منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    محاولات تجديد البلاغة العربية في العصر الحديث

    شاطر

    محمود عارف

    عدد المساهمات : 5
    نقاط : 18
    تاريخ التسجيل : 14/03/2010

    محاولات تجديد البلاغة العربية في العصر الحديث

    مُساهمة  محمود عارف في الإثنين مارس 15, 2010 2:27 pm

    د.عبد الله مساوي
    دكتوراه في البلاغة وتكامل المعارف

    يتناول موضوع هذه الأطروحة (دجنبر2003) محاولات تجديد البلاغة العربية في العصر الحديث، وهو بهذه الصيغة رصد للدراسات التي أفرغت جهودها في قضية التجديد البلاغي، يتتبع خطواتها، ويفحص مضامينها، ويصنّف اتجاهاتها، ويقوّم اشتغالاتها.

    إن أهمية الموضوع تكمن في جمع شتات تلك المحاولات وإصدار أحكام في شأنها بعد وصفها وتحليلها، في إطار الإجابة عن إشكال أساس هو: هل يحقق المجددون –من خلال محاولاتهم- أمَل القدماء الذين استقر في أذهانهم أن البيان علم ينضج ولم يحترق؟ والموضوع بتلك الصيغة أيضا واقع في صلب معركة قد تفترض لها بداية ولن تحد بنهاية، ألا وهي معركة التجديد التي عرفت بعدم ثباتها، وسرعة تحولاتها، وصعوبة الحسم في قضاياها، وذلك لأن قضية التجديد نسبية لا نهائية من حيث الاعتبارات المعرفية، وحتمية لا اختيارية من حيث الاعتبارات الزمنية.

    وعلى الرغم من ذلك، فقد كانت الرغبة في اختراق مضايق البحث أكبر من التردد في اقتحامه، سيما وأن أسباب فكرة بحثه نبعت من سؤالين مترابطين:

    فأما الأول: فارتبط بالطابع المفاجئ الذي استقبلت به خبر دراسات سعت سعيا حثيثا إلى تجديد البيان العربي، وزحزحة معارفه عن توجهها المتداول، أثناء تحضير شهادة استكمال الدروس سنة 1996، حينئذ عن السؤال: هل البلاغة العربية في حاجة إلى تجديد؟

    وأما الثاني: فارتبط بالاطلاع على مقالات ثلاثة شكلت دراسات سابقة في الموضوع الذي نحن بصدده، وأذكت الحماس للخوض فيه بعد الحسم في اختياره وهي:

    أ-"مفهوم الأسلوب بين التراث النقدي ومحاولات التجديد"، لشكري محمد عياد، بمجلة "فصول"، المجلد والعدد الأولان، القاهرة،1980.

    ب-"محاولات التجديد للبلاغة العربية"، لمحمد الكتاني، بمجلة "كلية الآداب جامعة محمد بن عبد الله"، العدد السادس، فاس، موسم:1982-1983.

    ت-"تأملات في تجديد البلاغة"، لعبد الجليل هنوش، بحوليات كلية اللغة العربية، العدد التاسع، مراكش.1997.

    لقد ركزت هذه الدراسات أثناء تناولها لقضية التجديد البلاغي في العصر الحديث، على محاولتين لهما قيمتهما التجديدية بالنظر إلى التصور الذي أطرهما والزمن الذي ظهرتا فيه وهما:

    محاولة أمين الخولي، من خلال كتابه "فن القول" الصادر سنة 1947، ومحاولة أحمد الشايب، من خلال كتابه "الأسلوب: دراسة بلاغية تحليلية لأصول الأساليب الأدبية" الصادر سنة 1939.

    إن الاطلاع على هذه الدراسات أعان على تحديد معالم المحاولات، وأسقط القناع الذي كان يلف فكرة التجديد، لينكشف الاقتناع بضرورة تتبعها لما أصبحت قضية قائمة، إذ ذاك ارتقى السؤال إلى أفق آخر وهو: هل يوفق المجددون في مساعيهم التجديدية للبلاغة العربية؟

    إن فضول الإجابة على السؤالين السابقين، دفع إلى البحث عن محاولات تجديدية أخرى لا تقتصر على جهود أمين الخولي، وأحمد الشايب، فتحقق المراد ورتبت المصادر الأساس للبحث حسب زمن تأليفها كما يأتي:

    1896- ألّف جبر ضومط، كتاب "الخواطر الحسان في المعاني والبيان"، وركزت دراسته على علاقة البلاغة بالنحو، وتضمنت دعوة صريحة إلى نظرة بلاغية شمولية تهم النص الأدبي بدل الاقتصار على بلاغة الجملة.

