منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    البلاغة الواضحة

    شاطر

    فالح الظاهري

    عدد المساهمات : 12
    نقاط : 36
    تاريخ التسجيل : 09/03/2010

    البلاغة الواضحة

    مُساهمة  فالح الظاهري في السبت مارس 13, 2010 2:48 pm

    مقدمة في البلاغة الواضحة
    بسم الله الرحمن الرحيم
    إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمد عبده ورسوله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده فصلوات الله وسلامه عليه وعلى من سار على هديه واقتفى أثره واستن بسنته بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
    فأحمد الله -جل وعز- على أن يسر لنا هذا الاجتماع الطيب المبارك في هذه الأكاديمية المباركة وإنها لفرصة تتاح لي أن أشكر القائمين على هذه القناة، بارك الله فيهم وفي أعمارهم وفي أموالهم وفي جهودهم وفي قواهم، فلقد أبدلوا السيئ وجاءوا بالجديد، ولله الحمد فقد كانت هذه القناة بفروعها وأنواعها العامة والأكاديمية العلمية والأطفال وغير تلك الفروع المتعددة والأنواع المتعددة كانت حقيقة بديلاً ناجحًا وأسهمت في توعية المسلمين وفي تثقيفهم وفي تبصيرهم وفي تفقيههم لأمور دينهم وهذا هو الواجب الشرعي، وإني لأرجو أن يكون هذا مندرجا في عموم قوله جل وعز: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]، فإن هذا ضرب من الجهاد في سبيل الله، في سبيل تفقيه الأمة وتعليمها وبيان ما يهمها وما يعنيها، وبيان –أيضًا- المعارف المهمة بالنسبة لها وبخاصة هذه الأكاديمية التي عُنيت بالعلم وإن هذا لعله مندرج فيما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله: (خيركم من علم القرآن وتعلمه)، فتعليم القرآن أو علم القرآن يقتضي فقه لغته، والعلم بها وضبط قواعدها والوقوف على علوم معانيها وبيانها وبديعها وهذه هي مفاتيح التنزيل فلا يمكن أن يوصل إلى أحكام هذا القرآن ولا إلى درك مسائله وإلى فقه دقائقه وأحكامه إلا بهذه العربية فإن العربية هي علم الآلة، وهذه الشريعة وهذا الدين كنز عظيم، أشبه بالقصر المملوء بالخيرات ولكن هذا القصر يتعثر الوصول إليه إلا بمفتاح، وهذا المفتاح هو العربية، وذروة سنام العربية ولبها وجوهرها وتاجها هي البلاغة، ولقد عدها العلماء علمًا قرآنيًا؛ لأن نشأتها في الأساس هي في أحضان فهم التنزيل وإدراك أسباب الإعجاز ومعرفة طرقه ومسالكه التي تحدى الله -عز وجل- بها العرب قاطبة، تحدى الله العرب وهم أهل اللسن والفصاحة والبيان والبلاغة تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، فطفق كثير من العلماء يبحث عن أسباب إعجاز هذا القرآن وتحديه، ولذلك فإن هذا العلم ينال الشرف الأعلى لكون موضوعه ولكون مادته هي القرآن الحكيم وهي الآيات الحكيمات، ومن وصل إلى القرآن الكريم ووقف على إعجازه وعرف مسائله ودقائقه وضبط قواعده فإنه إلى ما دونه من الفصاحة أعلم وأفقه وأدرى؛ فإن ذروة البيان وذروة التحدي هي في القرآن، يلي بعد ذلك القرآن الحكيم في الفصاحة والبلاغة سنة المصطفى -عليه الصلاة والسلام- ثم كلام العرب الفصحاء الذين لا يشق لهم غبار في البيان في الشعر في الأمثال في الخطب.
    فأقول إن إدراك ذلك والوقوف عليه لا يتم إلا بالعربية وبخاصة علم البلاغة وعلم الفصاحة وعلم البيان، وهذا ما سيكون-إن شاء الله- مسلكنا في هذه الحِلق المباركة التي ستمد فيما أعلم إلى قرابة أربعة عشر حلقة تقريبًا-إن شاء الله-.
    ولقد اخترنا كناب البلاغة الواضحة البيان المعاني البديع ،ودليل البلاغة الواضحة للشاعر علي الجارم، وللأديب مصطفى أمين، وذلك لأسباب منها:
    -كون هذا الكتاب مختصرا والذين يتابعون هذه الحِلق وهذه الدروس المباركة لاشك أنهم أجناس متفاوتة وأن مستوياتهم أيضًا مختلفة، وأن منهم الداني ومنهم العالي وكلهم يتقرب إلى الله -عز وجل- بهذه العلم.
