منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    البلاغه في المجتمع

    شاطر

    عبدالعزيز 3

    عدد المساهمات : 7
    نقاط : 24
    تاريخ التسجيل : 13/03/2010

    البلاغه في المجتمع

    مُساهمة  عبدالعزيز 3 في السبت مارس 13, 2010 10:49 pm

    اللغة هى وسيلتنا الأولى للتعبير عما بداخل رؤوسنا ونفوسنا وتعد أهم طريقة نتواصل بها مع الآخرين،كتابنا محور عرض اليوم"البلاغة العصرية واللغة العربية" للراحل سلامة موسى تناول من خلال سلسلة من المقالات تقترب من الأربعة عشر إشكالية اللغة العربية ومشكلاتها وتأثير تلك المشكلات على المتحدثين بها.
    في مقدمة الكتاب أشار موسى إلى أن الجميع يتحدثون عن اللغة العربية وخطورة ما وصلت إليه على أساس أن التأخر اللغوي في مصر واحد من أسباب التأخر الاجتماعي الذي يعانى منه المجتمع فاللغة حينما تحرم أبنائها من كلمات الثقافة العصرية إنما بذلك تحرم على المجتمع المعيشة العصرية والبريطانيين عندما فرضوا سيطرتهم على الهنود إنما كانت سيادتهم في البداية لغوية حيث لغة توفر عدد خصب من المعارف والكلمات والأخلاق وهذا كله يوجه السلوك ويحقق السيادة لصاحب اللغة المسيطرة.
    اللغة المثلي باعتقاد موسى لا تلتبس كلماتها ولا تتنساخ معانيها أو تتشابه بل يؤدى كل لفظ فيها معنى مختلف في فروق واضحة كالفرق بين الرقمين 5 و6 على سبيل المثال،وفي عصر التمدن يحتاج البشر للغة خصبة تسمح وتتسع لاختراع كلمات جديدة التي تلبي احتياجات المتمدينين لمفردات جديدة.
    هناك عدد من الكتاب المصريين كما يرى موسى يحاولون استخدام اللغة العربية في الأدب بطريقة تشير إلى أنهم يرغبون في استرداد الأمس لذلك مجتمعنا مازال يعيش بمفردات المجتمع الزراعي ولم يعرف المفردات الجديدة للمجتمع الصناعي لذلك عقلية الأغلبية عقلية قديمة جامدة يغذيها التبلد ولا تنظر سوى للماضي وهذا مالا ينبغي على الكتاب أن يدعون له بل عليهم استباحة الكلمات العلمية التي تعنى استباحه حضارة المنطق والعلم والرقي الصناعي بدلاً من الحضارة الآداب والعقائد والزراعة.
    اللغة ليست فقط مجرد مفردات لفظية كما يصفها موسى وإنما هى واحدة من المؤسسات العظيمة داخل أي أمة لأنها وسيلة التفكير ومستودع تراث القيم الاجتماعية والعادات الذهنية،واللغة عند القبائل البدائية لا تتعدى الثلاثمائة كلمة وتبلغ مئة ألف كلمة عند الأمم المتمدينة التي تحتل فيها الفنون والعلوم مكانة مرتفعة،اللغة الراقية هى القادرة على أن تستخدم في العلوم والفنون والفلسفة بمعنى أنه في العلم يمكن التمييز بين معانيها وفي الفلسفة يمكننا أن نعبر بها بوجهه فلسفية ونضع الكثير من الكلمات الجديدة أو نكسب القديم منها معاني جديدة.
    الغاية من اللغة على اعتبارها وسيلة للتفكير الفهم ولكن لنصل إلى تلك الغاية من اللغة ستظل جميع اللغات عاجزة عن التعبير الدقيق لأن الدقة التامة لا تتحقق من خلال مفردات لفظية وإنما حقائق رقمية لذلك الرقي في اللغة يساوى ويعنى الدقة،ففي مصر نقول على سبيل المثال"وزير" وتلك مساوية في أمريكا لكلمة"سكرتير" وعلى الرغم من أن مهام الاثنين واحدة في البلدين إلا أن التعبير اللغوي مختلف في أمريكا إيحاء اللفظ ديموقراطي وفي مصر أرستقراطي أي أن اللغة تعطى كلماتها إيحاءات ذهنية وفقاً لكل مجتمع إضافة إلى أن للكلمات توجيه اجتماعي فمثلاً كلمة"البر" واحدة من أفضل الكلمات التي توحي بالتعاون والإخاء في حين أن كلمة"الدم" قد تتسبب في إحداث كوارث وقتل لأنها تحمل شحنة عاطفية كبيرة تدفع الرجال للقتل بلا أي تفكير.