    1927- ظهر لأحمد أمين، مقال "حاجة العلوم العربية إلى التجديد"، بمجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، لا يعتد في تجديدها ببلاغة أرسطو، ولا ببلاغة عبد القاهر الجرجاني، ولا ببلاغة السكاكي، وإنما يراهن في تجديده على اختيار الشاهد البلاغي من المحيط العصري المعيش اقتداء –في نظره- بعمل الأوربيين في هذا المجال.

    1929- نشر لإدوار مرقص، مقال "نظرة في قواعد علوم العربية وآدابها"، بمجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، حاول فيه إدماج مباحث بلاغية في أخرى قصد التخفيف من كثرة مصطلحاتها لتداخل اختصاصاتها.

    1938- ألّف عبد الله العلايلي، كتاب "مقدمة لدرس لغة العرب" دعا فيه إلى الإبقاء على مبحثي التشبيه والكناية فقط، أو الاقتصار على دراسة الحقيقة والمجاز وفق شروط تدمج المباحث البلاغية فيما بينها لتعدد مصطلحاتها.

    1939- أصدر علي الجارم، ومصطفى أمين، كتاب "البلاغة الواضحة"، وهو كتاب تربوي تفنن مؤلفاه في اختيار الشواهد البلاغية من التراث الأدبي العربي، وعرضَا فيه البلاغة عرضًا ميسرًا، وبسطَا قواعدها وطريقة تحليلها، وقلّلا من كثرة تقسيمات فنونها.

    1939- صدر لأحمد الشايب، كتاب "الأسلوب…" ، دعا فيه إلى تبني المقدمتين الجمالية والنفسية في البلاغة العربية، وسعى إلى نظرة بلاغية شمولية بدراسة أساليب الفنون الأدبية.

    1944- ظهر لأمين الخولي، كتاب "مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب"، تتبع فيه تاريخ البلاغة، ودعا إلى نبذ منهج المدرسة الفلسفية وتعويضه بمنهج المدرسة الأدبية، كما دعا إلى وصل البلاغة بعلمي الجمال والنفس قصد تجديدها.

    1945- صدر لسلامة موسى، كتاب "البلاغة العصرية واللغة العربية" هاجم فيه كل القيم اللغوية والبلاغية القديمة التي خلفتها الثقافة العربية، وفي مقابل ذلك أفرط في الدعوة إلى احتضان مظاهر الحداثة الغربية.

    1947- صدر لأمين الخولي، كتاب "فن القول" وهو يمثل أشهر محاولة تجديدية للبلاغة العربية، قسمه إلى المبادئ: ويعني بها التعريف بالعلم وغايته وصلته بباقي العلوم؛ والمقدمات: ويعني بها المقدمتين الجمالية والنفسية في البلاغة؛ فالأبحاث: ويقصد بها دراسة الأساليب الأدبية حتى لا تنحصر دراسة البلاغة في الجمل.

    1971- ألف محمد رجب البيومي، كتاب "البيان القرآني" دعا فيه إلى تطبيق شمولي لمباحث البلاغة على بيان إعجاز النص القرآني، حيث إن الإيجاز والإطناب والرقة والجزالة والتشبيه والكناية والاستعارة وغيرها، لا يجب أن تلتمس في الآية الواحدة، بل يلزم دراستها في السورة القرآنية بكاملها.

    1979- ألف فتحي فريد، كتاب "المدخل إلى دراسة البلاغة" تناول فيه التجديد البلاغي وفق تقسيم اتجاهاته إلى نفسي وبياني وتربوي.

    1979- صدر لبكري شيخ أمين، كتاب "البلاغة العربية في ثوبها الجديد" لم يأت فيه بجديد سوى إعادة ما صاغه القدماء في صور مخلة أحيانا.

    1984- صدر لمحمد بركات حمدي أبي علي، كتاب "دراسات في البلاغة" دعا فيه إلى نظرة بلاغية شمولية تطبق على النص الأدبي تحت غطاء فني، ودعا إلى تكامل البلاغة مع غيرها من العلوم عند الضرورة، في كلام عابر غاب عنه التطبيق المفيد في هذا المجال.

    1985- ألف مصطفى الصاوي الجويني، كتاب "البلاغة العربية تأصيل وتجديد" وهو تأليف حضر فيه التأصيل وغاب عنه التجديد غيابا تاما.

    1986- ألف منير سلطان، كتاب "البديع تأصيل وتجديد" عاد من خلاله بالبديع إلى طابعه الفني، معتبرا البديع هو البيان، وهو البلاغة مقتديا بعمل عبد الله بن المعتز في هذا المجال.

    1994- ظهر لخليل كفوري، كتاب "نحو بلاغة جديدة" اقتربت محاولته من تمثل وجهة نظر أمين الخولي التجديدية، غير أنه لم يشر إلى استفادته من كتاب فن القول.

