منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    الاقصاح اللغوي2

    شاطر

    احمد حسن

    عدد المساهمات : 11
    نقاط : 33
    تاريخ التسجيل : 13/03/2010

    الاقصاح اللغوي2

    مُساهمة  احمد حسن في السبت مارس 13, 2010 5:31 pm

    التنازع الصوتي في التراكيب العربية
    د . عبد الوهاب حسن حمد
    مقدمة
    ان الدرس الصوتي لايتوقف عند معرفة مخارج الاصوات وصفاتها، بل لابد من دراسة مايحدثه التركيب من اثار على صفات الاصوات، لانه ينشأ عن التركيب مالم يكن في حالة الافراد، فكم ممن يحسن الاصوات مفردة ولايحسنها مركبة بحسب مايجاورها من مجانس ومقارب وقوي وضعيف ومفخم ومرقق، فيجذب القوي الضعيف، ويغلب المفخم المرقق، فيصعب على اللسان النطق بذلك على مايستحق التركيب الا بالرياضة الشديدة والدربة لاتقان الاحكام الصوتية الناشئة عن التركيب.
    وهذا البحث يحاول طرح ظاهرة التنازع الصوتي في التركيب وصولاً الى الانسجام الصوتي بدراسة الاسس التي اعتمدتها اللغة للوصول الى السعة والعذوبة لترتقي صعداً في مدارج الكمال. لذلك تضمن مبحثين درس في الاول الاصل واعني به الصحة قبل الاعلال لبيان قوة الصحة في الدلالة على اصول ماغير من المعتل وظهور الاصل على الزائد والزام الحركة الاصلية وفي المبحث الثاني تناول الخفة وتعني سهولة النطق وهي من دواعي ظهور الكسرة على الفتحة في الامالة وفي قلب الواو ياء اذا اجتمعا.
    وختم البحث بالنتائج التي ارجو ان تكون نافعة في بابها.
    المبحث الاول
    الاصل
    يظهر الاصل على غيره في كلام العرب، للدلالة على قوة مراعاتهم له، وانه عندهم مراعى معتد مقدر، فمن ذلك قولهم: بويع زيد وسوير خالد وقد عُلم انه متى اجتمعت الواو والياء، وقد سبق الاول منهما السكون، فان الواو تقلب ياء وتدغم الواو مدة منقلبة من الف ساير وبايع فكما لايصح الادغام في ساير وبايع، فكذلك لايصح في (فوعل) منه مراعاة للاصل وايذاناً منه([1]) .
    ويدلك على مراعاتهم للاصل انهم اذا امروا ضموا همزة الوصل وكسروها ارادة للحركة الاصلية. كقولهم: ارموا واقضوا، فان الهمزة في ذلك كله مكسورة، وان كان الثالث مضموماً، لان الضمة عارضة والميم في ارموا اصلها الكسر وكذلك الضاد في اقضوا، وذلك ان الاصل اقضيوا وارميوا، وانما استثقلوا الضمة على الياء المكسور ماقبلها فحذفوها، فبقيت ساكنة، وواو الضمير بعدها ساكن، فحذفت الياء لالتقاؤ الساكنين، وضمت العين لتصح الواو الساكنة، فبقيت الهمزة مكسورة على ما كانت كما قالوا: أُغزي. فضموا الهمزة والثالث مكسور كما ترى، لان الاصل اُغزوي، فاعتلت الواو فحذفت، وولين الياء الزاي فانكسرت من اجلها.
    فكسرهم مع ضمة الثالث، وضمهم مع كسرته يدل على قوة مراعاتهم للاصل([2]) ، لانه احفظ لنفسه وادل عليها من الزائد، وذلك ان الاصلي يحفظ نفسه بظهوره في تصرف اصله، وليس كذلك الزائد الا تراه لايستمر في تصرف الاصل استمرار الاصلي. وذلك بالزام حركة الاصل، وان عرض عليه مايوجب تغييرها، مراعاة للاصل وتنبيهاً عليه. ذلك في قولهم، أرأيتَكُم وأرأيتَكُما وأرأيتّكِ ياهذه وأرأيتَكُنَ، حيث فتحوا التاء فيها، وان تجردت من الخطاب، فانفردت الكاف به دونها تغليباً للاصل، لان التذكير اصل للتأنيث، وان التوحيد اصل التثنية والجمع، فلما خصوا الواحد المذكر المخاطب بفتح التاء، ثم جردوا التاء من الخطاب، فانفردت به الكاف في أرأيتَكَ وأرأيتَكِ يازينب والكاف مازيد عليها في أرأيتَكُما وأرأيتَكُم وأرأيتَكُن الزموا التاء الحركة الاصلية([3]) . جاء ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى: (قل أرأيْتَكُم إن أتاكم عذاب الله-الانعام 40،47) بدليل ضمها في قوله تعالى: (قل أرأيْتُم ان اتاكم عذابه بياتا-يونس50) لما جاءت بدون الكاف فلم تجرد من الخطاب كما ان الكاف في (أرأيتكم) لامحل لها من الاعراب، لانك تقول: أرأيتك زيداً ما شأنه، فلو جعلت للكاف محلاً لكنت كأنك تقول: أرأيت نفسك زيداً ما شأنه، وهو خَلْفٌ من القول فهي حرف يفيد الخطاب وليست باسم([4]).