    أوضح موسى أن هناك أسباب كثيرة صنعت تطور الإنسان ووصلت به للسيادة على سائر الحيوانات منها ضخامة دماغه التي ساعدته على التفكير السديد كما أن قامته المنتصبة حررت يديه وساعدته على حمل الآلات والأشياء ثم أن اعتماد الإنسان على النظر بدلاً من الشم جعله يشرف على مجال فسيح مما ساعد العقل البشري على أن يكون قادراً على المقارنة والتمييز.
    التفكير الحسن أو العبقري يرجع إلى اللغة فكلما كانت راقية وتحمل الكثير من المعاني الأنيقة والراقية والدقيقة التي لا توجد في كلمات اللغات الأخرى،فـ"جيته"لو كان ولد في قبيلة أفريقية لحتماً كان لم ينتج أياً من مؤلفاته لأن لغة القبيلة لم تكن ستسعفه بالكلمات ليؤدى المعاني التي يريد ذهنه أن يخرجها للعالم.
    اللغة الحية برأي موسى هى التي تتفاعل مع المجتمع ترتقي بارتقائه وتنحط بأنحطاطه أي تتطور وهذا التطور ينشأ بين اللغة والمجتمع نتيجة اتصال فسيولوجي كما بين اليد والذهن فكلاهما يخدم الأخر وينتفع به،ولهذا يجب ألا يكون للمجتمع لغتان إحداهما كلامية والأخرى عامية مكتوبة وفصحى،لأن نتيجة هذا التقسيم هو الانفصال فتصبح هناك لغة للكهان ولغة أخرى للكلام والكتابة والحل لذلك الانفصال يكون من خلال السعي لتوحيد لغتي الكلام والكتابة فنأخذ من العامية للكتابة أكثر ما يمكن ونأخذ من الفصحى للكلام ما يمكن حتى نصل للتوحيد.
    المجتمع ورث كلمات عديدة كانت تعبر في الماضي عن حاجات بعينها وهى كلمات ترسخ أفكار اوتوقراطية أرستقراطية لا تتناسب مع طبيعة العصر الحالي ولا يمكننا حتى ترجمتها إلى لغات أخرى مثل كلمات"صاحب العزة،حضرة،صاحب الدولة"،المجتمع القديم أيضاً أورثنا عدد من الكلمات بشأن المرأة تؤكد أن الفكر في ذلك الوقت كان يلغي المرأة من الحياة الاجتماعية إلغاء تام وهذا مالا يتناسب مع الواقع الآن لكننا نستخدمه عندما نتلفظ بمفردات من قبيل"أم فلان،حرم فلان"وإهمال ذكر أسم المرأة هو سبه لها وإنكار لشخصيتها ويجب الوقوف في وجه هذا لأن إهمال أسم المرأة ما هو إلا تراث لغوى قديم كما وصفه موسى يحمل إلينا عقيدة اجتماعية من الأمور الصحية مكافحتها لجعل اللغة ديموقراطية لتناسب المجتمع الديموقراطي.
    طبيعة الكلمات الجمود برأي موسى لكن طبيعة الأشياء هى التي تتغير وهذا التغيير يصل لأقصى مدى في الإنسان ذلك لأنه يعيش في مجتمع تتغير دوماً به الأخلاق والعادات والآراء.
    لتفكيرنا الإنساني أسلوبين الأول موضوعي ويحدث حينما نتجرد من أحاسيسنا الشخصية كما لو قلنا أسد وشارع دون انفعال وإذا كان هناك حوار وذكر أحدهم كلمات شمس أو ما شابهها لن تجد أحد يحتج قائلاً ماذا تعنى وذلك لأن المعنى واضح والكلمات موضوعية لا تتأثر بالذات والمفكر بطريقة علمية يحاول دائماً أن يصل لهذا الأسلوب العلمي حين يبحث أي مشكلة يتجرد من ميوله وإحساسه وكل ما يحب أو يكره،الأسلوب الثاني للتفكير هو الذاتي أي أسلوب الأديب والفنان لأن حديثهم يدور حول معاني الجمال والذوق والعظمة وكل تلك الكلمات ذاتية تعبر عن إحساسات وانفعالات،لذلك هناك دائماً خلاف حول أراء هؤلاء فلو قال أحدهم أن القناعة من فضائل الفلاح فسوف تجد من يرد عليه وله انفعالات نفسية لا ..بل هى من رذائله،فالقناعة كلمة ذاتية ترتبط بالانفعال والإحساس مثلها مثل كلمات كالغناء والجمال والذكاء.
