منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    اللغة العربية .. بين القواعد والنصوص

    شاطر

    غيث الشريف

    عدد المساهمات : 6
    نقاط : 18
    تاريخ التسجيل : 12/03/2010

    اللغة العربية .. بين القواعد والنصوص

    مُساهمة  غيث الشريف في الجمعة مارس 12, 2010 11:28 am

    اللغة العربية .. بين القواعد والنصوص




    بقلم : أ. د. محمد رجب البيومي
    عميد كلية اللغة العربية بالمنصورة ـ جامعة الأزهر.



    · غلبة العامية في المجتمع، ضعف المعلم، رتابة المنهج، قلة الحصص المتاحة، كل هذه أدت إلى ضعف اللغة عند الطلاب.
    · صقل الملكة عند التلميذ بالنصوص الأدبية المختارة مقدم على تعليمه قواعد النحو والبلاغة.
    · زعماء مدرسة البعث الأدبي لم يهتموا بالقواعد اهتمامهم بالإبداع.
    · فحول الشعراء من المعاصرين انكبوا على حفظ ودراسة أجود الشعر والنصوص.



    عقدت مؤتمرات علمية كثيرة لمناقشة أسباب الضعف الطارئ في مستوى المتخرجين من كليات الجامعة بالنسبة للغة العربية لأن الكثرة من هؤلاء لا يحسنون النطق الصحيح فضلا عن التعبير الجيد، ودروس اللغة تحتل مكانا طيبا بين المقررات المدرسية، وتتضاعف أهمية هذه المشكلة بمرور الزمن، لأن كل جيل تخرجه الجامعات في أثر الدول العربية يكون أضعف مما سبقه، فإذا كان أبناء الجيل الماضي يخطئون فهم يجمعون بين الخطأ والصواب، أما أبناء هذا الجيل فلا تكاد تجد إصابة ما فيما يكتبون وينطقون إلا من تهيأت له ظروف خاصة بحكم البيئة والملابسات الذاتية، وقليل ما هم، وكان المنتظر مع تقدم وسائل الثقافة من نشر وتعليم وإذاعة وصحافة أن يكون التدرج من الأسفل إلى الأعلى لا كما نرى الآن، حتى أصبحنا نتأكد أن المنحدر قريب!



    وفي هذه المؤتمرات التي أشرت إليها قلبت المشكلة على شتى وجوهها وعرضت أسباب كثيرة لهذا الإخفاق الكريه، ومن بينها قلة العدد الكافي في تحصيل اللغة إذ أن الحصص المقررة لا تصل بالطالب إلى حسن التحصيل ، ومنها ضعف المدرس نفسه، لأنه خرج إلى الميدان دون سلاح يحميه، ومنها غلبة العامية في المجتمع العربي، غلبة جعلتها تسيطر على الحديث المتصل بين العلماء أنفسهم، فأكثرهم يتناقش في المسائل العلمية باللغة العامية، ومن يلتزم العلمية باللغة الفصحى يكون مجال التندر الطريف، ولا نكاد نعرف من الأدباء من كان يلزم الدقة في حديثه المتبادل غير الدكتور طه حسين، والأستاذ علي الجارم، وهما يمثلان الجيل الماضي لا الحاضر، بل عن أساتذة اللغة العربية أنفسهم يدرسون فروعها المختلفة من نحو وبلاغة ونصوص باللغة العامية، ولمدرسي المواد الأخرى العذر كل العذر حين يهملون العربية في مواد التاريخ والجغرافيا والاجتماع وغيرها، مادام أساتذة الفصحى لا يملكون أن يعبروا عن مقرراتهم بلغتهم التي كانت همهم الأول في سنوات التخصص، أو صبحت كل شيء في محيطهم العلمي ، فالوضع إذن حرج، ولا بد من علاج.