    واذا عرض للزائد عارض من بدل او حذف لم يبق هناك في اكثر الامر مايدل عليه وما يشهد به([5]) الا بمعرفة نظائره لانضوائها تحت قاعدة واحدة نحو قوله تعالى: (وإذا الرسل أقتت-المرسلات11) فالهمزة في (أقتت) بدل من الواو، لان الواو إذا كانت اول حرف وضمت همزت. من ذلك قولك: صلى القوم احدانا، وهذه اجوه حسان([6]).
    وقد قرئ([7]) (وقتت) تغليباً للاصل، لانه من الوقت فلما زالت الضمة عن الهمزة عادت واواً بدليل قولك: موقت ومويقت كذلك اذا نقلتها الى الاسمية وصغرتها لقلت وقيتة، وظهرت الواو، لانها فاء الكلمة، وغلبت لانها الاصل([8]). والمراد التنبيه على اصول امثالها، لان العرب قد تستعمل الواو مصححاً ليعلم به الاصل. ومن ذلك امتناعهم من استعمال (استحوذ) معتلاً وان كان القياس داعياً الى ذلك ومؤذناً به، لكن عارض فيه اجماعهم على اخراجه مصححاً تغليباً للاصل، وليكون دليلاً على اصول ماغير من نحوه كاستقام واستعان([9]) . وعلى ذلك جاء قوله تعالى حاكياً عن المنافقين: (الم تستحوذ عليكم-النساء141) وقوله: (استحوذ عليهم الشيطان-المجادلة19) فجاء الفعل على الاصل واو أعل لكان نستحذ واستحاذ، لان الواو اذا كانت عين الفعل وكانت متحركة بالفتح وما قبلها ساكن جعلت العرب حركتها في فاء الفعل قبلها وحولوها الفاً متبعة حركة ماقبلها كقولهم: استحال هذا الشيء عما كان عليه، واستنار فلان بنور الله، واستعاذ بالله([10]) . وربما تركوا ذلك على اصله تغليباً للصحة على الاعلال، لانها الاصل، ولتكون دليلاً على اولية حالة الفعل، لذلك خرج على اصله.
    وقد يغلبون الاصل تنبيهاً على رجوعهم اليه، نحو قوله تعالى: (ما وَدَّعك ربك وما قلى-الضحى3) وقد قرئ([11]) (وَدَعَك) بالتخفيف، أي ما تركك دَلّ عليه قوله (وما قلى)، لان الترك ضرب من القلى([12]) وكلام العرب: دعني وذرني ويدع ويذر، ولايقولون ودّعْتك ولا وذرتك، استغنوا عنها بتركتك([13]) ففي مجيء القراءة بالتخفيف دليل على رجوعهم الى ماتركوه واستغنوا عنه بغيره.
    ومنه قلب الزائد الى جنس الاصلي وادغامه، نحو قوله تعالى: (وادّكر بعد أمهَ-يوسفف45) (إدّكر) افتعل من الذكر واصله اذتكر فادغم. وقرئ([14]) (اذّكر) على تغليب الاصلي على الزائد([15]) ، لان الاول اصلي والثاني زائد، فكرهوا ادغام الاصلي في الزائد، فقلبوا الزائد الى جنس الاصلي وادغموه([16]).
    ونحو قوله تعالى: (فهل من مدّكر-القمر15) و (مدّكر) مفتعل من ذكر يذكر، واصله مذتكر، وقرئ([17]) (مدّكر) على تغليب الذال بقلب التاء ذالاً، وادغام الذال فيها([18]) ، ليكون الادغام في حرف مثله في الجهر، لان الذال مجهورة، والتاء مهموسة. قال سيبويه: (ومن قال مظّعن قال مذّكر، وقد سمعناهم يقولون ذلك)([19]) . وذلك لاشتراك الظاء والذال مخرجاً ورخاوة.
