منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    تقنية النانو

    شاطر

    محمد الظاهري

    عدد المساهمات : 5
    نقاط : 15
    تاريخ التسجيل : 11/03/2010

    تقنية النانو

    مُساهمة  محمد الظاهري في الأحد مارس 14, 2010 2:34 pm

    تقنية النانو والبحث العلمي في المملكة
    د. حمد بن عبدالله اللحيدان
    مرت التقنية الالكترونية بعدة مراحل أطلق على كل منها مصطلح جيل. هذا وقد مثل الجيل الأول استخدام المصباح الالكتروني، ومثل الجيل الثاني استخدام الترانزستور، ومثل الجيل الثالث استخدام الدارات التكاملية (Integrate Circut) وهذه أدى استخدامها إلى اختزال حجم العديد من الأجهزة من ناحية ورفع كفاءتها من ناحية أخرى، والجيل الرابع تمثل في استخدام المعالجات الصغيرة Microprocossor، أما الجيل الخامس الذي حل بين ظهرانينا فهو تقنية النانو Nanotechnology والتي تشكل ثورة عارمة طالت تطبيقاتها جميع المجالات والتخصصات.
    هذا وقد أشرنا في مقالنا السابق «عصر تقنية النانو» إلى أن قصص الخيال العلمي التي كنا نقرأ عنها في القصص أو نشاهدها في الأفلام قد تحولت إلى واقع حقيقي ملموس. وقد تمثلت بعض تلك الانجازات في امكانية صناعة سفينة نانوية (متناهية الصغر) وارسالها في رحلة تجوب بحار جسم الإنسان ومجاهيله عبر دورته الدموية والوصول إلى أماكن لم يكن بالإمكان الوصول إليها وذلك بغرض التشخيص والعلاج. وهذا يشمل ذلك علاج السرطان ومرض السكر. وكذلك إجراء العمليات الجراحية وترميم الأنسجة التالفة بواسطة ريبوتات نانوية ناهيك عن صنع ما يشبه خلايا الدم الحمراء والقيام بدورها عند تعطلها أو عدم كفاءتها.
    أما تطبيقات الاستشعار عن بعد وتصوير الأرض من الفضاء فقد أًصبح لتقنية النانو باع طويل فيها وذلك أن الموجات النانوية المستخدمة في تلك التطبيقات تستطيع أن تخترق أصغر الأشياء وأن تصل إلى أبعد الأعمال. ومثل هذه التقنيات تستطيع أن تستفيد منها الدول المنتجة للنفط مثل المملكة في عدد كبير من التطبيقات لعل أبرها:
    إن المملكة تشغل مساحة شاسعة يصعب استكشاف جميع مجاهلها ومواردها بالطرق التقليدية ويأتي في مقدمة ذلك استكشاف مزيد من الموارد الطبيعية مثل الغاز والبترول والمعادن وقبل ذلك وبعده مناطق الوفرة المائية التي نحن في أمس الحاجة إليها.
    استخدام تقنية النانو في صناعة الأنابيب الناقلة للنفط وكذلك الناقلة للمياه وذلك أن الأنابيب المصنعة بواسطة تقنية النانو تعتبر مقاومة للصدأ لفترة زمنية طويلة قد تصل إلى قرن من الزمن أو أكثر. ومن الجدير بالذكر أن مثل تلك الأنابيب تعتبر أقوى من تلك المصنعة من الحديد مئة مرة وأخف منها ست مرات أيضاً.
    تحسين الإنتاج الزراعي والصناعي وذلك عن طريق تخفيض التكاليف وزيادة الجودة وربما يمكن بواسطة تلك التقنية الوصول إلى أساليب جديدة في جعل النباتات أقل استهلاكاً للماء وكذلك إيجاد وسائل أنجع لترشيد استهلاك الماء وكذلك الكهرباء خصوصاً أننا نستهلك كميات كبيرة منها مع علمنا الأكيد بأننا دولة صحراوية محدودة الموارد المائية. ليس هذا وحسب بل أن تقنية النانو سوف تمكن من إنتاج مبيدات كيميائية أٍقوى وأُفضل وكذلك تخفض تكاليف المعالجة الكيميائية للمحاصيل وهذا يمكن من القضاء على الآفات والحشرات التي تفتك بالمحاصيل الزراعية ناهيك عن صنع كواشف نانو لها القدرة على اكتشاف الأمراض التي تصيب النباتات.
    تحلية المياه بواسطة تقنية النانو أصبحت ذات أهمية بالغة وذلك لما تنوي عليه تلك التقنية من مقدرة فائقة على الدقة والنجاح وخفض التكاليف والقدرة على إنتاج ومعالجة كميات أكبر من المياه الصالحة للاستخدام الآدمي والزراعي.