    باحث غيور :
    كان الأستاذ الكبير الشيخ عرفة عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، وأستاذ أساتذة تخصص المادة بكلية اللغة العربية أحد الذين أفردوا كتابا خاصا بالطريقة الصحيحة لتعليم اللغة العربية في المدارس والكليات وصادف كتابه الهادف تقدير الكبار من ذوي الرأي، فأفردت له مجلة المجمع العلمي بدمشق مكانا فسيحا للتحليل والعرض، وقام الأستاذ الكبير عبد القادر المغربي نائب رئيس المجمع حينئذ بتلخيص فصوله العشرة، ليلم به من القراء من لا يستطيع أن يحصل عليه بالشام، وطبيعي أن يبحث الكتاب في مسائل شتى تدور حول الضعف الواضح في تعليم اللغة، وتنتهي إلى علاج حاسم، تؤيده الدلائل والحجج، ويهمني في هذا المجال أن ألخص الفكرة النهائية التي هدت إليها مقدمات البحث الطويل، ورآها المؤلف الكبير جوهر الإصلاح لا سيما وقد مر على صدور هذا الكتاب القيم أكثر من نصف قرن، ما مضى الجيل الذي قرأه واستوعبه وخلف من بعده جيل لا يريد أن يقرأ، وإذا شاء القراءة قصد مجلات التسلية وكتب الإغراء الهابط، ونشهد أن الغذاء الدسم في المجلات الرصينة والكتب الهادفة وافر وكثير، ولكن الإعراض عنه مشاهد ملحوظ.
    · إن أكبر آفة قاتلة تحدث عنها الأستاذ محمد عرفة هي الاهتمام بالقواعد لا بالنصوص الأدبية، لأن التلميذ الصغير في القسم الابتدائي فالإعدادي فالثانوي يفاجأ بما لا يقدر على تصوره من تعريفات الفاعل والمفعول والحال والتمييز،والأمثلة المختلفة لأحوال النصب والرفع والجر، وثبوت حروف العلة وحذفها، وفي كل عام تتراكم هذه القواعد، وتتضخم بالزيادات والتفريعات،ويضاف إليها ما يدير الذهن من بلايا التصغير والتكسير والقلب والإعلال والإبدال ، فإذا جاء درس المطالعة أو درس النصوص تحول إلى تطبيق لقواعد النحو والبلاغة دون اهتمام بجودة التعبير، وقوة المعنى، ودقة التصوير، ومن هنا كان درس اللغة العربية ثقيلا كريها للطالب، فهو يحفظه لكي ينساه.
    ولكن هل معنى هذا أن نترك النحو والصرف والبلاغة ما دامت فروعها ذات قواعد؟
    إن الأستاذ عرفة يشير بأن نبدأ في القسم الابتدائي فالإعدادي، بتقديم نصوص أدبية للطالب، نصوص من القصة أو من القصيدة بحيث يتناسب كل نص مع الدرجة العلمية للتميذ، وبحيث تكون الأغراض والمعاني مما ترحب به نفس التلميذ وتشتهيه فهي تلمس مجال تفكيره، وموضع الإحساس من نفسه، وتروي ظمأ يتطلع إلى غروائه ، فإذا كثرة النصوص الأدبية الراقية في المرحلتين الأوليين كونت لدى التلميذ ملكة أدبية قبل أن يعرف القواعد العلمية في فروع اللغة العربية، وأصبحت هذه الملكة دافعة للتلميذ كي يقرا النصوص الأخرى ويستشعر لذة الاطلاع، وهو بهذا كله يألف التعبير الصحيح، ويلمس بحاسته الأدبية موضع الشذوذ في النطق وإن لم يدرك المدلول النحوي أو الصرفي الدال عليه، ويجب أن تختار للتلاميذ قصص مشوقة طويلة يقرؤونها في تسلسل فيستشعرون لذة الفن القصصي كما يجب أن ننأى في هاتين المرحلتين عن نصوص الأدب الجاهلي الغامضة، وما يشبهها من نصوص التراث في مختلف عصوره، فإذا انتقل الطالب إلى المرحلة الثانوية، بدأ يأخذ القواعد تدريجيا في طلال نصوص مكتملة . لا في جداول شبيهة بجداول الجبر والحساب، على أن تكون قراءة النص ذات أهمية بحيث تشغل النصف الأول من الحصة، حتى يتشبع الطالب بما يتضمن من معنى وصورة، وتأتي القاعدة أخيرا، بعد أن حدد المعنى المؤتلف في ذهن الطالب ما يقرره الاصطلاح العلمي من فاعلية أو خبرية، وسيهتدي الطالب إلى معرفة الاصطلاح بأدنى جهد،لأن طريق النص معبد ذلول، أما أن نبدأ بالقواعد الجافة دون تهيئة الملكة الأدبية فهذا ما يعصف لكل جهد، وهذا ما يجعل الإخفاق مرتقب الوقوع.
    يقول الأستاذ محمد عرفة :
    "إني لأعجب كيف تخفق مدارسنا، وتخفق الأجيال قبلها في تعليم هذه اللغة مع العناية والجهد، أينجح الحائك في تعليم الحياكة، والبناء في تعليم البناء، والنجار في تعليم النجارة، ويخيب رجل العلم والتربية في تعليم اللغة العربي؟ سر نجاح أولئك في المرانة والتكرار، حتى يكسبوا الصنعة وسر خيبة هؤلاء في الاعتماد على القواعد، وترك الحفظ والمرانة والتكرار.
    لو علم الحائك تلميذه بطريق القواعد فحسب، وظل طول عمره يقول له: شد الخيط طويلا، واسلك معه الخيوط عرضا ليتكون منها سدى ولحمة، ولم يأخذه بأعمال الحياكة الكثيرة، وتكرارها والمرانة عليها، لخاب في التعليم ولم يكسبه الحياكة. ولو أخذ عالم العربية بطريق المرانة والتكرار والحفظ، فحفظ تلاميذه أساليب العربية البليغة، ومثلها الرائعة مما يعتاد في الخطاب وأخذهم بالنسج على منوالها في الحديث والخطابة والكتابة لنجح في تعليمه : هذا العامي (الحائك) يعلم أن قواعد الصنعة لا تعطى الصنعة، ولا يعطيها إلا تمرين المتعلم وأخذه بنماذج كثيرة وتكرير ذلك حتى يتقنها ، وذلك العالم أغفل هذه الحقيقة ، وظن أن قواعد اللغة تكسب اللغة، وقواعد البلاغة تكسب البلاغة، فظل يبدأ فيها ويعيد ويكرر ويكثر من التكرار. هذا لباب ما أرتأه الأستاذ الكبير ، هو جدير بالالتفات والتحبيذ".