    وقال الفراء: (وبعض بني اسد يقولون مذّكر فيغلبون الذال فتصير ذالاً مشددة)([20]) . وهذا نحو قوله تعالى: (مافيه مزدجر-القمر4) فقد قرئ([21]) (مزّجر) على تغليب الزاي بقلب تاء الافتعال زاياً وادغام الزاي فيها([22]) .
    قال الفراء: (ولقد قال بعضهم: مزجر فغلب الزاي كما غلب التاء وسمعت بعض بني عقيل يقول: عليك بابوال الظباء فاصَّعِطْها فانها شفاء للطحل، فغلب الصاد على التاء)([23]) .
    والاصل فاستعطها، فقلبت السين صاداً، لاشتراكهما مخرجاً ورخاوة وصفيراً، كما اشتركا في الهمس. ومجيء الطاء بعدها([24]) ، وغلبت الصاد بقلب تاء الافتعال صاداً وادغامها فيها، وغلبت الصاد بقلب تاء الافتعال والصفير والرخاوة وتوافق الطاء في الاستعلاء فيتجانس الصوت ولايختلف([25]) . والصاد تبدل من السين مع الطاء في (الصراط، ومسيطر) كما جاء في قوله تعالى: (اهدنا الصراط المستقيم-الفاتحة6)، وقوله (لست عليهم بمصيطر-الغاسية22) وقوله: (ام هم المصيطرون-الطور37) لان الصاد مع الطاء اعدل من السين فهي تواخي الطاء بالاطباق والاستعلاء وتواخي السين بالمخرج([26]) وقد قرئ([27]) (السراط) كما قرئ([28]) (مسيطر) تغليباً للاصل، لان الاصل سراط بالسين، لانه من سرطت الشيء اذا ابتعلته، كأن الطريق يبتلع المارة لكثرة سلوكهم لاحِبَهُ، كما سمي لقما، لانه يلتقمهم([29]) . والمسيطر اصله من السَّطر، وهو المسلط([30]) وقد آثروا السين في السراط، لانها خفيفة بالهمس والرخاوة اذ الطاء مجهورة مطبقة، ليكون خفيف مع ثقيل فتعتدل الكلمات([31]) . والسين لاتغير صورة الصاد، كما ،ن النون الواقعة قبل الياء والنون ساكنة في قولهم عنبر ومنبر وشنباء ومِنْ بَعدُ([32])، وكما جاء في قوله تعالى: (قال رب اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لاحد من بعدي-ص35) فكل واحد منهن الصوت فيه لفظه يشبه لفظ الميم، وهو غير مستعمل في الخط تغليباً لاصل النون([33]) ، فكذلك السين لاتغير صاد الصراط، كما لاتغير الميم في العنبر وشبهه لفظ النون وصورتها في الخط ودلالة على الاصل وكذلك الزاي في قراءة([34]) (الزراط)، وان انفردت الزاي بالجهر. الا ان حروف الصفير يبدل بعضها من بعض والذي يخلص الزاي يبني على تغيب الجهر على الهمس.
    ونحوه قوله تعالى: (وما تدّخرون-آل عمران49) فقد قرئ([35]) (تذخرون) على تغليب الاصلي المجهور على الزائد المهموس، لان اصله تذتخرون، فغلب الذال، وهو حرف مجهور على التاء وادغمت التاء في الذال.
    قال الفراء: (وبعض العرب يقول: تدّخرون فيجعل الدال والذال يعتقبان في تفتعلان من ذخرت، وظلمت. تقول : مظّلم ومطّلم ومُذّكر ومدَّكر، وسمعت بعض بني اسد يقول: قد اتَّعر، وهذه اللغة كثيرة فيهم خاصة وغيرهم: قد اثّغر.. واما الذين غلّبوا الذال فامضوا القياس، ولم يلتفتوا الى انه حرف واحد فادغموا تاء الافتعال عند الذال والتاء والطاء)([36]) .