    لتقنية النانو دور كبير في القضاء على التلوث بأنواعه المختلفة سواء كان ذلك على الأرض أو البحر أو حتى في الهواء وذلك بصورة مباشرة أو عن طريق إنتاج أجهزة لها القدرة على الحد من الانبعاثات الملوثة مثل ثاني أكسيد الكربون وغيره من الملوثات.
    إن الدول المتقدمة وشركاتها العملاقة وضعت ثقلها خلف أبحاث تقنية النانو ورصدت ميزانيات ضخمة لهذا الغرض وصلت في اليابان إلى أكثر من مليار دولار وفي أمريكا يتوقع أن يصل المبلغ المخصص لذلك أكثر من ترليون دولار للست سنوات القادمة. وهذا الاهتمام وتلك الميزانيات الضخمة تعكس أهمية ذلك التوجه الذي تسعى من خلاله تلك الدول والشركات إلى استمرار هيمنتها على السوق العالمية في جميع المجالات الأخرى من طبية واقتصادية وبيئية واستكشافية وتكنولوجية أخرى. وعليه فإننا مندوبون اليوم لكي نكون من السباقين إلى توطين تلك التقنية من خلال اختصار الزمن وتقصير الطريق بالبداية من حيث انتهى الآخرون ولعل الإسراع في إعداد الكوادر الوطنية المؤهلة والمتخصصة في مجال تقنية النانو في جميع المجالات والتخصصات أًصبح هاجساً وطنياً له أهميته ومبرراته وذلك لكي تمسك تلك الكوادر بزمام المبادرة وتخفف البحث عن الكوادر المجتهدة التي تبذل ما تستطيع من جهد واجتهاد.
    من المعلوم أن الشمس هي المصدر الأساسي للطاقة سواء بصورة مباشرة أو بصورة غير مباشرة. لذلك تعتبر من أهم مقومات الحياة على الأرض. وقد تنبه الإنسان إلى ذلك وأدركها منذ اكتشاف الظاهرة الكهروضوئية. إن هذا المصدر للطاقة يتميز بالاستمرارية والوفرة والنظافة وقد صمم العلماء الخلايا الشمسية لكن نجاحها ظل محدوداً لضآلة المردود وارتفاع التكاليف. الآن تقنية النانو أعادت الأمل إلى الاستغلال الأمثل لتلك الطاقة من خلال استعمال رقائق النانو (Nano - Flaks) التي تستطيع تحويل أكثر من ٣٠٪ من الطاقة الشمسية إلى كهرباء ويؤمل العلماء أن يطوروا تلك التقنية لتستطيع تحويل أكثر من ٦٦٪ من الطاقة الشمسية إلى كهرباء وذلك باستخدام ما يسمى بالنقاط الكمية Quantm Dots.
    خلايا الوقود هي إحدى البدائل المرشحة لتحل محل الوقود الأحفوري في حالة أصبح إنتاجها أرخص وأوفر من البترول أو في حالة نضوب البترول الذي يقدر عمره الافتراضي حسب الاستهلاك العالمي له بحوالي ستين أو سبعين سنة ما لم تكتشف احتياطيات وفيرة جديدة. الأن يعكف العلماء على توفير بديل للوقود الأحفوري (البترول) من خلال عدة مسارات مثل الوقود الحيوي والاستفادة من طاقة الرياح والمياه والحرارة الأرضية إلا أن التوسع في مجال إنتاج وتطوير خلايا الوقود الهيدروجينية بواسطة تقنية النانو أصبح يحظى باهتمام بالغ. وخلايا الوقود الهيدروجينية تقوم بتحويل طاقة الهيدروجين إلى كهرباء، ومن أهم مميزات خلايا الوقود هذه أنها لا تلوث البيئة لأن مختلفات احتراقها عبارة عن الماء.
    اليوم الشركات العالمية بمختلف أنشطتها تتنافس في عملية سباق محموم على الاستفادة من تقنية النانو في تصنيع منتجاتها سواء كانت في مجال الصناعات الثقيلة مثل صناعة السيارات والطائرات التي سوف تجعلها هذه التقنية أخف وزناً وأكثر كفاءة وأقل كلفة ناهيك عن صناعة الأجهزة المنزلية وأجهزة التلفزيون والتي نشاهد بعض معالمها هذه الأيام من خلال شاشات البلازما والشاشات السائلة LCD.