    -وكذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما خُيِّرَ بين أمرين إلا اختار أيسرهما، فمن أيسر الطرق ومن أسهلها ومن أدلها ومن أدينها هو مثل هذا الكتاب الذي بسط القواعد وسهلها ويسرها وضرب أمثلة ونماذج عليها، فهذا الكتاب جمع بين التقعيد الموجز والشرح التطبيقي المكثر المطول ليمرن طالب العلم وليربي ذائقته العربية وسليقته اللغوية على أمثل الأساليب العربية وأبلغها وهي القرآن الحكيم والأشعار الفصيحة الصحيحة.
    ثم إن سببًا آخر أيضًا ينضم إلى السبب الأول وهو كون هذا الكتاب منتشرًا في مكتبات العالم العربي والإسلامي فبإمكان طالب العلم وطالبة العلم أن تمتد يدها إلى اقتناء هذا الكتاب وشراءه من أي مكتبة فهو سهل التناول وسهل الحصول عليه،
    -ثم إن لغته كما ذكرنا وأسلوبه سهل الهضم جيد الإدراك، ولذلك اخترنا هذا، هذا أمر.
    الأمر الآخر أن المنهج الذي سنسير عليه -إن شاء الله- وفي هذه الحلقة سيكون ما تيسر من مقدمة عن هذا العلم ثم بعد ذلك نبدأ في مسائل العلم وذلك بقراءة القاعدة التي ضربها أو قعدها المؤلفان لهذا العلم ثم بعد نختار من الأمثلة والشواهد ما يوضحها ويبين دقائقها ومتنها.
    ثم بعد ذلك نشير على الطلاب والطالبات أن يعودوا إلى النماذج المحلولة والشواهد التطبيقية الموجودة في الكتاب ليطبقوا تلك القاعدة التي سمعوها.
    وهذا مرفق مع كتاب الشيخ دليل البلاغة الواضحة وهي حلول للأسئلة التي في نفس المتن يرجع إليه
    نعم هذا صحيح، ولهذا أحب أن أنبه على الإخوة والأخوات الذين يرغبون في اقتناء الكتاب ومتابعة هذه الحلقات العلمية، أن يشتروا كتاب "البلاغة الواضحة" و"دليل البلاغة الواضحة"؛ لأن الدليل هو جمع كثيرًا من النصوص وطبقها ثم حللها على وفق منهج البلاغة الواضحة.
    فهذا الكتاب كتابان في كتاب، ثم إن هناك نسخًا قد تكون مفردة، البلاغة الواضحة فقط، وهذا جيد ولكن طالب العلم يفوته في هذه النسخة المختصرة الدليل الذي فيه شواهد وشوارد كثيرة متعددة ومفيدة يحسن أن يقتني الكتاب الذي يضم كتابين في كتاب في طبعة واحدة، وهي طبعة الدار المصرية السعودية،طبعت هذين الكتابين في كتاب أو في مجلد واحد، وأظنه موجود في بعض المكتبات، وبالنسبة لنا في الرياض فإنه موجود في مكتبة "الرشد" للتوزيع والنشر.
    بعد ذلك بحسب طريقة المنهج والعرض نشرح ما تيسر من القواعد والضوابط ثم بعد ذلك نتيح المجال لمن أراد أن يسأل أو يناقش ثم بعد ذلك نستمع إلى المداخلات أو الأسئلة سواء كانت هاتفية أو مقروءة، فما كان منها حاضر الجواب نجيب عنه، وما كان منها يحتاج إلى تحضير أو مراجعة نؤجله إلى حلقة قادمة؛ لأن العلم أمانة لا ينفع فيه إلا التدقيق والتحقيق قدر الإمكان بإذن الله -عز وجل-.
    هذه مسألة انتهينا منها، أمر آخر نحب أن ننبه عليه وهو أننا ينبغي أن نحمد الله -عز وجل- على نعمة عظيمة وهي أن جعلنا مسلمين، وأن جعلنا من عباده المهتدين، وأن جعلنا على هذا الصراط المستقيم، فهو صراط عظيم من هُدِيَ إليه فقد هدي، ولذلك نلحظ نعمة الهداية واردة مكررة في سورة الفاتحة عندما نقرأها في فرائضنا في الصلوات أو في النوافل أو في غيرها نجد قوله -جل وعز-: ﴿ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ ما المطلب؟ قال: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 1- 6]، يكرر هذا لاحظ أن هذا أمر ولكنه لما كان من الأدنى إلى الأعلى انقلب إلى غرض مجازي بلاغي، والغرض منه هنا هو طلب الدوام والتثبيت على هذه الهداية، أي أدم هدايتنا وثبتنا على هذا الصراط المستقيم، في كل يوم خمس مرات أو أكثر بعدد الصلوات في أربع ركعات أحيانًا أو ثلاث أو ثنتين نكرر هذه الفاتحة أي أدم هدايتنا، لأن الهداية نعمة، ولهذا تلاحظون عظم ما كان يواظب عليه النبي -عليه الصلاة والسلام-: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وعلى طاعتك) وأيضًا الآية الحكيمة: ﴿ رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ﴾ [آل عمران: 8]، فالهداية نعمة من وفق إليها ينبغي أن يسأل الله -عز وجل- دوام الثبات عليها والاستقامة؛ لأنها كنز عظيم إذا فقد الإنسان انحدر إلى أسفل وصار في عداد الحيوانات: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: 44]، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: 12]، فالشاهد من هذا أن هذا الدين نعمة.