    قواعد البلاغة :
    لم يكن الأستاذ عرفة وحده هو الذي شكك في صلاحية القواعد دون تهيئة الملكة، فقد آزره سواه من ذوي البصر الحاذق، بل سبقه غيره من أعلام البيان العربي المعاصر ومنهم الأدبيان الجهيران الأستاذان عبد العزيز البشري،وأحمد حسن الزيات، ومكانهما في الإبداع الفني، أظهر من أن ندل عليهن فماذا قال الأستاذان ؟
    أما الأستاذ عبد العزيز البشري فقد كتب بحثا بارعا تحت عنوان (في علوم البلاغة) أنكر فيه أن تكون معرفة القواعد البلاغية وسيلة للبراعة في الأدب ، والرقى في الأسلوب، وعلى طريقة البشرية بدأ يتساءل(1): ما دامت للبلاغة علوم مقررة، ومعارف واضحة، وقواعد مفصلة مقسومة، فقد أصبح من السهل اليسير على من يجيد علمها، ويحذق فهمها أن يجئ بالبليغ من القول ن إذا نظم أو نثر ، بل لتهيأ له أن يجئ بأبلغ الكلام، بل بما ينتهي منه إلى حدود الاعجاز، وما له لا يصنع؟ وقواعد البلاغة تشير بأوضح الإشارة إليه، وتدل بأفصح العبارة عليه؟
    ولكن الواقع ، الواقع القاسي، يأبى مع الأسف إلا أن يزعجني عن الاستراحة إلى هذا الفكر القويم، والمنطق السليم، فهؤلاء متقدمو الطلاب الذين درسوا علوم البلاغة في أفحل كتبها المقسومة وأعلاها مكانا، لاحظ لأكثرهم في فصاحة ولا بيان،وهؤلاء أشياخهم الذين استهلكوا الدهر الأطول في درس هذه الكتب، وتحقيق قضاياها ومسائلها، حتى فروا أبوابها فريا، وبروا فصولها بريا، هؤلاء كثير منهم لا غناء لهم في فصاحة بيان، ولا قوة لسان!!
    ومضى الكاتب يستدل بزميل له قضى عمره الأطول في دراسة قواعد البلاغة في كتبها المتداولة ثم عنَّ له أن ينظم قصيدة في غرض يشغله فجاء بالركيك المضحك، واستشهد البشري ببعض ما قال مما ينحدر بقائله إلى الحضيض، ليعلن في النهاية أن القواعد وحدها تسيء ولا تحسن، وتضعف ولا تسمن.
    مثال آخر :
    أما الأستاذ الزيات فقد شن النكير على كتب القواعد بلاغة ونحوا ، وله في كتاب (في أصول الأدب) بحوث تتخذ هذه العناوين ، آفة اللغة هذا النحو، أول درس ألقيته تجاربي في تدريس اللغة العربية، وقد قال في البحث الأخير :
    " من الحق أنك لا تجد أجف من القواعد العربية، فوجهها عديدة ومناحيها بعيدة، ومسائلها معقدة،ومسالكها ملتوية، لا تساعد على وحدة النطق، ولا تعين على صحة الأسلوب، ولا تزال عليها مسحة من الخشونة واقدمن وقد توفر على هذه القواعد الواهنة جماعة من المعلمين ضعفت سلائقهم في الأدب، فجعلوها بضاعتهم، وحذقوها على أنها علم قائم بنفسه، وغاية مقصودة لذاتها وحشوا بها أذهان الطلبة على قدم أمثلتها، وعدم التمرين على استعمالها، وجردوها تجريد العظام المبتورة، ووضعوها في أشكال الجداول الرياضية، وأكرهوا النفوس الشابة على استظهارها دون علم بحقيقتها، أو اقتناع بضرورتها، فلم يكن لهم بد من جهلهم بها، واستثقالهم لها".