    وعلى العموم فإن المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ومعاضده سمو ولي عهده الأمين وسمو النائب الثاني حفظهم الله قد أدركت أهمية هذه التقنية وأهمية توطينها وأهمية الاستفادة منها. ولقد كان لرؤية الملك عبدالله حفظه الله القول الفصل في هذا التوجه الذي بدأته بتبرع شخصي خصص لأبحاث تقنية النانو في كل من جامعة الملك سعود وجامعة الملك عبدالعزيز وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن. ثم تلا ذلك موافقته حفظه الله على إنشاء معاهد ومراكز مخصصة في تقنية النانو حيث أنشأت جامعة الملك سعود معهد الملك عبدالله لتقنية النانو وجامعة الملك عبدالعزيز مركز النانو تكنولوجي وجامعة الملك فهد للبترول مركزاً متخصصاً في أبحاث دراسات تقنية النانو.
    ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أن مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية قد وقعت اتفاقية مع شركة IBM لإنشاء مركز دولي للأبحاث في تطبيقات النانو وتحلية المياه والطاقة والبتروكيمياويات.
    ولا شك أن وزارة التعليم العالي تبذل جهوداً جبارة من أجل تذليل الصعاب التي تواجه ذلك التوجه والعمل على التوسع فيه للوفاء بمتطلبات رؤية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله.
    كما أن لجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية دورا بارزا في مجال تقنية النانو حيث وقعت عدة اتفاقيات مع عدد من الجامعات العالمية للتعاون في هذا المجال الحيوي والهام والذي أًصبح النجاح حليف من يحقق قصب السبق ويفوز فيه.
    يتضح مما سبق أن البنية التحية لأبحاث ودراسات تقنية النانو في المملكة بدأت تتبلور وأًصبح لكل معهد ومركز نشاطات وتوجيهات تمثلت في المرحلة الحالية في وضع النظم واللوائح وإًصدار المجلات التوعوية والمتخصصة واستقطاب المتخصصين وعقدت اتفاقيات تعاون بالإضافة إلى عقد الندوات وورش العمل والمؤتمرات المحلية والدولية ولا شك أن ذلك يمثل بداية موفقة إلا أن الأبحاث الاستراتيجية التي تدخل ضمن اهتمامات الدولة لا بد وأن توجد جهة عليا تديرها وتتابع نتائج الأبحاث التي توضع لها خطط زمنية محدودة للوفاء بها وانجازها لذلك فإنني اقترح إنشاء الهيئة العليا للبحث العلمي تكون مهمتها تحديد نقاط البحث الاستراتيجية وتوجيه الجهات المعنية من معاهد ومراكز أبحاث للوفاء بها على أن تتكون تلك الهيئة من متخصصين على درجة عالية من العلم والتفكير الاستراتيجي نقول ذلك لأن جميع الدول يوجد فيها نوعية من الأبحاث أحدهما تقوم به المجموعات البحثية بمبادرة ذاتية وهي التي تحدد مدى اتساع البحث وميزانيته ومدى أهميته. وأبحاث تدخل ضمن القرار السياسي والسيادي للدولة وهي تشرف عليه وتتابعه هيئات عليا متخصصة.
    نعم إننا في أمس الحاجة إلى البحث الاستراتيجي الموجه والمدعوم والذي يكون في كثير من الأحيان يتسم بالسرية التامة إذا كان ذا مساس بالأمن والاقتصاد الوطني. إن هذا النوع من التوجه يشمل جميع أنواع الأبحاث التطبيقية ذات الأهمية البالغة لأمن واقتصاد ودفاع هذا الوطن الكريم سواء كان ذلك في مجال تقنية النانو أو غيرها من المجالات التي تتسم بالأهمية البالغة.
    أما العامل الثاني لدعم أبحاث ودراسات تقنية النانو فهو أن يكون لدى القطاع الخاص من شركات صناعية واستثمارية مزيد من الحس الوطني نحو إنشاء مختبرات بحث وتطوير خاصة بها أو تقديم الدعم المادي للجامعات للقيام بمشاريع أبحاث تطويرية مشتركة وبالتالي يكون هناك فائدتان لكل من الشركة مقدمة الدعم حيث تستفيد من الأبحاث ومن تسهيلات التدريب وإعادة التدريب لمنسوبيها داخل الجامعات وتستفيد الجامعات من الدعم المادي أي يصبح هناك شراكة مجتمعية تجمع الجامعات مع وسائل التصنيع والإنتاج وبذلك تكتمل حلقة التكامل الذي تتوجه فوائده ونتائجه وتصب في مصلحة هذا الكيان العظيم وطناً وشعباً.. والله المستعان.
    المصدر : جريدة الرياض الإلكترونية

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 09, 2016 2:13 pm