منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    من روائع البيان في نظم القرآن

    شاطر

    محمد الجدعاني

    عدد المساهمات : 5
    نقاط : 15
    تاريخ التسجيل : 13/03/2010

    من روائع البيان في نظم القرآن

    مُساهمة  محمد الجدعاني في السبت مارس 13, 2010 6:41 am

    كاتب إسلامي متخصص بالبشارات الدالة على

    النبي صلى الله عليه وسلم محمد في التوراة والإنجيل

    تختلف سور القرآن عن كتب التوراة الحالية في أنها لم ترتب مثلها ترتيبًا تاريخيًّا، تبدأ بقصة خلق الكون ثم خلق الإنسان ثم قصص أبناء آدم ثم الأنبياء وهكذا.. على العكس من ذلك ترتب سور القرآن ترتيبًا موضوعيًّا، فالقرآن ليس كتاب تاريخ، فكل سورة إذاً لها موضوعها.

    * الترتيب الموضوعي للسور ووحدة السورة القرآنية:

    فسورة الفاتحة هي دعاء المسلم الأعظم، وسورة البقرة موضوعها الإيمان والتقوى وأركانها، وسورة آل عمران تكمل موضوع السورة الأخيرة من تضمن قواعد الدين، كذلك تاليتها النساء ( فيما يختص بالنساء ) تعقبها مكملة لها أيضًا سورة المائدة ( فيما يختص بالأطعمة والذبائح )، وسورة الأنعام سورة الجدل مع المشركين، وسورة الأعراف فيها قصة الإنسان منذ خلقه فنزوله الأرض فتعرضه للأنبياء، ثم موته ثم تعرضه لأحداث يوم القيامة، وهكذا، وسورة النحل هي سورة النعمة، وحين تقصر سور القرآن يظل لها موضوع وإن كان صغيرًا فيكون أقرب إلى السمة فمريم سورة الرحمة، والأحزاب هي سورة النبي صلى الله عليه وسلم، وسورة الصافات هي سورة الملائكة، وسورة ص هي سورة الإنابة، وسورة الزمر هي سورة إخلاص العبادة، وسورة غافر هي سورة الدعاء، وفصلت هي سورة القرآن، والشورى هي سورة الوحي والعنكبوت هي سورة الصبر على البلاء، وهكذا..

    * تلخيص السورة القرآنية في بعضها:

    ومن جميل ما يذكر هنا أن تجد موضوع السورة القرآنية ( خاصةً الطويلة ) ملخصًا في آية أو بضع آيات من آياتها – خاصة في بداياتها أو في أواخرها – فسورة الأنعام تجدها ملخصةً في قوله تعالى: { قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } [ الأنعام: 162، 163 ]. إذ أن موضوعها الأصلي هو جدال المشركين، وهي أكثر سورة ذكرت فيها كلمة: { قُلْ } وقد اهتمت بأحكام الذبائح ( النسك )، كما نجد سورة يوسف ملخصة في قوله تعالى: { وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ } [ يوسف: 21 ]. إذ خطط إخوة يوسف له خطة للخلاص منه فيجعل الله منها سبب خيرٍ له كما جاء في أواخرها قوله تعالى: { حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ } [ يوسف: 110 ].

    كذلك نجد سورة الصافات ملخصةً في آخر ما ذكر منها: { سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [ الصافات: 180 – 182 ] , سورة النحل: { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا } [ النحل: 18 ]..

    * الاتجاه المعنوي للسورة القرآنية

    في هذا المجال أيضًا لا يفوتنا الإشارة إلى الاتجاه المعنوي للسورة القرآنية، فسورة الطلاق مثلًا تشعر وكأن السورة قد دخلت في قلب مشاعر المطلق، وسورة النور تجد لها اتجاهًا معنويًّا هادئًا سلسًا (خاصةً آيات النور ) تخالف مشاعر النبي صلى الله عليه وسلم الحزينة على حادث الإفك.

    أما عرض مشاهد القيامة والدار الآخرة فكأنك ترى رأي العين، حسبنا هنا سورة الأعراف، خاصة في قوله تعالى:{ وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ } [الآية: 47 ] ترى كأنما جاءت قوة خارجية لدفع أصحاب الأعراف إلى النظر إلى أصحاب النار بينما كان نظرهم لأهل الجنة باختيارهم.

    * عرض موضوع السورة في بدايتها ونهايتها

    من شيم سور القرآن الكريم في موضوعها – خاصةً بعد مقدمة إيمانية إن كانت السورة طويلة – أن تبدأ في عرض الموضوع ثم تبتعد قليلًا بالخوض في المواضيع الإيمانية الأخرى وقبل نهاية السورة تعود لموضوعها مرة أخرى.

