منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    قصة ، من : السعيد موفقي

    شاطر

    عبد الكريم

    عدد المساهمات : 8
    نقاط : 24
    تاريخ التسجيل : 15/03/2010

    قصة ، من : السعيد موفقي

    مُساهمة  عبد الكريم في الإثنين مارس 15, 2010 3:53 pm

    زغاريد مكثفة باتجاه غرفة العريس و الأقدام تصطك يمينا و شمالا و تدافع النسوة المعهود لم يتغير كلهن من ورائه ....تذكر صورتها عندما كانت تقف في الشرفة الشرقية و تلوح بوردة بيضاء ثم ترمي بها إلى شرفته البعيدة و كان يأمل أن يقفز ليمسك بها قبل أن تسقط في الشارع ، لأنه كان يحول بينهما في كل إطلالة صباح ، حتى المارة لم يكونوا على علم بذلك إلا لما سقطت وردة في رميات متكررة فلفت ذلك انتباههم المزعج ...كل الأعين جاحظة و الأفواه فاغرة و الرقاب مشرئبة... تنظر إلى الأعلى ، يختفيان كمسترق همس الليل ، لا أحد غير شرفات موحشة و حبال تلوح بثياب لا زال رذاذ الماء يتطاير منها تعبث به ريح هبت من الجهة الغربية تداعب ورودا كالندى تثقل وريقاتها فتميل حتى تلمس المزهرية القديمة المصنوعة من الطين المحلي ، تهتز الصورة كمن أزاحها و تذكر أم السعد التي كانت تحسن تشكيل الأواني الطينية في حيّه ،جارته التي فقدت زوجها في إحدى ليالي القصف المباغت ....غفوة طويلة ثم تلاشت تلك الصورة و يفيق منها كالمصعوق على غناء تقليدي عادة يترنم به النسوة (ليلةالدخول)الزفاف...
    عزف جميل على الدفوف يصحبه كلام ، كثير منه غير مفهوم كالطلاسم لكنه مؤثر شديد التأثير فيه إثارة للمشاعر و مداعبة لذيذة كخبز ملة تفوح منه بقايا رماد ساخن ، ينظر إليها و يكشف عن وجهها الصبوح ... وجنتان ورديتان و عينان غائرتان في سواد فاحم يتلمس يدها الناعمة و يقبلها كالطفل النزق ...تحاول سحبها من يده بلطف لأنّه أطال تقبيلها ، شيء من الخجل يمنعها من فعل ذلك و تتركه يداعبها ثم يمسك بيدها الأخرى حينها تذكر الوردة التي كانت ترمي بها إليه يوم منعها كثير من الخجل و فضول المارين و المارات و سهام عيون العابرين مؤلمة ، لم يصدق ذلك ، تقوم من مكانها و انسلت منه كالهارب الذكي و تتجه إلى شرفته الحزينة و تقف قبالة شرفتها المهجورة ، تذكرت كم وردة رمت بها إليه مذلك الحين و كان حلمه أن يحضنها و يشم رائحتها المميزة ، يقتفي أثرها و يمسكها من خلاف و يضمها إلى صدره ، تنهدت بعمق و هي تتأمل نجوم السماء و بقايا لهيب قذائف من غرب المدينة تتساقط في كل اتجاه ، و لكنها لم تنبس ببنت شفة إلا لما طلبت منه بعضا من ورودها التي رمت بها إليه ، كتم سره كالممتََحَن المرتبك ، كمن وخزه بشدّة و طالت استعادة أنفاسه و عجز عن الجواب :
    - في الحقيقة !!! ، قالها و ما كاد يقول شيئا
    - ولا واحدة في هذه الغرفة ، متسائلة ؟؟!!
    - و لا واحدة منها ، قالها بامتعاض !!!
    دوي هزّ أركان المدينة و جلبة في كل مكان و جدران تتساقط في كل بيت و الشرفات هوت و عويل النساء و صراخ الأطفال تداخل مع تكاثف الانفجاريات توقف كل شيء ، إلا صفارات الإنذار من كل جهة و سيارات الإسعافات المتزاحمة على البيت ....هاتوا المحمل أمسك بها على الرغم من إصاباته و أدخلها اثنان إلى عمق السيارة و اختفت إلى غير رجعة ....أموات كثيرون ....و مداشر مهجورة ، أحياء بلا أحياء و تلاشت الأحلام .


    و لكنه لم يخيّب أملها عندما رمى بوردة في قبرها ليست من ورودها.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 07, 2016 7:21 am