    فالذين غلبوا الذال ابدلوا التاء اشبه الحروف من موضع الذال الاصلي، وهو الدال ثم قلبوا الدال ذالاً وادغموه فيه، وهو قول من يقول في اصطبر وفي اضطرب اضّرب، وهذا العمل مطرد في امثاله، وذلك بقلب التاء الى جنس الاول وادغام الثاني في الاول وعلى هذا قالوا مظّلم واثغر([37]) . وهذه اللغة ليست فاشية. قال الطبري: (ومن العرب من يغلب الذال على التاء فيدغم التاء في الذال فيقول: وماتذخرون، وهو مذخر لك، وهو مذكر، واللغة التي بها القراءة الاولى هي اللغة الجودى، كما قال زهير: ان الكريم الذي يعطيك نائله عفواً ويظلم احياناً فيظلم، يروى بالظاء يريد فيفتعل من الظلم ويروى بالطاء ايضاً)([38]) . وانما استجاد لغة القراءة الاولى لتظاهر النقل من القراء بها ولان اصل الادغام ان تدغم الاول في الثاني([39]) يقلب الحرف الاول الى جنس الثاني، ثم ادغامه فيه، وعليه القراءة المشهورة (تذخرون)، قراءة الذال جاءت تغليباً للحرف الاصلي على الحرف الزائد لينبه به على الاصل، والادغام بقلب الزائد الى الاصل، كما في اظّلم ومظّلم واذّكر ومذّكر.
    المبحث الثاني
    الخفة
    اذا اجتمعت الكسرة مع الفتحة في موضع غلبتها لقوتها، ودليل قوتها انها من مقتضيات الامالة وبدونها لاتكون امالة اصلاً، لانهم انما يميلون لاجلها، وذلك ان اللسان يرتفع بالفتح، وينحدر بالامالة فكان الانحدار اخف عليهم من ان يصعدوا من حال التسفل، وكلما كثرت الكسرات كان ادعى للامالة لقوة سببها، وكل ماكانت له الكسرة الزم كان اقوى في امالة الالف([40]) الذي بعد الفتحة، لانها تمنع امالته وجنوحه الى الياء،لان الامالة انما هي ان تنحو بالفتحة نحو الكسرة فتميل الالف الذي بعدها نحو الياء للكسرة التي بعدها([41]) ، لانهم ارادوا ان يغلبوها على الفتحة التي تمنع العدول بالالف عن استوائه وتقريبه من الياء يجعل مخرجه بين مخرج الالف المفخمة وبين مخرج الياء([42]) التماساً للخفة، وهي تغلب الفتحة وان كانت محذوفة لانها موجبة للامالة، كما كانت توجيهاً قبل الحذف، لانها وان كانت محذوفة فهي من الكلمة.
    حكى سيبويه ان قوماً يميلون الالف في (مادّ) و (جادّ) للكسرة المنوية في عين فاعل المدغمة شبهوها بمالك، لان الكسرة في مالك كسرة اعراب لاتثبت ولايعتد بها، وقد اميل الالف من اجلها، فكذلك كسرة مادّ وجادّ المقدرة، تمال من اجلها، وان ذهبت في اللفظ. ومنهم من يقول هذا ماشْ في الوقف فيميل الالف في الوقف، وان لم يكن في لفظ الكلمة كسرة([43]) ، فامالوا لاجل الكسرة المقدرة كما امالوا للجر. ومنه قوله تعالى: (قالوا انا لله-البقرة156) قرئ([44]) (إنا) بالامالة اظهاراً لكسرة اللام التي في (لله) وان كان (نا) مما عُدّ مشبهاً للحرف الذي لا امالة فيه، لانها غير مشتقة ولامتصرفة فلايعرف لها اصل غير هذا الذي عليه([45]) .
    فكثرة الاستعمال جعلت (نا لله) كالكلمة الواحدة فوقعت الالف في (نا) قبل الكسرة، والالف تمال اذا كان بعدها حرف مكسور بان يجعل صوته بين بين، وتنحية الفتحة قبله نحو الكسرة لغلبة الكسرة عليها بدليل كسر الكاف من كافر لكسرة الالف المخرج بين بين، لانهم لما قربوا الالف من الكسرة اجتمعت الفتحة الملازمة له مع الكسرة، لان الالف ساكن، والساكن حاجز غير حصين، فغلبت الكسرة لقوتها ونحيت الفتحة، لانها من الالف لاملازمتها لها، ولم يغلبوها، لان الانحدار اخف عليهم من الاستعلاء وقد حسن ذلك كثرة الاستعمال، لانه سبب الخفة، وان قام على اظهار الاضعف على الاقوى كقراءة([46]) (الحمد لله-الفاتحة1)، لان الضمة اقوى الحركات لانها اولها([47]) ، ولان