    * الترتيب المعجز للسور

    ترتيب السور خلف بعضها البعض ترتيبٌ معجزٌ، فالسور لم ترتب حسب تاريخ نزول كلٍّ منها، بل هذا ترتيب توقيفي من النبي صلى الله عليه وسلم، فقد نزلت كل فقرة في مناسبة فيما عُرف بأسباب النزول، ويعجب المتدبر حين يجد كل سورة ترتبط بسابقتها خاصةً في أوائلها، وترتبط كذلك بلاحقتها خاصةً في أواخرها كحلق السلسلة الواحدة.

    قد نجد هذه الرابطة مباشرة وواضحة خاصةً في السور القصيرة نسبيًّا وقصار السور، كقوله تعالى في سورة الطور: { وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ } [ الطور: 49 ]، ثم قوله تعالى في أول سورة النجم التي تأتي في الترتيب بعدها مباشرةً: { وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى } [ النجم: 1 ]، فذكر النجم بعد النجوم مناسب تماما. وكذكره تعالى في سورة الفيل: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ } [ الفيل: 1 ]، ثم أول لاحقتها سورة قريش: { لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ } [ قريش: 1 ]، أي أنه تعالى فعل ما فعل بأصحاب الفيل ما فعل إلا لإيلاف قريش، فاللام هنا لام العلة.

    وقد نجد الرابطة بين السور رابطة موضوعية، خاصةً في السور الطويلة، مثل أواخر الزمر وأوائل لاحقتها غافر في ذكر حملة العرش وأحوال الآخرة، وقد نجد هذه الرابطة في سمات المعاني، مثل أواخر سورة هود: { وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ...} [ هود: 120 ]، وأوائل لاحقتها يوسف: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ... } [ يوسف: 3 ]، فالقصص المذكورة في آية سورة يوسف هي أنباء الرسل المذكورة في آية سورة هود وكذكر الغفلة في آخر هود ثم في أوائل يوسف ( الآية 3). وكابتداء بعض السور بالحمد بعد نهاية سابقتها بذكر فصل القضاء ( أحداث الآخرة ) كعادة القرآن في ذكر الحمد بعد فصل القضاء، مثل الأنعام بعد المائدة، ومثل فاطر بعد سبأ.

    كما نجد سمات هذه الرابطة في سمات الألفاظ:

    - مثل قوله تعالى في آخر الفاتحة: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ.. } [ الفاتحة: 6، 7 ]، ثم قوله تعالى في أول لاحقتها البقرة: { الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 1، 2 ]. فالهدى هنا معنى مشترك، كأن القرآن يقول لمن يقرأه: إذا أردت الهدى { اهْدِنَا } فاذهب إلى سورة البقرة: { هُدًى لِلْمُتَّقِينَ } وما بعدها.

    - مثل قوله تعالى في آخر الحجر: { وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ } [ الحجر: 99 ].ثم قوله في أول لاحقتها النحل: { أَتَى أَمْرُ اللَّهِ } [ النحل: 1 ].

    - مثل قوله تعالى في آخر النحل: { وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127) إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ } [ النحل: 127، 128 ]، ثم قوله تعالى في أول لاحقتها الإسراء: { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا..} [ الإسراء: 1 ]. حيث إن علاج ضيق الصدر دائمًا يكون التسبيح، كما في قوله تعالى: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ....} [ الحجر: 97، 98 ].

    - مثل قوله تعالى في آخر الإسراء: { وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا..} [ الإسراء: 111]، ثم قوله تعالى في أول لاحقتها الكهف: { الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ.. } [ الكهف: 1 ]، ثم قوله تعالى: { وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا } [ الكهف: 4 ]. كأنما الحمد الثاني - في الكهف - استجابة للأمر الأول بالحمد - في الإسراء - ثم نقد فكرة اتخاذ الله للولد في الحالتين ( الإسراء والكهف ).

    - ومثل قوله تعالى في آخر طه: { قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا...} [ طه: 35 ].، ثم قوله تعالى في أول لاحقتها الأنبياء: { اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ... } [ الأنبياء: 1 ]، فالتربص يقتضي الاقتراب. وكذكر ألفاظ الإنذار في أواخر فاطر ثم أوائل يس.

    - ومثل قوله تعالى في آخر ص: { إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ } [ص: 87 ]، ثم قوله تعالى في أول لاحقتها الزمر: { تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } [ الزمر: 1 ]. فالكلام في الحالتين عن القرآن الكريم.

