنة المطهرة. كما أوحى القرآن الكريم، فقد كان الحديث النبوي الشريف بلسان عربي كما كان القرآن الكريم، وإن علم النحو أو علم قواعد اللغة العربية إنما استقي من القرآن الكريم وحديث المصطفى(ص) والتراث العربي. وبسبب ثبات المصدر الأول أعني القرآن الكريم ثبتت السنة المطهرة وثبت التراث إلى يوم الناس هذا، وإلى يوم الدين بإذن الله تعالى.
    ولما كان وضع النحو في كتاب سيبويه شاملا وكان الثبات من سمات النبع الذي استقى علم النحو منه مادته كان الثبات من سمات قواعد علم النحو أو قواعد اللغة العربية، ومن هنا صح القول بل تأكد بأن علم النحو ولد كاملا وأن اللغة العربية وحدها تعرف ولادة العلم الكامل. وإن ما قيل عن النحو يقال عن علم العروض، فبسبب ثبات القوالب الصوتية أو البحور الشعرية إلى يوم الناس هذا وإلى يوم الدين بإذن الله تعالى تأكد القول السابق وثبت الجواب بالإيجاب على السؤال المطروح.
    وهكذا يتبين حفظ هذا الكتاب العزيز تراكيب اللغة العربية ، ليس فقط إلى يوم الناس هذا، بل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها بإذنه جل وعلا.


    2 ـ كيف حفظ القرآن الكريم اللغة العربية مكتوبة مسموعة؟
    نزل القرآن الكريم على النبي الأمي مفرقا حسب الحوادث ومقتضيات الأحوال خلال ثلاث وعشرين سنة، وقد تعاون كل من الصدر والسطر، الاستظهار عن ظهر القلب والكتابة على حفظه ، جاء بشأن حفظ القرآن الكريم في الصدر قوله تعالى خطابا للمصطفى(ص) وتطمينا له عليه الصلاة والسلام بتثيبت القرآن الكريم في صدره ، في سورة القيامة(25): (لا تحرك به لسانك لتعجل به . إن علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه، ثم إن علينا بيانه)، وجاء في سورة العنكبوت (26) قوله تعالى : (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لأرتاب المبطلون، بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون).
    وكان كلما نزل علىالمصطفى (ص) شيء من القرآن أمر واحد من كتبة الوحي بتدوين ما أوحى الله تعالى به إليه ووضعه في مكانه من المصحف بناء على توجيه جبريل عليه السلام عن رب العزة، وكان للنبي (ص) زهاء أربعين كاتبا، وكان القرآن الكريم يكتب في ضوء الحديث الصحيح: أنزل القرآن على سبعة أحرف(27) ويرجح أن المراد بالسبعة الكثرة وليس العدد ذاته، كما يرجح أن المراد بالحديث التنبيه إلى إرادة الله تعالى اليسر بعباده لا العسر استجابة لدعوى المصطفى(ص) ربه أن يخفف على أمته التي لا تستطيع أن تقرأ القرآن على حرف واحد: " فقال رسول الله (ص) لجبريل : إني بعثت إلى أمة أميين فيهم الشيخ الفاني، والعجوز الكبيرة ، والغلام . قال : فمرهم فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف. قال الترمذي : حسن صحيح". وفي لفظ : فمن قرأ بحرف منها فهو كما قرأ. وفي لفظ حذيفة بن اليمان فقلت يا جبريل : إني أرسلت إلى أمة أمية، الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفاني الذي لم يقرأ كتابا قط. قال : إن القرآن أنزل على سبعة أحرف(28) وكان ما يكتب من القرآن يجمع في بيت المصطفى(ص) ولم يكن في الإمكان القرآن جمع القرآن بين دفتي مصحف لأن القرآن الكريم كان ينزل عليه (ص) حتى قبيل وفاته . وتنوفي (ص) والقرآن الكريم غير مجموع بين دفتي مصحف، ولكنه كان كتوبا كله، وولي أبوبكر الخلافة ، واشتد القتل في الحفاظ القرآن الكريم، يوم اليمامة، خشي عمر رضي الله عنه أن يضيع شيء القرآن الكريم بموت الحفاظ فاقترح على أبي بكر جمع القرآن الكريم بين دفتي المصحف، وشرح الله تعالى صدر أبكر لذلك فكلف زيد بن ثابت الأنصاري بجمع القرآن الكريم لأن زيدا أحد الحفاظ وأحد كتبة الوحي وصاحب لعرضة الأخيرة للقرآن الكريم على المصطفى(ص)، وتعاون زيد وعمر رضي الله عنهما على جمع القرآن وتم لهما ذلك خلال عام واحد ، ولما كان فتح اليمامة وقتل مسيلمة الكذاب سنة اثنتي عشرة للهجة(29) فذلك معناه أن جمع القرآن الكريم تم سنة اثنتي عشرة للهجرة .
    ولم يكن زيد وعمر يدونان شيئا من القرآن الكريم إلا بعد أن يشهد شاهدان بأن ما جاءا به من قرآن مكتوب دون بين يدي المصطفى (ص). وكان هذا الجمع في عهد أبي بكر رضي الله عنه على السبعة الأحرف المذكورة ، وحينما جاء النشء الجديد الذي لم يعرف الحكمة من الأحرف السبعة والذي أخذ بفضل قراءة على أخرى رغم أنها كلها من المتواتر تم في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه لجنة رباعية يرأسها الأنصاري الخزرجي زيد بن ثابت كاتب الوحي. أما أعضاؤها الثلاثة الباقون ، فقرشيون وهم : عبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام(30)، واختلفوا في عدة المصاحف التي أرسل بها عثمان إلى الآفاق فالمشهور أنها خمسة، وحبس بالمدينة واحدا(31) وأمسك لنفسه مصحفا الذي يقال له الإمام(32)، وأمر عثمان رضي الله عنه بما سوى المصحف الذي استكتبه والمصاحف التي نقلت منه وسوى المصحف التي كانت عند حفصة وردها إليها أن يحرق(33)وتم ذلك الحرف بفضل الل

      الوقت/التاريخ الآن هو السبت ديسمبر 10, 2016 3:22 pm