الاعراب اقوى من البناء وضمة الدال في (الحمدُ) اعراب وكسر اللام في (لله) بناء قال ابن جني: (فاذا قلت (الحمدُ لُله) فقريب ان يغلب الاقوى الاضعف، واذا قلت (الحمدِ لِله) جنى البناء الاضعف على الاعراب الاقوى)([48]) بتغليب كسرة الاتباع على ضمة الاعراب كقراءة([49]) قوله تعالى: (فلأِمِّه الثلث… فلأُمِّه السدس-النساء11) بكسر همزة (فلأِمِّه) اتباعاً حيث كسرت همزة (أمه) لانكسار ماقبلها فاتبع الكسر الكسر باظهار كسرة الاتباع على ضمة الاعراب واذا كانت الكسرة قد غلبت الضمة وهي اقوى منها في الاتباع). فمن باب اولى ان تغلب الحروف المستعلية التي تمنع الامالة وانما منعتها، لانها يستعلي اللسان بها عند النطق الى الحنك الاعلى، والالف اذا خرجت من موضعها استعلت الى الحنك الاعلى، فلما كانت مع احد هذه الحروف وهي: الصاد، والضاد ، والطاء، والظاء، والغين، والقاف، والخاء غلبت على الامالة، كما غلبت الكسرة عليها في مساجد ونحوها، فلما كانت الحروف مستعلية وكانت الالف تستعلي والامالة انخفاض كره الجمع بين الاستعلاء والانخفاض، وكان العمل من وجه واحد اخف عليهم، كما ان الحرفين اذا تقارب موضعهما كان رفع اللسان من وضع واحد اخف عليهم فيدغمونه([50]) فاذا كان حرف من هذه الحروف مكسوراً، فانه لايقوى على منع الفتحة من الامالة، لغلبة الكسرة عليها، وذلك في قولهم: الضِّعاف والصعاب والطناب والقباب والغلاف ونحوها([51])، ومنه قراءة([52]) قوله تعالى: (ذرية ضعافا-النساء9) بامالة فتحة العين في قوله: (ضعافا) لغلبة كسرة المستعلى عليها، لان الكسرة توهي استعلاء المستعلي، لدنوها منه، وبذلك تقوى على الفتحة فتغلبها وتنحو بها نحو الياء طلباً للخفة واذا كان المستعلي مفتوحاً وجاءت الراء مكسورة بعد الالف غلبت كسرة الراء فتحة المستعلي، لان الراء المكسورة كأنها حرفان مكسوران([53]) . تقوى على الفتحة وتميلها.
    وقرئ([54]) (القيام) واصله القَّيْوام غلبت الياء، وقرئ([55]) (القيم) واصله القَّيْوِم، فغلبت الياء ايضاً كقوله تعالى: (هيّن-مريم9)، واصله هّيْون، لانه من هان يهون هَوْنا وقيام كديار في قوله تعالى: (ديارا-نوح26) ، لان اصله دّيْوار فيعال من الدور([56]) ففعل به ماعل باصل سيد وميت.
    وقال الفراء: (واهل الحجاز اكثر شيء قولاً الفيعال من ذوات الثلاثة فيقولون للصواغ الصياغ)([57]) .
    ففي القيوم ثلاث لغات وجميعها جاءت على اظهار الياء لاجتماعها مع الواو طلباً للخفة.
    قال تعالى: (يوم نطوي السماء كطي السجل-الانبياء104) واصل (طيّ) طوْي، لانه مصدر طويته، يقال: طويت الصحيفة اطويها طياً. فالطيّ المصدر([58]) ونحوه فعول (ولم اك بغيا-مريم20) واصله بَغُوْي، وهو فعول من البغي قلبت واوه ياء، وادغمت ثم كسرت الغين اتباعا، ولذلك لم تلحقه التاء او فعيل بمعنى فاعل ولم تلحقه التاء، لانه للمبالغة او للنسبة كطالق([59]) . ومنه قوله تعالى: (العلي-البقرة255)، وهو فعيل واصله عّلّيْوْ([60]) ، لانه من العلو، فلامه واو اجتمعت مع الياء فغلبتها ومثله قوله تعالى: (القوي-هود66) واصله قَيَوْيوَّ([61]) ، فقلبت الواو التي بعد الياء ياء، وادغمت الاولى في الثانية، فقيل قوي، وهو فعيل من القوة، غلبت الياء فيه، كما غلبت في فعول ومفعول. ونحو ذلك قوله تعالى: (لَيّا-النساء46)، والاصل لَوْي، وهو مصدر لويته ألويه([62]) مثل شويته شيَّا.
    نتائج البحث
    1- بنيت قواعد الاعلال على اصول معينة اتخذت دليلاً على ما غير من نحوها.
    2- يظهر الاصل على غيره في كلام العرب للدلالة على تقديرهم لجذورهم اللغوية الاولى.