    - ومثل قوله تعالى في آخر القمر: { فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ } [ القمر: 55 ]، ثم قوله تعالى في أول لاحقتها الرحمن: { الرَّحْمَنُ } [ الرحمن: 1 ]. فالرحمن هو هذا المليك المقتدر.

    - ومثل قوله تعالى في آخر الواقعة: { فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ } [ الواقعة: 96 ]، ثم قوله تعالى في أول لاحقتها الحديد: { سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [ الحديد: 1 ]. فكأن القرآن يقول: إن لم تسبح أيها الإنسان الضعيف فقد سبح من قبلك ما في السماوات والأرض.

    - ومثل قوله تعالى في آخر البينة: { جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا.. } [ البينة: 8 ]، ثم قوله تعالى في أول لاحقتها الزلزلة: { إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا } [ الزلزلة: 1 ]. فكأن مقتضى الكلام: جزاؤهم العظيم هذا ستبدأ إرهاصاته إذا بدأت أحداث القيامة وزلزلت الأرض زلزالها.

    - ومثل قوله تعالى في آخر الماعون: { وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } [ الماعون: 7 ]، ثم قوله تعالى في أول لاحقتها الكوثر: { إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } [الكوثر: 1 ]. فذكر العطاء مناسب جدًّا بعد ذكر المنع.

    · كذلك نجد السور المتشابهة في الافتتاحيات ترتب خلف بعضها البعض مثل الحواميم – وهي السور التي تبدأ بقوله: { حم } – وهكذا..(1).

    * وإنه لعجيب بعد كل هذا الإعجاز البياني في القرآن في الترتيب أن يقول قائل ( كينيث وود وارد ) في مجلة نيوزويك العدد 87 بتاريخ 12 / 2 / 2002: إن قراءة القرآن كالدخول في جدول ماء، ففي كل آية تقريبًا يمكن للمرء أن يطالعه أمر إلهي، فورة تعبد وصلاة، أو بيان إلهي، أو وصف ليوم القيامة.

    أي أنه يقصد أنه ليس هناك أي تناسق بين القرآن الكريم بعضه البعض، والحق أن مبعث اللبس عند هذا الصحفي أن كتابه المقدس عنده قد رُتِّبَ ترتيبًا تاريخيًّا منذ بدء خلق الأرض ثم النبات ثم الشمس !! – كما يقول سفر التكوين في التوراة – ثم آدم ثم أبنائه على الترتيب.

    فهو إذًا كتاب تاريخ – والحق أن هذا أيضًا لم يكن دقيقًا ولا علميًّا، فإن أول إنسان على الأرض قطعًا أبعد بكثير من خمسة آلاف عام كما تقول التوراة -.

    * إعجاز المناسبة في القرآن الكريم:

    فالقرآن بالدرجة الأولى كتاب هداية..، وقد رُتِّبَ ترتيبًا موضوعيًّا كما أسلفنا مثل لآلئ العقد الواحد.. سورة بعد سورة، وآية بعد آية، بل ولفظ بعد لفظ.

    وهذا علم قديم منذ أبي بكر النيسابوري وابن العربي الذي قال: ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى يكون كالكلمة الواحدة، وكذلك الفخر الرازي والسيوطي والبقاعي الذي أفرد لذلك تفسيرًا كاملًا ( نثر الدرر في تناسب الآيات والسور ) وممن خاضوا في هذا العلم (علم المناسبة ) حديثًا: أبو الأعلى المودودي، وسعيد حوى في تفسيره الأساس حيث يرى مثلًا أن السور السبع اللاحقة بسورة البقرة مفصلة للآيات الأولى فيها، ومنهم كذلك سيد قطب الذي تكلم عن التناسق الفني في القرآن ومنه التسلسل المعنوي بين الأغراض في سياق الآيات والتناسب في الانتقال بين غرض إلى غرض (2).

    * و من إعجاز المناسبة ذكر لفظ معين في سورة معينة بمعدل أعلى من بقية السور:

    كذكر لفظ الجلالة في سورة المجادلة بمعدل أعلى من بقية السور القرآنية، والذي نراه أن السبب هو أن موضوع السورة هو النجوى – ذكرت فيها بمشتقاتها ست عشرة مرة – و النجوى هي الكلام في السر والسر لا يكون على الله عز وجل لأنه تعالى متواجد معنا، فكما تقول آية كريمة في ذات السورة:{.. مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)}