    وهذا الدين -كما تعلمون- وكما هو مقرر في الواقع- هذا الدين مكون من الوحي المتلو وهو كلام الله -عز وجل- والوحي الثاني السنة وهي وحي من الله -عز وجل- معنى لكن لفظها بلسان النبي -عليه الصلاة والسلام-، كلا الوحيين المتلو والمعنوي الذي هو سنة المصطفى -عليه الصلاة والسلام- الثابتة عنه كلاهما بلسان عربي مبين، إذن من أراد الوحي وهذا الكنز وهذه النعمة لا يمكن أن يصل إليها إلا بهذا اللسان وبهذا المفتاح، ومن هنا كان علم العربية وكان تعلمه والوصول إليه وضبط قواعده والوقوف على معانيه ودقائقه وبيانه كان تعبدًا، كان فعل ذلك والعمل به والوصول إليه وبذل الجهد في هذا السبيل كان ماذا؟ كان عبادة وتعبدا.... لماذا؟ لأنه مربوط بهذا الدين ولهذا ندرك كلام عمر -رضي الله تعالى عنه- عندما قال: «تعلموا العربية فإنها من دينكم» لا يمكن أن يوصل إلى الدين إلا بهذه اللغة.
    ولذلك ندرك شرف هذه العربية، لماذا شرفت اللغة العربية؟ وإلا كانت من سائر اللغات، إنما شرفت بشرف مادتها ومادة القرآن الكريم وهو كلام الله -عز وجل- الذي جاء بهذا اللسان، فلما جاء بهذا اللسان ارتقت هذه اللغة وعلت، ثم نالها من بركة الله -عز وجل- من بركة كلامه لأن الله -جل وعز- قد قال: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ لأي شيء؟ ﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص: 29]، فنال العربية بركة هذا القرآن الحكيم.
    ولشيخ المفسرين -الذي أخذ عن شيخ الإسلام ابن تيمية أصول التفسير وطلب العلم فألف كتابًا مشهوراً (تفسير القرآن العظيم) ابن كثير -رحمه الله- الحافظ بن كثير- له كلمة رائعة تكتب بمداد من ذهب عندما بدأ وشرع في تفسير أول سورة يوسف في قوله -جل وعز-: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [يوسف: 2]، قال كلمة رائعة يقول -رحمه الله-: "لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا -كما قال- أنزل الله -عز وجل- أشرف الكتب بأشرف اللغات على أشرف الرسل، -يريد به المصطفى -عليه الصلاة والسلام- بسفارة أشرف الملائكة -يريد جبريل-، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، -يريد به في مكة المكرمة- وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة -يريد به رمضان المبارك-، فكمل في كل الوجوه"، أي كمل هذا الكتاب من كل الوجوه من لغته ومعانيه ودقائقه وأحكامه وألفاظه ومبانيه وتوجيهاته لأنه من الله -عز وجل-.ولذلك نالت العربية هذه البركة .
    فإن طالب العربية إذا أخلص وأقبل على الله -عز وجل- يجد بركة في وقته وفي علمه وفي قلمه وفي مداده وفي بيانه وفي ما يطلبه ولذلك ما على طالب العلم إلا أن يتقرب إلى الله -عز وجل- بطلب العربية لأجل غرض -ليس لذات العربية- كمن يريد أن يصل إلى حاجة ويقف ويعثر دونها، الغرض الرئيس هو ماذا؟ هو فهم هذا الدين وفقه ما أنزله الله -عز وجل- لأننا متعبدون بهذا ولأن الله -عز وجل- قد قال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56] وعبادة الله -عز وجل- لا يمكن أن يوصل إليها ولا أن تعرف دقائقها وضوابطها وأحكامها إلا من خلال هذه اللغة بالوصول إلى الأحكام والدقائق واللطائف، ولذلك تجد أنه قد ضل من ضل ممن كان عنده قصور في فهم العربية فتأول النصوص على غير فهمها وعسفها وتعسفها وضرب النصوص بعضها ببعض، وانغلقت عليه بعض المعاني لأنه لم يحذق اللغة ولم يفهمها ولم يدرك مداركها، ولم يقف على معانيها وبيانها.