    1995- صدر لمصطفى الصاوي الجويني، كتاب "مدارس البلاغة المعاصرة" أقام دراسته على اعتبارات "مكانية" حسب مواقع الكليات، وأبعد من اعتباره المعيار النقدي للمدارس البلاغية المعاصرة، وهو ما يوهم به عنوان الكتاب.

    1997- صدر لمحمد عبد المطلب كتاب "البلاغة العربية قراءة أخرى" طبق فيه النظرية اللسانية التحويلية على علوم البلاغة العربية قصد تجديدها.

    1998- صدر لجميل عبد المجيد، كتاب "البديع بين البلاغة العربية واللسانيات النصية" عمد فيه إلى تطبيق النظرية النصية قصد تجاوز النظرة التحسينية لعلم البديع إلى نظرة دلالية تربط بين أجزاء النص الأدبي بإقامة علاقات السبك والحبك.

    لقد ركز هذا التتبع التاريخي للمحاولات التجديدية البلاغية على الدراسات الأساس دون ذكر للمحاولات المساعدة أو الآراء التجديدية الثانوية أو المواقف التي تناولت قضايا تجديدية جزئية، لأن الحكم النقدي التقويمي على الأساسي يفي بتقويم الجزئي.

    ولتحقيق هذه الغاية: اعتمد منهج الدراسة على خطوات الوصف والتحليل والتقويم، واستقرت هذه الخطى في التصميم الذي استوى عليه الموضوع في مقدمة وتمهيد وفصول أربعة وخاتمة.

    فأما التمهيد فقد خصص لبحث إشكالات التجديد ومعاييره، وشمل الحديث فيه مجالين أساسين هما: مجال إشكالات الموضوع، ومجال معايير تقويمها. وركز المحور الأول، على ما يثيره مصطلح "التجديد" في ذاته بحكم وقوعه بين معطيين قديم وحديث، مما يسبب الخلط بين مفهومه، وبين مفاهيم أخرى من قبيل البعث والنهضة والحداثة والمعاصرة، بالإضافة إلى إشكال تجديد البلاغة بحكم ارتباط البيان العربي بالقضية الإعجازية، وهو أمر يستتبع طرح السؤال: هل يتسع صدر الزمن لاحتضان جهود المجددين المحدثين كيفما كانت منطلقاتهم وطرائقهم وأهدافهم؟

    يضاف إلى ذلك كله الاعتبار الزمني، أي القراءات الحديثة للبلاغة القديمة، بمعنى الازدواجية التي تطبع علاقة المادة القديمة بالمناهج الحديثة، مما يستتبع تساؤلات من قبيل:

    - هل ضاق ثوب التراث البلاغي العربي عن احتواء جسد الإبداع الحديث حتى أضحى تجديد البلاغة أمرا ملحا؟

    - هل استوفى المحدثون معرفتهم بالتراث البلاغي، وتبينوا ما ينطوي عليه من قيم تمثلوها تمثلا واعيا ومستوعبا يمكنهم من إضافة جديد إلى القديم؟

    - هل تستطيع المحاولات التجديدية أن تقدم بديلا شافيا يسد ثلمة الماضي، ويشفي غلة الحاضر، ويؤمن حاجة المستقبل؟

    - ما هي الشروط المعرفية والمنهجية لقراءة المادة البلاغية القديمة بالمناهج النقدية الحديثة؟

    أما المحور الثاني، من التمهيد فقد خصص لمعايير تقويم إشكالات الموضوع، والتساؤلات التي تثيرها المحاولات التجديدية. لذلك ركز الحديث فيه على تحديد ماهية للتجديد، والأداة التي يتحقق بها، والوظيفة المنهجية التي يقوم عليها.

    وأما الفصل الأول فخصص لأسس المحاولات التجديدية، وحددت في أسس ثلاثة وهي: الأساس الذي اعتمد القول بفكرة جمود الذوق العربي بعد القرن الهجري السابع. والأساس الذي ركن إلى اعتماد الإطلاع على المعارف الأجنبية من قبيل علوم الجمال والنفس والأسلوبية بصفتها أسسا صالحة لبناء تجديد بلاغي. والأساس البعثي للتجديد، مادام البعث يسبق التجديد بالضرورة ويؤسس دعامته.

    وأما الفصل الثاني: فعالج قضايا التيار التراثي في المحاولات التجديدية، وتضمن مبحثين: أولهما في منهج الفصل، وتناول جهود المجددين الداعية إلى الفصل بين مباحث الفن البلاغي الواحد بدعوى التخفيف من كثرة المصطلحات وتداخل الاختصاصات، قصد تبسيط البلاغة وتيسير فهمها؛ والجهود الداعية إلى الفصل بين الفنون البلاغية أثناء دراستها وهو اتجاه كرسه التيار التجديدي التربوي؛ وارتقى هذا الاتجاه إلى الفصل بين البلاغة وعلوم العربية مثل النحو وأصول الفقه.

