منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    اللغة العربية في ظل (صراع الحضارات)

    شاطر

    يحى شبير

    عدد المساهمات : 9
    نقاط : 30
    تاريخ التسجيل : 07/03/2010

    اللغة العربية في ظل (صراع الحضارات)

    مُساهمة  يحى شبير في الإثنين مارس 08, 2010 3:34 am

    يفرد صموئيل هنتنغتون الفصل الثالث من كتابه: «صدام الحضارات» للكلام على مدى صحة القول بوجود حضارة عالمية في ضوء معياري التحديث والتغريب، ويخص اللغة في هذا الفصل بعنوان فرعي مستقل. وانسجاما مع اعتقاده الراسخ بأن العالم مرشح لمزيد من الاستقطاب الحضاري وليس لمزيد من الانفراج الحضاري بوجه عام، وأن الغرب مرشح لتهديدات حضارية قادمة؛ فإنه لا يدخر وسعا لتقويض اطمئنان القائلين بأن (الإنجليزية هي لغة العالم) مؤكدا أن الدليل الوحيد الذي يمكن الاستناد إليه كفيل بنفي هذه الطمأنينة.

    ووفقا لهذا الدليل (بيانات البروفيسور سيدني كلبرت/جامعة واشنطن – سياتل، والتي تشمل الفترة (1958-1992) يتبين لهنتنغتون أن ثمة انخفاضا ملموسا على مستوى العالم في عدد الناطقين بالإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسية واليابانية في المقام الأول. وأن ثمة انخفاضا أيضا قد طرأ على عدد الناطقين بالماندارينية الصينية. وأن هذا الانخفاض تناظره زيادة ملموسة على عدد الناطقين بالهندية والمالاوية والعربية والبنغالية والإسبانية والبرتغالية. ويخلص هنتنغتون إلى أن نسبة الناطقين بالإنجليزية قد هبطت على مستوى العالم من نسبة 9,8% عام 1958 إلى نسبة 7,6% عام 1992، وهو ما يدعوه إلى القول بأن اللغة التي تبدو غريبة لـ92% من البشر لا يمكن أن تكون لغة العالم؛ بل وسيلة للاتصال بين الثقافات نظرا لأنها أصبحت (منزوعة العرقية)، لهذا فلن تكون مصدرا للهوية الاجتماعية.

    يمكننا الحدس بأن هنتنغتون قلق جدا؛ لأن اللغة العربية تبعا للإحصاءات التي يوردها هو قد سجلت أعلى ارتفاع في نسبة الناطقين باللغات الرئيسية على مستوى العالم فقفزت من 2,7% إلى 3,5% عام 1992. فيما ظلت (الماندارين) تتصدر قائمة اللغات في العالم رغم الانخفاض الطفيف الذي طرأ على نسبة الناطقيـن بها (15,6% عام 1958، 15,2% عام 1992)، وهو ما يثير قلقه الصريح ويدعوه إلى التحذير من أن تدهور قوة الغرب تدريجيا أمام الحضارات الأخرى سوف يفضي إلى التراجع التدريجي لاستخدام الإنجليزية التي سيتخلى مكانها للماندراين إذا حلت الصين محل الغرب كحضارة سائدة.

    ومن نافل الحديث القول: إن قلقه جراء إمكانية صعود الحضارة الإسلامية ولغتها العربية لا يقل عن قلقه جراء صعود الحضارة الصينية ولغتها الماندارين.

    وفي ضوء تجربة الهند يلاحظ هنتنغتون أن استخدام الإنجليزية في المجتمعات غير الغربية يتزايد في أوساط النخب لأسباب تتصل برغبتها في تمييز نفسها عن فئات المجتمع العادية ولتسهيل اتصالها بالغرب. كما يتزايد على مستوى الجامعات لتحسين فرص الطلبة الخريجين في الحصول على عمل في خضم المنافسة الكونية على رأس المال البشري. لكنه ينبه في المقابل على أن تزايد الضغوط الاجتماعية والسياسية وتزايد المؤسسات الديموقراطية ونسبة مشاركة الناس العاديين في هذه المؤسسات يؤدي غالبا إلى انهيار اللغات الغربية وسيادة اللغات القومية.

    إن توزيع اللغات في العالم وعبر التاريخ عكس وما زال يعكس -على حد قول هنتنغتون- توزيع القوة العالمية. ذلك أن اللغات الأوسع انتشارا (الإنجليزية، الماندارين، الإسبانية، الفرنسية، العربية، الروسية) قد مثلت لغات (دول إمبراطورية) أرغمت شعوبا أخرى على استخدام لغاتها.

    ولأن التحولات في توزيع القوة العالمية تؤدي عادة إلى تحولات في استخدام اللغات، كما يؤكد هنتنغتون وتؤكد وقائع التاريخ الحضاري؛ فإن اللغة العربية ستكون مستهدفة إذا شئنا التعبير بلغة متشائمة، أو مندوبة للنهوض إذا شئنا التعبير بلغة متفائلة، بالنتيجة والمحصلة ومن أي زاوية نظرنا إليها في ظل تعالي الاقتناع بمقولة صدام الحضارات في الغرب. سواء افترضنا أن الغرب سوف يتجه إلى تأكيد هيمنته على الوطن العربي لتزايد إحساسه بالقوة بوجه عام، أو لتزايد إحساسه بالخوف من أن تحل القوة الصينية محله بوجه خاص، أو افترضنا أنه سوف يتجه إلى تأكيد هيمنته لتزايد إحساسه بالخوف من أن تحل القوة الإسلامية محله بوجه أخص، فإن اللغة ستكون أحد وسائل الغرب للهجوم. وفي كل هذه الفروض سوف تكون اللغة العربية أهم وسائل الدفاع وأكثرها عرضة للتأثر بقانوني الإزاحة

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 09, 2016 2:17 pm