    هذا الأمر وهذه الآية الحكيمة التي تناولناها وهي قوله -عز وجل-: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾ [ص: 29]، في هذه الآية العظيمة أربع فوائد:
    الفائدة الأولى:
    أنه كتاب عظيم.. من أين استفدنا صفة العظمة؟ من التنكير في قوله: ﴿ كِتَابٌ ﴾ أي كتاب عظيم متناهٍ في العظمة، لا يحده حد ولا يحصره عد، فقال كتاب عظيم وعظمته في مادته في قيمته في إحكامه.
    الفائدة الثانية:
    أنه منزل من عند الله ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ ﴾ والجمل -كما قال النحاة- "الجمل بعد النكرات صفات".
    "كتاب" نكرة و"أنزلناه" صفة ، فتبين أن هذا القرآن منزل من عند الله -عز وجل- فهو كلام الله -عز وجل- منزل من عنده على محمد بن عبد الله -عليه الصلاة والسلام- الرسول الخاتم إلى آخر الزمان، فكان هذا القرآن عظيمًا مباركًا نزل بلغة مباركة على رجل مبارك وهو محمد -عليه الصلاة والسلام-.
    الفائدة الثالثة:
    أنه كتاب مبارك بالوصف عندما نص الله -عز وجل- عليه، عندما قال: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ ﴾، فتبين بهذا أن هذا القرآن مبارك وأن لغته مباركة وأن أحكامه مباركة؛ وأن كل ما يقود إليه ومن عمل به واشتغل بعلومه ومادته فإنه تدركه تلك البركة كما ذكرنا: في وقته وفي علمه وفي نفسه وفي كتبه ومؤلفاته.
    ومن بركة كلام الله -عز وجل- على لغة العرب أن حفظها إلى قيام الساعة، ونطق بذلك وتعهد به --جل وعز- عندما قال:﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ [الحجر: 9]، انظر إلى لغات العالم كيف اندثرت وكيف انقرضت وكيف تحول بعضها إلى لغات، كاللغات اللاتينية كيف تفرعت واندثرت، بل إن اللغة الإنجليزية -وهي لغة العلم الآن -كما يقولون- الصناعي وغير ذلك هي -الآن- النص الذي قبل ثلاثمائة وأربعمائة وخمسمائة عام لا يستطاع قراءته ولا فهمه حتى ولو كان الإنسان حاذقا للغة الإنجليزية لابد من معرفة اللهجات في ذلك الزمان، لأنها انقرضت، أما نحن العرب ولله الحمد فنص قبل ألف وأربعمائة عام أو ألف وخمسمائة عام بالإمكان أن تقرأ كلام الله -عز وجل- المنزل في ذلك الزمان وحديث المصطفى -عليه الصلاة والسلام- أو قصيدة لامرئ القيس أو للأعشى أو لغيره وتفهم وإن كنت محدود العربية، لماذا؟ لأن النسق محفوظ ولأن اللغة أيضًا محفوظة ولأن الأسلوب أيضًا انضبط بضبط القرآن الكريم ولذلك تدرك خلل وخطل من يريد أن يفسد على العرب لغتهم، فيدعوا إلى العامية أو اللهجات المحلية أو غيرها فإن هذه مصيبة كبرى، ولكن الله -عز وجل- تعهد بحفظ كتابه فقيض العلماء -وإن كانوا أعاجم- لتقعيد العربية.
    والعجيب أن في هذا لطيفة -حتى لا يمتن العرب على الله -جل وعز- بأنهم الحفظة لهذه اللغة-، فقيض عجمًا ليقيدوا العربية ويقعدوها وأكبر مثال على هذا: سيبويه -رحمه الله- المتوفى سنة 108 هجرية، مع أنه فارسي، إلا أنه قعد العربية، فقد رضع العربية من شيخه الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي العربي، وكان سيبويه -رحمه الله- طالب حديث في بداية أمره ولكنه لما لحن في الحديث Sadقرأ في أحد الأحاديث في أحد الأيام على شيخه حماد بن سلمة شيخ البصرة المحدث فلحنه وقال أخطأت يا أعجمي- في بعض الأحاديث التي قرأها عندما قال كان النبي -صلى الله عليه وسلم- -عليه الصلاة والسلام- صعد إلى الصفاء، همزها الصفاء، فقال: أخطأت يا أعجمي، فوقعت في نفسه ثم خطأه مرة أخرى ،ثم قال في نفسه لأطلبن علما لا يلحنني فيه أحد،) انظر إلى همة الرجال، كيف وقع في نفسه ذلك التقريع، ثم عزمت نفسه وانعقدت همته وتقرب إلى الله -عز وجل- فذهب إلى الخليل بن أحمد فتوسد ركبته ورضع علم النحو عنه ثم قعده في كتابه المشهور "الكتاب" فكان دائمًا يشير إلى شيخه، قال الشيخ، وزعم الشيخ، ووضح الشيخ، فإذا أطلق الشيخ فالمراد به الخليل بن أحمد -رحم الله الجميع-، فالشاهد أن هذا هو الأمر في هذه اللغة فإنها لغة عظمية جميلة.