    الدليل الملزم :
    لقد ثرت في الآونة الأخيرة الدراسات الشعرية الخاصة بأعلام الشعر المعاصر مثل البارودي وشوقي ومطران وحافظ! وهؤلاء هم رواد الشعر، وزعماء ما يسمى في التاريخ الأدبي بمدرسة البعث بالنسبة إلى غير مطران، فإنه من طلائع مدرسة التجديد، هؤلاء الذين جاءوا بأعذب آيات البلاغة وأبدع ما يتحدر عن خاطر متوثب، وطبع فياض، هل تعمقوا قواعد اللغة حتى صاروا من أساتذتها ، أم أنهم اكتفوا بالضروري الأولى الذي لا يعدو كتب المرحلة الأولى، ثم تفرعوا إلى دراسة النصوص الشعرية في دواوين الكبار من أئمة الشعر العربي في أزهى عصوره! هذا مع الموهبة التي لا تنكر، والطبع الذي لا يجحد، لقد اعترف شوقي أنه انتهز منفاه بالأندلس فأكب على دراسة دواوين الفحول، وروى من روائعهم ما قفز بشعره إلى الأمد الفسيح، وكانت لحافظ مجالس للرواية الشعرية ، حيث هو راويه يجمع في ذهنه خلاصة ما قاله أمراء الشعر العباسي من أمثال أبي تمام والبحتري والمتنبي والشريف فكان يتباهى بمحفوظه، كما يتباهى بمنظومه أما البارودي فقد جمع مختاراته الشعرية في أربعة أجزاء كبار، وهي مختارات فاقت كل ما سبق به جامعوا القصائد من لدن المفضل والأصمعي وأبي تمام والبحتري وأبي زيد القرشي وغيرهم، وما نبالغ ، فمختارات البارودي بأيدينا تنطق بأصدق لسان ومطران مع سبقه التجديدي قد ألم إلماما دقيقا بذخائر اشعر العربي في شتى عصوره، ورصانته القوية، وطول نفسه الممتد لم ينشا من فراغ، أفبعد نبوغ هؤلاء عن طريق النص الأدبي الشامل، نجد من يشك لحظة في أن القواعد وحدها، تؤخر ولا تقدم، وتضر ولا تفيد، فلا بد من النص الدال الشاهد المتصل، وإذا كان القدماء يكتفون بالنص الشعري ، فنحن اليوم نجد إلى جواره القصص الرائع بإيحائه وتصويره وتشويقه وجاذبيته فلنختر من هذه القصص للطلاب ثمار ذوي الملكات البيانية الرائعة، كما نرى في على هامش السيرة لطه حسين، وزنوبيا لمحمد فريد أبو حديد، وهاتف من الأندلس لعلي الجارم، هذا إلى مترجمات المنفلوطي والزيات ومحمد عوض محمد وعبد الرحمن صدقي،وكلهم في مجاله المختلف أديب مبين.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 07, 2016 7:22 am