    والسورة القرآنية مع أنها ذات موضوع محدد غالب لكنها لا توجد كالمقالة في جريدة في ذات الموضوع من أولها إلى آخرها، لكنها باستخدام التسلسل المعنوي، إذ ينتقل الذهن من الشيء إلى ما يشبهه وإلى ما يقابله، وبهذا يتمكن القول ومعناه من النفس(3) فحتى لا يمل المستمع تبدأ السورة القرآنية – الطويلة خاصةً – بمقدمة عن القرآن نفسه أو عظمة المولى عز وجل ثم تمهد لموضوع السورة الذي تخوض فيه بعد ذلك ثم بلطفٍ شديد في مواضيع مشابهة أو مقابلة ثم يعود رويدًا إلى موضوع السورة الذي يختم به أو يختم كما بدأ ويمهد خلال تلك الخاتمة للسورة اللاحقة.

    ومن العجيب أن نجد هذه العظمة في ترتيب الآيات والسور مع أن القرآن لم يرتب حسب تاريخ نزول كل آية أو سورة وعلى مدى نيف وعشرين سنة نزل فيها، إذ كان النبي صلى الله عليه وسلم عند نزول كل آية يأمر الصحابة أن يضعوا كل فقرة في موضع يحدده بنفسه صلى الله عليه وسلم كما أسلفنا.

    * الإعجاز في الاختصار وعدم التكرار والحذف والمجاز:

    كذلك نجد من خصائص الإعجاز اللغوي، عدم التكرار والاختصار - أعظم ما يرد في سورة يوسف – فقصة يوسف في القرآن لا نجد فيها التفاصيل التي يهتم بها سفر التكوين في التوراة الحالية كالإسهاب في ذكر تفاصيل سني الجدب ووطأة الجوع وكيف استغل يوسف المجاعة لصالح الملك فجعل الشعب عبيدًا له - حسب زعم التوراة الحالية ! - واهتمت كذلك بعمر يوسف حين تزوج وأسماء زوجه وأولاده وسبب تسمية كل واحد منهم ! سورة يوسف قامت باختصار رائع حين ذكرت تطوع سقَّا الملك بالذهاب إلى يوسف في سجنه لتأويل حلم الملك.. { أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ} [ يوسف: 45 ] فيقول القرآن بعدها مباشرة: { يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ..} [ يوسف: 46 ] فلا ذكر لاستئذانه من الملك وركوبه دابته وطرقه باب السجن ثم دخوله على يوسف، بل لا ذكر حتى لكلمة:" قال سقا الملك:" لأن ذلك مفهوم ضمنًا.

    كما يذخر القرآن بألوان التقديم والتأخير والحذف والمجاز، واختيار لفظ بعينه وغير ذلك مما يحتاج لمجلدات تشرحها، " فترى كل لفظة وقعت موقعها بحسب القياس، وبحسب ما يناسب كل حالة من حالات المخاطبين، فما من موضع مما ذكرنا نلمس فيه مداهنةً أو ليونةً أو تقصيرًا في أي جانب من جوانب القول، قوةً وفخامةً في الألفاظ، ورهبةً وعنفًا في المعاني، لذلك كان الكافرون يرهبون سماعه ويصدون عنه صدودًا "(4).

    * تناسب الألفاظ في القرآن:

    فترى تناسبًا للفظ مع المعنى عجيبًا في التهديد والوعيد – مثل سورة المدثر (11 – 30) والمزمل (11 – 19) وغير ذلك - أو الترغيب – مثل النور (22) والصف ( 10 – 13) – أو العتاب أو غير ذلك، بحيث لا يمكن أن تحل لفظًا مكان آخر مهما صغر الاختلاف، "فالنعمة" ليست "نعيما"، والعكس بالعكس، و"الوالد" لا تضع بدلًا منه "أبًا " أو العكس، وكذلك لفظ "امرأة" فلان لا يكون "زوجة"، ولفظ "استخرج" لا يكون أخرج - مثل سورة يوسف: { ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ } [ يوسف: 76 ]. إذ أن يوسف أراد أن يَحْبُك الخدعة فلم تكن السقاية إلا في قاع وعاء بنيامين ليوحي بقصد الإخفاء، وكلمة "استخرج" تدل على صعوبة الإخراج -، كذلك { اسْتَطَاعُوا } و{ اسْطَاعُوا } [ الكهف: 97 ] فالطول في بنية الكلمة يزيد في المعنى. [ للاستزادة في هذا الباب ننصح بالرجوع إلى كتاب: " معجم الفروق الدلالية في القرآن الكريم " للدكتور / محمد محمد داود – دار غريب للنشر ].