    الفائدة الرابعة من تلك الآية ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾:
    أن الغرض من إنزال القرآن الحكيم هو التدبر والتفكر والعمل، ليس فقط التلذذ وليس فقط البكاء إنما العمل، ﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ﴾.
    ثم إننا إذا رأينا كيف نصل إلى التفكر والتدبر والعمل بهذا؟
    عن طريق اللغة، عن طريق البيان، عن طريق علم المعاني، عن طريق هذه الدقائق هذه هي التي توصلنا إلى ماذا؟ إلى التفكر .
    والله -عز وجل- قد بين أن كتابه ميسر ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ ﴾ [القمر: 17]، هنا استفهام مجازي "ادكروا"، يأمرهم ويحثهم ويبعث هممهم إلى الادكار والاتعاظ عن طريق ماذا؟ حذق المعاني ثم فتح هذه الكنوز وإدراك هذه اللطائف، فعلم المعاني والبيان والبديع هي مفاتيح التنزيل، مفاتيح هذه اللغة.
    ومعروف أن المعاني ينبني على النحو، على علم النحو على دقائقه.
    فعندنا أولاً سلامة العربية إنما تكون بالجملة النحوية العربية يترقى الإنسان ثم يُفَعِِّل تلك القواعد وينتهي إلى الدقائق واللطائف في علم المعاني، ثم إلى التصوير في البيان ثم البديع وهي الحلية ثم يصل إلى طائف الأسرار والدقائق في كلام الله -عز وجل-.
    ولذلك نصل الزمخشري في أول فاتحة كتابه "الكشاف" -التفسير المشهور- على أن علم التفسير من أعظم العلوم وأنه لا يمكن تعاطيه ولا الوصول إلى دقائقه وإلا إلى لطائفه، لا يمكن أن يكون ذلك إلا لرجل قد اختص بعلمين وتمكن في علمين جليلين هما علم المعاني وعلم البيان.
    فنص على أن علم المعاني وعلم البيان هما المفتاح.
    وبالمناسبة هذه الإشارة من الزمخشري في قوله علم المعاني وعلم البيان هي أول ما تلقانا إذا أخذنا تاريخ البلاغة، أول ما تلقانا من الإشارات الصريحة الظاهرة على تسمية علم المعاني بعلم المعاني، وعلم البيان بعلم البيان، كان الشيخ عبد القاهر شيخ البلاغيين تلك المعاني مترادفة في كتابه الأسرار أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز، مترادفة فيقول: علم البلاغة والبراعة والبديع والبيان كلها عنده مترادفة.
    ثم جمعت في البلاغة.
    أي نعم.
    جاء الزمخشري وقرأ كتابي عبد القاهر الأسرار أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز فبدأ يحصل بعقليته لأن الرجل -عبد القاهر نفسه وكذلك الزمخشري- كلاهما متضلعان في العربية متمكنان في النحو، فبدأ يقعد ويطبق في تفسيره" الكشاف"، فأول تسمية واجهتنا لعلم المعاني وعلم البيان هي من الزمخشري في الكشاف، والزمخشري قد توفي خمسمائة وثمانية وثلاثين هجرية.
    لكن قد يرد سؤال: ما حكم تعلم اللغة العربية وعلى رأسها علم البلاغة؟ حقيقة أرجح الأقوال في هذا أنها فرض كفائي، إذا قام بهذا العلم من يكفي سقط العلم، ولكن لو أجمعت لا قدر الله الأمة في زمن من الأزمان، أو في وقت من الأوقات، أو في دولة من الدول، ألا تتعلم اللغة العربية وألا كذا، فإنها تأثم على قدر الوسع والطاقة، تأثم لماذا؟ أو يأثم كل شخص بحسب وسعه وطاقته وقدرته.
