منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    اللغة: وظيفتها وحقيقتها

    شاطر

    فيصل السبيعي

    عدد المساهمات : 5
    نقاط : 15
    تاريخ التسجيل : 12/03/2010

    اللغة: وظيفتها وحقيقتها

    مُساهمة  فيصل السبيعي في الجمعة مارس 12, 2010 10:47 am

    اللغة: وظيفتها وحقيقتها



    بقلم : د. حامد صادق قنيبي
    أستاذ قسم الدراسات الإسلامية والعربية
    جامعة فهد للبترول والمعادن



    · من غير الممكن تحديد الزمن الذي تفجرت خلاله في الإنسان عبقريته اللغوية.
    · اللغة رموز لدلالات فكرية واجتماعية وروحية.
    · اللغة الآن أصبحت مصطلحا عالميا نقرأ من خلالها ما يجري في نبض الآخرين.



    عرف ابن جني اللغة بأنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم(1)، والدراسة الحديثة لم تستطع أن تضيف شيئا على هذا التعريف لتحديد وظيفة اللغة وماهيتها.
    فوظيفة اللغة تحقيق الاتصال بين البشر عن طريق الصوت، والصوت الذي نعنيه هنا هو الصوت الذي يصدر عن الكائن المفكر ، وقد خص الله الإنسان دون المخلوقات بالقدرة العقلية المفكرة دون سائر المخلوقات الأرضية؛ واللغة والحالة ثمرة العقل، والعقل جوهر الإنسان.
    ومظاهر اللغة إنما يكون بتآلف هذه الأصوات على نحو بالغ التعقيد تتداخل فيه مجموعات لا حصر لها من الارتباطات العقلية وما أودع الله الكائن الإنساني من موافقات وخصائص في طبيعة خلق آلية النطق لديه من أوتار صوتية،وتجويف أنفي، وأسنان، ولسان، وشفتين، ورئتين .. الخ.