    3- الفعل الصحيح اصل والمعتل فرع، وذلك يظهر في تغليب الصحة على الاعلال في مواضع حفظت لتكون دليلاً على التغيير الذي يلحق الفعل المعتل. وهو مايكون دليلاً على ان اللغة بدأت محددة ثم اخذت بالاتساع لتلبي حاجات المجتمع.
    4- حرصت العرب على الانسجام الصوتي وعذوبته ورقته بما امتلكت من سلامة الذوق ورهافة الحس، وذلك في الاعلال والابدال والادغام.
    5- ان الصوت الاصلي يحفظ نفسه بظهوره في تصرف الكلمة وليس كذلك الزائد.
    6- ان امالة الالف نحو الياء اخف على اللسان من تفخيمها، لان الانحدار اخف على الانسان عموماً من الصعود.
    7- ان كثرة الاستعمال يجعل الكلمة خفيفة ويظهرها على غيرها.
    8- الضمة اقوى الحركات، لانها اولها، لكونها علم العمدة في الجملة العربية.
    9- يظهر الانسجام الصوتي في الابتعاد عن الجمع بين الاستعلاء والانخفاض في بناء واحد.
    10- يقوى الصوت بتكريره، ويضعف في تقدمه، وذلك لانه اذا تقدم كان الانحدار من عال الى سافل، وذلك اسهل من العكس.
    11- ان قلب الواو ياء لثقل اجتماعهما، لما بينهما من المماثلة والمقاربة وغلبت الياء لخفتها، لانها اخف عليهم من الواو لثقلها فقلبوا الثقيل ليخف كراهية ان ينقلوا الخفيف الى مايستثقلون.
    12- الادغام هو نقل الاثقل الى الاخف.
    13- التنازع الصوتي يقع بين كل صوتين اجتمعا في موضع واشتركا في العلة وتقاربا في الصفة كما يحصل بين الاصلي والزائد والاصلي والطارئ، والمستعلي والمنخفض والقوي والضعيف وصولاً الى التجانس الصوتي.
    مراجع البحث
    1- اتحاف فضلاء البشر في القراءات الاربع عشر، لاحمد البناء (1117هـ) دار الندوة، بيروت.
    2- الاشباه والنظائر في النحو، لجلال الدين السيوطي (911هـ)، الدكن، ط2، 1359هـ.
    3- اشتقاق اسماء الله ، لابي القاسم الزجاجي (340هـ)، تحقيق د. عبد الحسين المبارك، مطبعة النعمان، النجف الاشرف، 1394هـ-1974م.
    4- الامالي الشجرية، لابن الشجري (542هـ)، الدكن، ط1، 1349هـ.
    5- انوار التنزيل واسرار التأويل، للبيضاوي (685هـ)، المطبعة العثمانية، 1329هـ.
    6- الايضاح في شرح المفصل، لابن الحاجب (646هـ)، تحقيق د. موسى بناي العليلي، مطبعة العاني، بغداد.
    7- البحر المحيط، لابي حيان الاندلسي (754هـ)، مطبعة السعادة، ط1، 1328هـ.
    8- التبيان في اعراب القرآن، لابي البقاء العكبري (616هـ)، تحقيق: علي محمد البجاوي، دار احياء الكتب العربية، عيسى البابي وشركاه، 1976م.
    9- التبيان في تفسير القرآن، لابي جعفر الطوسي (460هـ)، تحقيق: احمد حبيب قصير العاملي، النجف، مكتب الامين، 1376هـ-1975م.
    10- التيسير في القراءات السبع، لابي عمرو عثمان بن سعيد الداني (440هـ)، تحقيق: اوتوبرتزل، استانبول، مطبعة الدولة، 1930م.
    11- جامع البيان في تفسير القرآن، لابي جعفر بن جرير الطبري (310هـ)، دار المعرفة مصورة، بيروت، ط3، 1398هـ-1978م.
    12- الجامع لاحكام القرآن، لابي عبد الله بن احمد القرطبي (671هـ)، تحقيق: مصطفى السقا وصاحبيه، القاهرة، 1380هـ-1961م.
    13- الخصائص، لابي الفتح عثمان بن جني (392هـ)، تحقيق: محمد علي النجار، دار الهدى، بيروت، ط2، 1372هـ-1952م.
    14- الزاهر في معاني كلمات الناس، لابي بكر محمد بن القاسم الانباري (328هـ)، تحقيق: د. حاتم الضامن، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط2، 1987م.
    15- سر صناعة الاعراب، لابن جني، تحقيق: مصطفى السقا ومحمد الزفزاف وابراهيم مصطفى وعبد الله امين، مطبعة البابي الحلبي واولاده، مصر، ط1، 1374هـ-1954م.