    نطبق ذلك في امتداد العالم الإسلامي الآن قد يكون في بلد ليس فيه عرب، فيجب على هذه الطائفة أنها تتعلم أو مجموعة منهم يتعلمون اللغة العربية ويحذقونها ثم يرجعون إلى قومهم ليكونوا مفسرين ومنذرين
    أي نعم صحيح، ولهذا التفصيل الحكم بهذا، بالنسبة إلى الشعائر التعبدية كالصلاة كإقامة الصلاة وقراءة الفاتحة والتكبيرات في الصلاة وغيرها، واجب عيني على الطاقة وعلى الوسع يجب في الآذان وجمله وفي الإقامة وفي جملها، وفي الصلاة وفي التكبيرات باللغة العربية قراءة الفاتحة كما نعلم بلسان عربي مبين، هذا واجب عيني.
    لكن الكلام على ماذا؟ على تعليم العربية لأبناء المسلمين وبنات المسلمين كل ما يخصه الرجال للرجال يعملونهم، والنساء للنساء يعلمنهن، فهذا واجب كفائي، أما بالنسبة إلى الأعيان فإن ذلك في الشرائع التعبد في الفرائض واجب عيني على الوسع والطاقة ﴿ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا ﴾ [البقرة: 286]، فواجب على كل مسلم عربيا كان أو عجميا أن يتقن العربية في تلاوة الفاتحة وما تيسير من الذكر الحكيم، وفي الشعائر وفي والانتقالات في التكبيرات وفي الأركان وفي الصلوات وما في حكمها.
    لذلك فإن حِذْق العربية وإدراكها والعلم بها لاشك أن صاحبها ومن فعل هذا مأجور، وهذا يقودنا إلى إلمامة سريعة في تاريخ التأليف البلاغي، كيف نشأ هذا العلم؟
    الحقيقة أن نشأة هذا العلم إنما نشأت في أحضان القرآن الكريم وفي محاولة الإجابة عن سر إعجازه، ولذلك يرى المحقق والمدقق في المؤلفات البلاغية التي أُلفت وابتدأت في التأليف فيها أنها ترتبط أحيانًا باسم القرآن في نظمه أو في مجازه أو كذا.
    وأول مؤلَّف يطالعنا في هذا هو مؤلف اسمه "مجاز القرآن"، من أوائل ما ألف في هذا ولن أحصر كل ما ألف في هذا وإنما سأذكر البدايات والأعلام الرئيسة في هذا، أول مؤلف في هذا هو كتاب "مجاز القرآن" لأبي عبيدة معمر بن مثنى، المتوفى سنة مائتين وثمانية وقيل مائتين وتسعة وقيل مائتين وعشرة هجرية، فهذا الكتاب ينبغي أن يُعلم أن تسمية المؤلف "مجاز القرآن" ليس المقصود: المجاز الذي هو قسيم الحقيقة، وإنما المقصود بالمجاز القرآن مجاز الآية معناه تأويلها أو معناها أو تفسيرها.
    سنأتي للمجاز
    أي نعم، سنأتي للمجاز -إن شاء الله تعالى-.
    والأمور هذه نوضحها أكثر لأن حولها جدل.
    صحيح حولها جدل وحولها كلام يحتاج إلى بيان.
    ثم بعد ذلك يأتي بعد ذلك "البيان والتبيين" للجاحظ -الأديب المعروف- المتوفى سنة مائتين وخمسة وخمسين هجرية، وهذا الكتاب حقيقة يعد مستودعًا ضخمًا لنصوص البيان العربي بشكل عام، أولها نصوص من الكتاب الحكيم والسنة والمطهرة، وأشعار العرب وخطبها وأمثالها، وهذا المستودع الضخم اتاح للعلماء من بعده نصوصا شواهد لقواعدهم التي ضبطوها ومسائلهم التي قعدوها.
    بعد ذلك يأتي أو أتى أو كتاب أيضًا لابن قتيبة العالم السني المشهور "تأويل مشكل القرآن الكريم"، وابن قتيبة -رحمه الله- توفي سنة مائتين وستة وسبعين هجرية، هذا فيه كان فيه.
    كان فيه حديث بحديث أو خاص بعام أو كذا، تأويل مشكل القرآن
    أي نعم، هو درس المجاز وأسباب الضلال فيه وما تعلق به وأيضًا أتى بصور من هذا الأمر، واستطرد -رحمه الله- في هذا.
    أيضًا له كتاب أيضًا له كتاب في هذه المعنى "تأول مختلف الحديث" أيضًا قريب من "تأويل مشكل القرآن الكريم".
    أتى بعد ذلك الشاعر العباسي المشهور عبد الله بن المعتز فألف كتابه المشتهر "البديع"، وقد توفي الشاعر عبد الله بن المعتز سنة مائتين وستة وتسعين هجرية تحقيقًا.