    * اختلاف النظم في العبارات ذات المعنى الواحد:

    كذلك هناك اختلاف للنظم في العبارات ذات المعنى الواحد، مثل قوله تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ } [ الأنعام: 151 ]، وقوله تعالى: { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ } [ الإسراء: 31 ].ففي الحالة الأولى كان الفقر واقعًا فعلًا فكان مناسبًا أن يبدأ بالآباء، أما في الحالة الثانية فكان الفقر لم يقع بعد ويخشى أن يقع مع وجود الولد، فكان مناسبًا أن يبدأ بالأولاد ثم الآباء.

    ومثل قوله تعالى: {.. وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ } [ إبراهيم: 34 ]، وقوله تعالى: { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } [ النحل: 18 ]؛ فالسورة الأولى – سورة إبراهيم – موضوعها " كفر الإنسان بنعمة الله " فكان مناسبًا أن يكون التعقيب - الفاصلة – عن كفر الإنسان، أما السورة الثانية – سورة النحل – فموضوعها " تعدد نعمة الله على الإنسان " فكان مناسبًا أن يعقب بقوله: { إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ } أي أنه تعالى سيغفر لكم عدم إحصائكم لها، لكثرتها.

    وعلى ذلك فقس كل القرآن، أما الأشد عجبًا فتحدي النظم القرآني بالحرف لا الكلمة فحسب.

    * تحدي القرآن بالكلمة:

    فنقرأ في سورة الزمر: { وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا } [ الزمر: 71 ]، وقوله تعالى: { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا} [ الزمر: 73 ]، فالواو لا يمكن أن تضاف إلى الحالة الأولى، كما أنها لا يمكن أن تحذف من الثانية، لأنك في الحالة الأولى تشعر أن المولى عز وجل قد أضاف للكافرين – علاوة على جهنم – عذاب الفجأة، أما في الحالة الثانية فالواو تشعر بالإعداد وعدم الفجأة – وهو ما يتوافق مع فقرات أخرى من القرآن تدل على هذا المعنى -.

    * تحدي القرآن بضمير الكلمة:

    مثال ذلك ذكر القرآن اسمين لمسمى واحد في سورة يوسف ( السقاية – الصواع ). إذ حين يكلم القرآن مستمع القرآن وقارئه يقول ( سقاية ) وحين يذكر كلام أصحاب القصة مع بعضهم لا يقول إلا (صواع )، فالذي يبدو أنها في أصلها سقاية ( كأس ) وقد استخدمت سقاية الملك هذه كمكيال للقمح النادر. لهذا كان مناسبًا ألا يقول في آخر الفقرة (ثم استخرجه من وعاء أخيه ) لأنه لو فعل لقصد به الصواع المذكر وقد اتفقنا أن القرآن

    حين يخاطب مستمعه يذكر حقيقة الشيء (السقاية) ثم يذكر مسماها عند أصحاب القصة في حوارهم مع بعضهم البعض ( الصواع ).

    * توافق تفاصيل القصة الواحدة في مواضعها المختلفة:

    ومن إعجاز البيان في القرآن الكريم كذلك توافق المواضيع أو أجزاء القصص في أي موضع من القرآن فالقصة القرآنية (قصة موسى مثلًا )كما هو معلوم ترد تفاصيلها في مواطن متفرقة من القرآن ؛ فقول فرعون لقومه قبل هلاكه: { وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ } [ غافر: 29 ] يتوافق مع ما ذكره القرآن في موضع آخر: { وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى } [ طه: 79 ].

    * الثراء اللغوي في القرآن الكريم:

    ومن إعجاز البيان في القرآن الكريم كذلك أن يستخدم القرآن ثلث ألفاظ اللغة العربية (1620) جذرًا ( هذا لم يحدث لأي كتاب عرفه البشر، بالرغم من أن حجم القرآن ليس كبيرا ) منهم (371) جذرًا يرد كل واحد منهم في القرآن مرة واحدة فقط، أي أن 23 % من جذور ألفاظ القرآن ترد مرة واحدة.. ( وهي نسبة تمثل قيمة بلاغية كبرى لأن استخدام اللفظ مرة واحدة بين أكثر من خمسين ألف من الألفاظ هو قمة البلاغة، وإذا تم هذا فيما يقرب من ربع اللغة المستخدمة كان الإعجاز البلاغي عظيمًا، فالروس يفخرون بأديبهم "ليو تولستوي" لأنه في روايته "الحرب والسلام" أورد كلمة واحدة فقط لمرة واحدة(5). كما أن هناك (196) جذرًا يرد في القرآن مرتان فقط، كذلك (118) جذرًا يرد كل واحد منهم ثلاث مرات فقط.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 07, 2016 7:22 am