    16- شرح ابن عقيل (769هـ)، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة السعادة، القاهرة، ط2، 1384هـ-1964م.
    17- شرح الفية ابن مالك، لابن الناظم (686هـ)، تحقيق: د. عبد الحميد السيد محمد عبد الحميد، دار الجيل، بيروت.
    18- شرح عيون الاعراب، لابي الحسن بن فضال (479هـ)، تحقيق: د. حنا جميل حداد، مكتبة المنار، الاردن، ط1، 1406هـ-1985م.
    19- شرح المفصل، لابن يعيش (643هـ)، المطبعة المنيرية بمصر.
    20- الكامل، لابي العباس محمد بن يزيد المبرد (285هـ)، تحقيق: محمد ابو الفضل ابراهيم، وجماعته، دار الفكر العربي.
    21- كتاب سيبويه (180هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون، ط1، عالم الكتب، بيروت.
    22- الكشاف، لابي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري (538هـ)، دار المعرفة، بيروت.
    23- لسان العرب، لابن منظور (711هـ)، تحقيق: عبد الله علي الاكبر ومحمد احمد حسب الله، وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، القاهرة.
    24- اللمع في العربية، لابن جني، تحقيق: حامد المؤمن، مطبعة العاني، بغداد، ط1، 1402هـ-1982م.
    25- مجموعة الشافية من علمي الصرف والخط، للجاربردي (746هـ)، وحاشية لابن جماعة (926هـ)، بيروت، عالم الكتب، 1310هـ.
    26- المحتسب في تبين وجوه شواذ القراءات والايضاح عنها، لابن جني، تحقيق: علي النجدي ناصف معبد الحليم النجار وعبد الفتاح اسماعيل شلبي، القاهرة 1386هـ.
    27- مختصر في شواذ القرآن، لابن خالويه (370هـ)، عني بنشره برجستر اسر، دار الهجرة.
    28- المخصص، لابن سيده، ، دار الفكر.
    29- معاني القرآن، للفراء (207هـ)، عالم الكتب، بيروت، ط2، 1980م.
    30- معجم مفردات الفاظ القرآن، للراغب الاصفهاني، تحقيق: نديم مرعشلي، دار الفكر، بيروت.
    31- مفاتيح الغيب، للرازي (604هـ)، بيروت، ط3، 1405هـ-1985م.
    32- المفصل في علم العربية، للزمخشري، دار الجيل، بيروت، ط2، 1323هـ.
    33- المقتضب، للمبرد (285هـ)، تحقيق: محمد عبد الخالق عضيمة، عالم الكتب، بيروت.
    34- مقدمتان في علوم القرآن، وهما مقدمة كتاب المباني، ومقدمة ابن عطية، نشرهما آرثر جفري، مكتبة الخانجي بمصر، 1954م.


    ________________________________________
    ([1]) ينظر: شرح المفصل: 7/71، الايضاح في شرح المفصل: 2/450، الممتع في التصريف: 2/429.
    ([2]) ينظر: الخصائص: 3/138، سر صناعة الاعراب: 1/131، شرح المفصل: 9/137.
    ([3]) ينظر: الامالي الشجرية: 1/299.
    ([4]) ينظر: سر صناعة الاعراب: 1/308، الكشاف: 2/18.
    ([5]) ينظر: الخصائص: 1/138، 141.
    ([6]) ينظر: معاني القرآن: 3/222-223.
    ([7]) وهي قراءة ابي عمرو، ينظر: التيسير: 218، والنشر: 2/396، الاتحافف: 430.
    ([8]) ينظر: الخصائص: 1/141-142، الكشاف: 4/203، انوار التنزيل: 777.
    ([9]) ينظر: الخصائص: 1/394.
    ([10]) ينظر: جامع البيان: 5/214، الجامع لاحكام القرآن:5/419.
    ([11]) وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم. ينظر: مختصر في شواذ القرآن: 175.
    ([12]) ينظر: الخصائص: 1/396، الكشاف: 4/263، انوار التنزيل: 208-.
    ([13]) ينظر: اللسان: مادة (ودع).
    ([14]) وهي قراءة الحسن. ينظر: مختصر في شواذ القرآن:: 64، الاتحاف/ 265.
    ([15]) ينظر: التبيان في تفسير القرآن: 6/147.
    ([16]) ينظر: شرح المفصل:10/150.
    ([17]) وهي قراءة ابن مسعود وعيسى وقتادة. ينظر: مختصر في شواذ القرآن: 148.
    ([18]) ينظر: الكشاف: 4/38، ومفاتيح الغيب: 29/42.، انوار التنزيل: 702.