    وهذا الرجل شاعر ولهذا كان ذواقة في مؤلفه، وسبب تأليفه أو مؤلفه هذا هو أنه أراد أن يرد على شائعة ذاعت في عصره ذلك الزمان وهو أن شعراء البديع المشتهرين الذين بدءوا البديع والإعجاب والصنعة والتجنيس وغير ذلك كأنهم هم الذين انفردوا بالبديعات وتميزوا فيها، فأراد أن يرد عليهم وأولئك المشتهرون مثل أبي تمام وبشار بن برد وأمثال هؤلاء، فألف هذا المؤلف يثبت أن البديع وأنواعه وفنونه موجودة في كلام العرب بل في التنزيل، في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة، فضرب شواهد ونماذج يبين أن هذا لم يتفرد به هؤلاء وإنما هو موجود أصلاً في لغة العرب وبيانها لأنه من جنس كلامها ومما يبين ويوضح أيضًا مقاصدها.
    بعد ذلك (نقد الشعر) وقد ألفه قدامة بن جعفر وكان نصرانيًا فأسلم على يد المكتفي بالله وهذا الرجل قد توفي سنة ثلاثمائة وسبعة وثلاثين، ومال في مؤلفه هذا إلى المنطق والفلسفة وتأثر بشوب فلسفة من اليونانيين فظهر أثر مؤلفه هذا في التحديد والتعريف والتدقيق إلى حد ما، وإن ركز كثيرًا على النقد ومسائله وبديعياته أو أنواع الفنون البديعية وما تعلق بها وزاد على ما جاء به ابن المعتز.
    أيضًا "النكت في إعجاز القرآن" للرماني، الرماني هذا مؤلف اقترب إلى حد ما من لمس إعجاز القرآن وتشخيص دقائقه ومسائله، والرماني قد توفي سنة ثلاثمائة وستة وثمانين هجرية تقريبًا، ثم جاء صاحب الوساطة علي بن عبد العزيز الجرجاني الناقد المعروف، فقد أضاف إضافات حسنة في كتابه "الوساطة بين المتنبي وخصومه" وقد توفي ثلاثمائة واثنين وتسعين هجرية، ثم جاء "صاحب الصناعتين" أبو هلال صاحب الصناعتين وهو أبو هلال العسكري المتوفى سنة ثلاثمائة وخمسة وتسعين هجرية، والحقيقة هذا الكتاب يعتبر لبنة رائعة وتجديدية في تاريخ البلاغة العربية؛ لأنه فيه وبه بدأت تتمايز المسائل البلاغية من القضايا النقدية إلى حد ما؛ لأن مسائل بلاغته مختلطة في التأليف الأساسي لمسائل النقد إلى حد ما، فبدأت تتمايز إلى حد ما في تعريفاته وتشخيصاته وتحديداته بعض مسائل البلاغة عن قضايا النقد بشكل عام.
    ثم جاء بعد ذلك الباقلاني أبو بكر في "إعجاز القرآن" وقد توفي سنة أربعمائة وثلاثة هجرية.
    ثم صاحب" العمدة في صناعة الشعر ونقده" وهو ابن رشيق القيرواني وقد توفي سنة ثلاثة وستين وأربعمائة، وقيل ستة وستين وأربعمائة هجرية.
    ثم "سر الفصاحة" لابن سنان الخفاجي المتوفى سنة أربعمائة وستة وستين هجرية، والحقيقة "سر الفصاحة" فيه تجديد وبخاصة في مباحث الفصاحة والبلاغة والتفريق بين الفصاحة فصاحة الكلمة والكلام والمتكلم والبلاغة كذلك والتعميق في دراسات الأصوات والمؤثرات أيضًا في إخراج الكلمة من حيث قبولها ومن حيث –أيضًا- استساغتها و-أيضًا- التركيز على الذوق فيها.
    بعد ذلك نصل إلى شيخ البلاغيين الذي أصل إلى حد ما البلاغة وقعدها ونضرها وتذوقها وهو الشيخ عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني المتوفى سنة إحدى وسبعين وأربعمائة هجرية، وكتاباه المشهوران اللذان إذا ذكرا ذكر الرجل، وإذا ذكر هذا الرجل ذكر الكتابان وهما "أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز".
    و"أسرار البلاغة" يكاد يكون معظمه في البيان في التشبيهات في الاستعارات في الكنايات وما تعلق بذلك ودلائل الإعجاز يكاد يكون معظمه في نظرية الإعجاز النظم.
    نظرية النظم والتي إلى الآن تدرس وهي من أعلى النظريات في اللغويات.