    وتضمن هذا الفصل مبحثا مضادا للأول وهو: منهج الوصل الذي عالج الدعوة إلى صهر علوم البلاغة في وحدة بيانية، ثم عمل على ربط الصلة بين البلاغة والمعارف العربية.

    وأما الفصل الثالث: فقد خصص لقضايا التيار الحداثي في المحاولات التجديدية، تناول مبحثه الأول مقارنات أقامها أمين الخولي، بين البلاغتين العربية القديمة والغربية الحديثة، وتناول مبحثه الثاني دعوات إلى حاجة البيان العربي إلى نظريات علمية حديثة من قبيل علمي الجمال والنفس والنظريتين الأسلوبية واللسانية، وتناول مبحثه الثالث دعوات الإعراض عن التراث البلاغي العربي في مقابل الاحتفاء بما هو أجنبي.

    بينما خصص الفصل الرابع: لقراءة تقويمية للمحاولات التجديدية، تتبع مبحثه الأول وجوه الإخلال بضوابط التجديد، وشمل الحديث فيه الإخلال بالأسس التجديدية الداخلية والخارجية التي أقيمت عليها جهود المجددين، كما شمل هذا المبحث الحديث عن خلل الاتجاهات التجديدية البلاغية، حيث خلط التجديد بالبعث في التيار التراثي، وخلط التجديد بالمعاصرة في التيار الحداثي. أما المبحث الثاني فعرض خطوات منهجية قد تفيد في تجديد البلاغة العربية، ومنها منهج التكامل الداخلي بين علوم البلاغة فيما بينها بفضل رابطتها البيانية وبين علوم العربية من نحو وأصول، ومنها أيضا منهج التكامل الخارجي بين البلاغتين العربية والغربية بشروط تجعل من البيان العربي أصلا، والنظريات الحديثة فروعا مكملة بفضل الإمكانات التكاملية في المجالات التداولية والمعطيات الوظيفية التي تمكن من تطوير النظرات إلى نظريات.

    بعد عرض محتويات الموضوع، يحسن الحديث عن النتائج التي أفضى إليها وهي مجملة في الآتي:

    1-إن المبالغة في فكرة الجمود البلاغي العربي سهلت استقبال النظريات العلمية الحديثة وإدماجها في قضية تجديد البلاغة قبل فحص مضمرات التراث، وهو توجه أفضى بدوره إلى هلهلة دور البعث العربي الدافع بقوة التجديد، بعدما بنيت أسسه على أعمدة مهمشة. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الخلل في الأسس ورث الخلل في الممارسة التجديدية، وقد تمثلت في خلفيات انتقائية جزئية وشمولية.

    2-الانتقاء الجزئي: وتمثل في اعتماد مباحث بلاغية دون غيرها بدعوى تبسيط البيان وتيسير فهمه، ثم ما رافق هذه الدعوات من توجهات أخرى من قبيل إقصاء علاقة البلاغة بعلوم العربية. وحين، حاول بعض المجددين جبر هذه الفجوة بالدعوة إلى وصل الفنون البلاغية فيما بينها ووصل علاقتها بالمعارف العربية، انتقل الانتقاء إلى الطابع الشمولي.

    3-الانتقاء الشمولي: وظهر في التيارين التراثي والحداثي، ذلك أن الاتجاه التراثي ظل ملتفتا إلى الوراء في ممارسته التجديدية، وغيب الطرف الثاني ممثلا في المعطيات النقدية الحديثة. أما الاتجاه الحداثي، فقد سلك مسلكا مضادا عندما أغفل تقصي النظرات البلاغية العربية القديمة ولم يتخذ منها منطلقات يبني عليها نظريات، لذلك ترك العنان للإسقاط المنهجي في التعامل مع الدراسات الأسلوبية واللسانية في تجديد البلاغة العربية، وفي الاتجاهين معا –التراثي والحداثي- غاب مبدأ "قتل القديم والحديث فهما".

    4-وبناء على ما سبق، فقد غاب التجديد عن المحاولات المدروسة بسبب انعدام العمل بتحديد مفهوم للتجديد يؤسس للتصور السليم في الممارسة التجديدية، وانعدام الاهتمام بتحصيل الأدوات المعرفية الكفيلة بتقوية القديم لاستمرار حياته، وتشذيب فروع الدخيل من كل تعميم، ثم انعدام العمل بالمنهج التكاملي الذي يخدم الممارسة التجديدية ويحفظ التوازن للعلاقات بين القديم والحديث

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 05, 2016 5:49 pm