    ([19]) الكتاب: 4/469.
    ([20]) معاني القرآن: 3/107، جامع البيان: 27/56.
    ([21]) وهي قراءة زيد بن علي: ينظر: البحر المحيط: 8/174.
    ([22]) ينظر: الكشاف: 4/36، الجامع لاحكام القرآن: 17/128، انوار التنزيل: 701.
    ([23]) معاني القرآن: 1/216.
    ([24]) ينظر: سر صناعة الاعراب: 1/220، اللسان: مادة (سعط)، النشر: 1/214.
    ([25]) ينظر: المخصص:13/173، شرح المفصل: 10/51.
    ([26]) ينظر: المخصص: 13/268.
    ([27]) وهي قراءة ابن كثير برواية قنبل عنه. ينظر: التيسير: 18-19، انوار التنزيل:5، الاتحاف:123.
    ([28]) وهي قراءة هشام. ينظر: التيسير: 222.
    ([29]) ينظر: معجم مفردات الفاظ القرآن: 235-236، الكشاف: 1/67-68، شرح المفصل:10/34، اللسان: مادة (سرط).
    ([30]) ينظر: الجامع لاحكام القرآن: 17/75، اللسان: مادة (سطر).
    ([31]) ينظر: مقدمتان ففي علوم القرآن: 147.
    ([32]) ينظر: الكتاب: 4/240، المقتضب: 1/64، شرح المفصل: 10/34-35.
    ([33]) ينظر: مقدمتان في علوم القرآن: 147.
    ([34]) وهي قراءة أي عمرو. ينظر: المخصص: 13/273، النشر: 1/49.
    ([35]) وهي قراءة مجاهد والزهري وايوب السختياني وابو السمال. ينظر: البحر المحيط: 2/467.
    ([36]) معاني القرآن: 1/215-216.
    ([37]) ينظر: شرح المفصل: 10/150/، اللسان: مادة (ذخر). تاج العروس: 3/222.
    ([38]) جامع البيان: 3/195.
    ([39]) ينظر: الكتاب: 4/467-469.
    ([40]) ينظر: الكتاب: 4/117، 127، 130، المقتضب: 3/42، شرح المفصل: 9/56، النشر: 2/35.
    ([41]) ينظر: سر صناعة الاعراب: 1/58، الايضاح في شرح المفصل: 2/291-292، شرح الالفية، لابن الناظم: 814.
    ([42]) ينظر: شرح المفصل: 9/54.
    ([43]) ينظر: الكتاب: 4/132، المخصص: 17/150.
    ([44]) وهي قراءة الكسائي. ينظر: مختصر في شواذ القرآن: 11.
    ([45]) ينظر: شرح المفصل: 9/66.
    ([46]) وهي قراءة الحسن البصري ورؤبة. ينظر: مختصر في شواذ القرآن: 1.
    ([47]) ينظر: شرح عيون الاعراب: 88، 92، 263.
    ([48]) المحتسب: 1/38.
    ([49]) وهي قراءة حمزة الكسائي. ينظر: الخصائص: 3/141، التيسير: 94، النشر: 2/248، الاتحاف: 187.
    ([50]) ينظر: الكتاب: 4/129، المقتضب: 3/46-47.، شرح المفصل: 2/269.
    ([51]) ينظر: الكتاب: 4/130، المفصل: 336-337، شرح المفصل: 9/60.
    ([52]) وهي قراءة حمزة . ينظر: التيسير: 51، النشر: 2/63، الاتحاف: 88.
    ([53]) ينظر: شرح المفصل: 9/61.
    ([54]) وهي قراءة عمر بن الخطاب وابن مسعود. ينظر: معاني القرآن: 1/19.
    ([55]) هي قراءة علقمة بن قيس. ينظر: مختصر في شواذ القرآن: 19.
    ([56]) ينظر: الكشاف: 4/165، الجامع لاحكام القرآن: 18/313، انوار التنزيل: 763.
    ([57]) معاني القرآن: 1/190.
    ([58]) ينظر: الممتع في التصريف: 2/558، اللسان: مادة (طوي)، الاشباه والنظائر: 1/47.
    ([59]) ينظر: الكشاف:2/505، الممتع في التصريف:2/549، انوار التنزيل: 404.
    ([60]) ينظر: اشتقاق اسماء الله: 182، اللسان: مادة (علا).
    ([61]) ينظر: اشتقاق اسماء الله: 256.
    ([62]) ينظر: الممتع في التصريف: 2/689، اللسان: مادة (لوى).

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 07, 2016 7:23 am