    الكاتب الذكي باعتقاد موسى هو الذي يسعى بمحاولات ليكون علمياً وموضوعياً وليس عامياً ذاتياً لأن التفكير السليم هو الذي ينقلنا من النظر الذاتي للأشياء للنظر الموضوعي ومن الوصف العام إلى الوصف بالأرقام الذي يرقي الأمم لأنه لغة العلم أما الكلمات الذاتية فهي وسيلة لارتقاء الأمم مثل شرف وشهامة وأنفة لكنها أيضاً ساهمت في انحطاطها مثل كلمات كفر ونجاسة وغيرها.
    تحت عنوان"فن البلاغة"كتب موسى موضحاً أن إحالة الوسائل إلى غايات واحدة من أسوأ الانحرافات الذهنية في الإنسان،فالمال على سبيل المثال وسيلة لإسعاد الناس وهذا هو الفهم العام له لكن أن يكون غاية بحيث يبقي الإنسان طيلة حياته في أسر جمع المال فإن سلوكه هذا يكون انحرافاً وهو يشابه الكثير من الأقوال مثل أن الأدب أو الثقافة أو الفن غاية الحياة في حين أن الحياة في حد ذاتها هى غاية والفن واللغة والأدب وغيرها وسائل للحياة لأنها لخدمة الحياة ومن خلالها نصل لمستوى أعلى في الحياة.
    روى موسى في كتابه تحت عنوان"المؤلفون المصريون يؤلفون بالإنجليزية" أن الحكومة الإيطالية عندما دعت إسماعيل سري للسفر إلى ايطاليا لمعاينة أحد الأنهار وكتابة تقرير عن الإمكانيات المائية لهذا النهر وبالفعل ذهب هو إلى هناك وظل عاماً يتابع النهر وألف كتاباً كبيراً عن كيفية استخدام هذا النهر في الزراعة لكن باللغة الإنجليزية وليس العربية ذلك لأن كفاءته مكنته من الفهم والتأليف وإيجاد الحلول لكن لغته العربية ليست بكفاءته لذلك لم يتمكن من التعبير بها وهذا كما أشار موسى ليس حال إسماعيل سري فقط وإنما حال كل العلماء المصريين من الأطباء والزراعيين وغيرهم الذين يجدوا عجزاً بالغاً في حروف اللغة العربية لتزداد الكارثة بمحاولة مجمع اللغة العربية ترجمة الكلمات العلمية لأخرى عربية مما أوضح كما أكد موسى على حجم العجز البالغ والخطير في التأليف العلمي ومقدرة اللغة العربية على استيعاب المفردات العلمية.
    ذلك الحال للغة العربية جعل موسى وفق ما أشار بكتابه محور العرض يشعر بالمرارة والحزن لأن المجتمع المصري مليء بالكفاءات في الجوانب العلمية المختلفة لكنهم-أي الكفاءات- غير قادرين أن يقدموا بلغتهم سطراً واحداً للعلم مما ساهم في توقف المجتمع عن تحقيق أي نهضة كبيرة كانت أو صغيرة وأصبح الشعب يؤمن فقط بالغيبيات والخرافات لأننا كمصريين قدسنا لغتنا ولم نغيرها أو نضيف لها وبهذا فقدت دورها كأداة اجتماعية ووسيلة للتفاهم بين أبناء الشعب تستبدل مفرداتها بغيرها دون أن يعتبر هذا التغيير تجريحاً لقدساً من الأقداس،ولحل تلك المشكلة مع لغتنا العربية الغير قادرة على التفاعل مع العلم أقترح موسى شيئيين هما:
    **عدم اختراع أسماء للكلمات العلمية بل ندخلها للغة كما هى،فالكلمات العلمية مكانها من الثقافة البشري عالمي وجميع المثقفين يعرفونها كما هى لأنها كلمات عالمية أتفق علماء العالم المتمدنين عليها كـ "هورمون،بكتريا،أكسوجين......"
    **كتابة اللغة العربية بالحروف اللاتينية وهى ضرورة حتمية كما أكد موسى فكلمة"ملك"على سبيل المثال عند كتابتها بالعربية تعنى معاني كثيرة لكن إذا كتبت بحروف لاتينية وتم ضبطها فسوف تعنى معنى واحد فقط.
    أختتم موسى كتابة بذكر عمره الذي كان وقت تأليف الكتاب تخطى السبعين وأكد أنه طوال حياته كان يقرأ كتباً علمية ونفسية باللغات الأجنبية ولم يقرأ بالعربية لأي من تلك العلوم،وهذا خطير برأيه لأنه يعنى أن من لا يعرف لغة غير عربية سيسير في درب الجهل إلى ما لانهاية لأن المتحدثين بالعربية تعصبوا لحروفها ولم يطوروها فأصاب المجتمعات المتحدثة بها الذبول والموت.

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس ديسمبر 08, 2016 4:49 am