منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    الصلة بين اللهجات العامية وبين اللغة الفصحى

    شاطر

    غيث الشريف

    عدد المساهمات : 6
    نقاط : 18
    تاريخ التسجيل : 12/03/2010

    الصلة بين اللهجات العامية وبين اللغة الفصحى

    مُساهمة  غيث الشريف في الجمعة مارس 12, 2010 11:30 am

    الصلة بين اللهجات العامية وبين اللغة الفصحى

    بقلم الأستاذ المؤرخ حمد الجاسر

    · تخير وانتقاء الأصلح من اللهجات ضرورة تفرضها حركة تطور اللغة.

    · عدم تغلغل النفوذ الأجنبي في أنحاء الجزيرة العربية جعلها أصفى لهجة.



    لاشك أن لهجات سكان الجزيرة العربية تضرب بجذور عميقة لأصول اللهجة الفصحى الأم، لغة القرآن الكريم، ولهذا فإن العناية بتلك اللهجات مما تقوى به اللغة الفصحى، وتنتشر وتتغلب على غيرها من اللهجات الأعجمية التي وفدت إلى هذه الجزيرة مع من وفد إليها من مختلف الأجناس التي تمت بأصولها إلى جذور غير عربية.
    ومن هنا فإن من أولى الأمور للحفاظ على اللغة العربية العناية بلهجاتها عناية يراد منها انتقاء الصالح القريب إلى الفصحى وتعميمه في الاستعمال في جميع الوسائل من صحافة وإذاعة مسموعة أو مرئية.
    وقد كان هذا الأمر من أولى ما اتجه إليه (مجمع اللغة العربية في القاهرة) حيث خصص لدراسة اللهجات إحدى لجانه مراعيا في إنشائها الصلة العميقة بين ما أسند إليها من أعمال وبين الغاية التي أنشئ المجمع من أجلها، وهي الحفاظ على اللغة العربية، والعمل بمختلف الوسائل لتبقى حية مسايرة للعصر في متطلباته مع الحفاظ على أوصلها وقواعدها.
    ومن المدرك بداهة أنه كلما قربت اللهجة من الفصحى كانت أولى وأجدر بالدراسة والاحياء، وأن لهجات سكان الجزيرة هي أقربها لعدم تغلغل النفوذ الأجنبي بين سكانها تغلغلا يؤثر في لغتهم وكل ما بعد قطر من أقطارها عن ذلك النفوذ كان أصفى لهجة وأقرب إلى الفصحى.
    ولهذا كان سكان جنوب الجزيرة، اليمن وما اتصل به من بلاد حضر موت وسروات الحجاز من الطائف إلى سراة بني سعد، فسراة بني الحارث، فسروات بلاد زهران وغامد وخثعم وبلقرن والحَجْر وعَنْز إلى بلاد قحطان المعروفة قديما بـ (مذحج) فما اتصل بهذه السراة من الأودية كنجران وحبونن إلى رمال صيهد (الربع الخالي) حيث تنتشر في هذه الجهة قبائل الصيعر ومهرة ومن دونهم بني مرة من يام وغيرهم، هذه البلاد لبعد سكانها عن الاختلاط بالأعاجم، وانحرافها عن طرق التجارة أو العبادة وبعدها عن محاولة تغلغل نفوذ السيطرة بالقوة، هذه المناطق هي أصفى لغة وأبعد عن تأثير العجمة في كلام أهلها، وكل ما بعدت البلاد عن الاتصال الأعجمي كانت أكثر صفاء وأفصح لهجة، وبقربها منه تتأثر لغتها، كما حدث لجوانب من الجزيرة كانت موالية للفرس أو الروم أو الأحباش منذ عصور قديمة.
    وقد أوضح علماء اللغة ذلك فنقل السيوطي في كتاب "المزهر" ج1/211 عن الفارابي قوله والذين عنهم نقلت اللغة وبهم اقتدي وعنهم أخذ اللسان العربي من بين قبائل العرب هم : قيس وتميم وأسد، فإن هؤلاء الذين عنهم أثر ما أخذوا معظمه، وعليهم اتكل في الغريب وفي الإعراب والتصريف، ثم هذيل وبعض كنانة، وبعض الطائيين، ثم ذكر القبائل التي لم تؤخذ عنها اللغة وعلل ذلك بمخالطتهم للأعاجم وقد أورد عمارة بن علي اليمني المتوفى سنة 569هـ، في كتابه "المفيد في أخبار صنعاء وزبيد" ص 124 في الكلام على الزرائب إحدى مدن "المخلاف السليماني منطقة جازان" المجهولة الآن ما نصه : وجبل عكاد فوق مدينة الزرائب وأهلها باقون على اللغة العربية من الجاهلية إلى اليوم ولم تتغير لغتهم بحكم أنه لم يختلطوا قط بأحد من أهل الحاضرة في مناكحة أو مساكنة، وهم أهل قرار لا يظعنون عنه، ولا يخرجون منه، ولقد أذكر أني دخلت زبيد في سنة ثلاثين وخمس مئة أطلب الفقه وأنا يومئذ دون العشرين، فكان الفقهاء في جميع المدارس يتعجبون من كوني لا ألحن بشيء من الكلام، فأقسم الفقيه نصر الله بن سالم الحضرمي بالله القدير لقد قرأ هذا الصبي في النحو قراءة كثيرة، فلما طالت المدة والخلطة بيني وبينه صرت إذا لقيته، يقول : مرحبا بمن حنثت في يميني لأجله!!، ولما زارني والدي وستة من إخواني إلى زبيد أحضرت الفقهاء فتحدثوا معهم، فلا والله ما لحن أحدهم لحنة واحدة أثبتوها عليه. انتهى.
    وتكرر نقل هذا في مؤلفاتي أخرى كـ "معجم البلدان" لياقوت و "تاج العروس" للزبيدي، ولعل الزرائب تلك كانت بعيدة عن طريق الحج، الذي كان يخترق تهامة، ويمر به القادمون من خارج الجزيرة، إذ الأمكنة الواقعة في طرق القوافل معرضة لكي تتأثر لغة أهلها ولهذا فبلاد تهامة ليست لغة سكانها صافية.
    ولقد ألف الصديق الكريم الأستاذ محمد بن أحمد العقيلي كتاب "معجم اللهجة المحلية لمنطقة جازان " ويعد هذا الكتاب من أهم المصادر التي يمكن الرجوع إليها في معرفة لهجة تلك المنطقة، ومدى صلتها باللغة الفصحى، ولقد عبر في هذه الدراسة عن سعة اطلاع وأبدى جهدا مشكورا بحيث تمنى الغير على اللغة الكريمة أن يتصدى الباحثون من أبناء هذه البلاد في كل منطقة لدراسة لهجات أهليها، ومن ثم تنكون بين أيدي الباحثين دراسة متكاملة عن هذا الجانب المهم من جوانب ثقافتنا، والله سبحانه وتعالى هو الموفق.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 04, 2016 3:14 am