    أي نعم، بالضبط وصاحب الفضل بعد الله -عز وجل- في تأصيلها وتقعيدها وإضفاء أهمية هذه النظرية وكونها هي الأساس في إعجاز القرآن هو عبد القاهر صاحب الفضل في ذلك هو عبد القاهر في كتابه "الدلائل" فقد تذوق وعلل وحلل وتفاعل وانفعل في سبيل التقرير والتحديد وبيان أن القرآن معجز بنظمه ليس باستعاراته فقط ولا ببديعه ولا بتشبيهاته ولا بالمغيبات أو بالقصص لو كان الأمر كذلك لكانت الآيات التي ليس فيها قصص أو تشبيهات أو استعارات غير معجزة، لا، القرآن معجز بنظمه والنظم معناه التأليف والضم والجمع، كل كلمة فيه متسقة وجارية ومنتظمة مع أختها -ما قبلها وما بعدها- مؤثرة بحيث كما قال الإمام ابن عطية -رحمه الله- صاحب "المحرر الوجيز" المفسر الأندلسي: "وكتاب الله لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على أفضل منها لم توجد"، فهو لا شك ﴿ لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ ﴾ [فصلت: 42]، فالشاهد أن عبد القاهر الجرجاني يعد شيخ البلاغيين من حيث التأصيل، ولا يفهم هذا أنه قعد البلاغة أصلاً وضبطها وكذا لا، إنما أضاف جهدًا عظيمًا وأعطى هذا العلم ثِقلاً وموضوعية.
    كلها مسألة تراكمية من بدايتها إلى نهايته.
    أي نعم، فاستفاد مما قبله لكنه زاد بحبحة وتحليلاً وبين أيضًا تذوقًا وتفصيلاً وبخاصة في كتابه الدلائل؛ لأن الدلائل "دلائل الإعجاز" الدلائل جمع دليل والدليل هو البرهان، أراد الرجل أن يبرهن على أن القرآن معجز بدقيق نظمه، وبديع تأليفه، لأنه كلام رب العالمين جل وعز.
    جاء بعد ذلك المفسر المشهور المتضلع في النحو الزمخشري فألف كتابه المشهور "الكشاف" -حقيقة- الرجل أعجب بكلام عبد القاهر في الدلائل والأسرار فأراد أن يطبق نظرات عبد القاهر ونظرياته في الإعجاز بأن ذهب يحلل ويعلل ويطبق.
    إذا لم يسعف الوقت عبد القاهر الجرجاني بأن يطبق ويحلل تحليلاً أو يفسر صورًا بأجمعها في كتاب "الدلائل" أو في كتب أخرى، فإن الوقت قد أسعف الزمخشري عندما اقترح عليه بعض تلاميذه أن يؤلف كتابًا يبين فيه أسرار الإعجاز ودقائق التنزيل ولطائفه فاستجاب له فجاور مكة أربع سنوات فألف كتابه المشهور "الكشاف"، وهو الذي ذكر في مقدمته: أنه لا يمكن تعاطي علم التفسير إلا بعلمين جليلين: هما علم المعاني، وعلم البيان، فطفق يطبق هذه النظرية في كشافه، والزمخشري ينسب إليه فكرة أو مقولة: "الفنقلة"، وهي أسلوب من خلاله يتعرف الرجل أو المطالع أو المتدبر لكلام الله -عز وجل- على الدقائق واللطائف.
    أسلوب الفنقلة هذا مشتق من قولك أو من قول الشيخ أو الزمخشري في كتابه: فإن قلت لم عبر -عز وجل- بالفعل دون الاسم؟ أقول كذا وكذا.
    يحدث سؤالاً في أثناء تفسيره ليدغدغ -إن صح التعبير- عقل طالب التفسير أو القارئ حتى يثيره؛ لأن الإنسان إذا سئل استثير، ثم راح يشرئب للبحث عن الجواب فيجيبه ويعطيه الجواب مباشرة، فهذه المسألة أعانت الزمخشري وأعانت أيضًا طلابه والقراء في تفسيره أن يصل إلى الحقائق.
    لكن الزمخشري كما نعلم هو على مذهب المعتزلة، المعتزلة ضلوا السبيل في أسماء الله -عز وجل- وصفاته وفي مرتكب الكبيرة وفي النظرة إلى الحاكم وغير ذلك من الأمور، فعندهم ضلالات لم يقرهم أهل السنة والجماعة عليها.
    هناك كتب تحقق هذه الأمور.
    ولذلك أنصح من أراد أن يستفيد من الزمخشري من المتضلعين المتخصصين لأن الزمخشري -في الحقيقة- لا يكاد يفهمه إلا متضلع، وعنده تضلع لأن الرجل نفسه متضلع في العربية وله كتاب مفصل في النحو وهو مكين في العربية متمكن فيها، أنصح من أراد أن يطالع كتاب الكشاف للزمخشري وأن يستفيد من دقائقه ولطائفه أن يطالع النسخة التي عليها تعليقات ابن المنير الشيخ أحمد المنير الإسكندري، فقد ألف كتابه

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 07, 2016 7:24 am