    إن النطق باللفظ الواحد ـ مثلا ـ يبدأ شعورا بالحاجة لأداء غرض معين، ومن ثم ينتقل هذا الشعور من الإدراك أو العقل إلى المخ ثم يصدر المخ أمره عن طريق الأعصاب للنطق باللفظ المطلوب، وهنا تطرد الرئة قدرا من الهواء المختزن فيها ليمر من الشعب إلى القصبة الهوائية ثم إلى الحنجرة وحبالها الصوتية، فيصوت الهواء ثم إلى الحنجرة صوتا تشكله خشنا يريد العقل … عاليا أو خافتا سريعا أو بطيئا، خشنا أو ناعما، ضخما أو رفيعا .. إلى آخر أشكال الصوت وصفاته. ومع الحنجرة اللسان والشفتان والفك والأسنان، ويمر بها هذا الصوت فيتشكل بضغوط خاصة في مخارج الحروف المختلفة، وفي اللسان خاصة يمر كل حرف بمنطقة منه ذات إيقاع معين، يتم فيها الضغط المعين ليصوت بجرس معين … وذلك كله لفظ واحد ووراءه العبارة والموضوع والفكرة والمشاعر السابقة واللاحقة،وكل منها عالم عجيب غريب.
    وما زال العلماء في اختلاف شديد لتحديد نشأة اللغة فمنهم من قال إنها توفيقية ألهم الله بها الإنسان ، جاء في التفسير الكبير(2). وقال الأشعري والجبائي والكعبي: اللغات كلها توفيقية ، بمعنى أن الله تعالى خلق علما ضروريا بتلك الألفاظ وتلك المعاني وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني.
    وآخرون قالوا إنها تعليم واكتساب، وإنها ربما نشأت عن محاكاة الإنسان لأصوات الطبيعية، أو التعبير عن انفعالاته من اللذة والألم، أو إنها مجرد اتفاق ومواضعة.
    وأنا أزعم أنه يمكن الجمع بين هذين الرأيين وسأعمد إلى توضيح ما أذهب إليه من خلال تحليل نص للبيضاوي وهو يفسر الآية الكريمة : (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة ، فقال : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) البقرة/31.
    قال البيضاوي(3): (علم آدم الأسماء كلها)، إما بخلق علم ضروري فيه أو إلقاء في روعه، ولا يفتقر إلى سابقة اصطلاح ليتسلسل(4)، والتعليم فعل يترتب عليه العلم غالبا، ولذلك يقال : علمته فلم يتعلم، و(آدم) اسم أعجمي كآزر وشالخ، واشتقاقه من الأدمة أو الآدمة بالفتح بمعنى الأسوة، أمن أديم الأرض. (والاسم ) باعتبار الاشتقاق ما يكون علامة للشيء ودليلا يرفعه إلى الذهن من الألفاظ والصفات والأفعال واستعماله عرفا في اللفظ الموضوع لمعنى سواء أكان مركبا أم مفردا، مخبرا عنه أو خبرا، أم رابطة بينهما، واصطلاحا في المفرد الدال على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة، والمراد في الآية إما الأول أو الثاني ، وهو يستلزم الأول لأن العلم بالألفاظ من حيث الدلالة يتوقف على العلم بالمعاني، والمعنى أنه تعالى خلقه من أجزاء مختلفة وقوى متباينة مستعدا لإدراك أنواع المدركات من المعقولات والمحسوسات والمتخيلات والموهومات(5) وألهمه معرفة ذوات الأشياء وخواصها وأسمائها أصول العلوم وقوانين الصناعات والكيفية الاتهام (ثم عرضهم على الملائكة) الضمير فيه للمسميات المدلول عليها ضمنا إذ التقدير أسماء المسميات فحذف المضاف إليه لدلالة المضاف عليه وعوض عنه اللام كقوله تعالى : (واشتعل الرأس شيبا) لأن الغرض للسؤال عن أسماء المعروضات فلا يكون المعروض نفس الأسماء سيما إن أريد به الألفاظ والمراد به ذوات الأشياء، أو مدلولات الألفاظ. وتذكيره لتغليب ما اشتمل عليه من العقلاء.
    وقول البيضاوي (إما بخلق علم ضروري بها فيه أو إلقاء في روعه) أي بما أودع الله خلق آدم معرفة الأسماء ، وفتق لسانه بها فكان يتكلم بتلك الأسماء كلها. وظاهرة النطق عند الإنسان أعجوبة بحد ذاتها، إلا أن الألفة مع تكرارها تفقدها روعة الدهشة، ولنعد قليلا لنتأمل كيف يتم التفكير والإدراك والتخيل تركيب الكلمات والجمل والأفكار، وربط كل هذا بعضه مع بعض بحيث يخرج الكلام منسجما متوازنا يهدف إلى معنى، بل كيف يتم التواصل بين البشر، وكيف يتم الانتقال من عالم الماديات المحسوسة إلى عالم التجريد والتعبير عن خلجات النفس الإنسانية.
    إن الطب ما زال يقف عاجزا عن تقديم التفسير الشافي لهذه الظاهرة: " والحق يقال إننا درسنا عمومات الطب من أوله إلى آخره، ومع ذلك لم نستطع حتى الآن أن نفقه هذه الأسرار كما أن الأطباء الذين يبحثون هذه القضايا يقفون مشدوهين أمام هذه الظواهر الفذة العجيبة المحيرة(الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان) سورة الرحمن. إن النطق في مستواه الفكري قبل البحث عن كيفية حدوث التصويت بعد ظاهرة غير مفهومة في عرف العلم، وحقا إن الإنسان محير بتركيبه .. ثم لنتأمل على المستوى المادي، إن الحبال الصوتية بفضل تقلصها وارتخائها بالإضافة إلى عضلات اللسان وغضاريف الحنجرة وعضلات الوجه وإطباق الشفتين ثم الأجواف المحفورة في الجمجمة هي التي تعطي الصوت رنينه الخاص لكل إنسان بحيث يكون لكل إنسان صوته المميز الخاص (فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون)، سورة الذاريات/23.
    وأما الأعصاب فهي تؤدي الدور المهم في إعطاء الأوامر إلى العضلات المناسبة بحيث تتناسق هذه العضلات مع بعضها البعض فيرتخي قسم حين ينقبض قسم آخر فلا يعطي عمل على عمل، ولا يفسد عمل عضلات عمل عضلات أخرى، فإذا انطلق الهواء من الرئتين فإن الحبال الصوتي هي التي تعترضه أولا حتى يخرج الحرف الحلقي المناسب وهي الهمزة والهاء والعين والحاء والخاء والغين ثم ينطلق إلى الفم حتى يخرج من أحد زوايا اللسان أو من مقدمة أو من إطباق الشفتين، هذا بالنسبة لمخرج الحرف الواحد.. وتتابع الحروف عجيب لأن الحرف الأول من الكلمة قد يكون مخرجه من الشفة بينما يكون الحرف الثاني الذي يليه مباشرة من الحلق والثالث من جانب اللسان، فإذا اكتملت الكلمة الواحدة تتابعت كلمات آخر، وتتابعت الجمل .. ويجب أن نلاحظ أن العضلات والغضاريف والحبال الصوتية مزدوجة وهناك تناسق عجيب ما بين الشطرين فإذا حصل خلل ما في المخيخ ـ مثلا ـ الذي يقوم على تناسق عضلات التصويت حدث المرض المعروف بالرئة هن تقطع الكلمات وعدم فهم ما يقوله المريض تماما إلا بصعوبة، ولنعلم أن هذه العلمية المتكررة يشرف عليها ثلاثة أعصاب رئيسة وألياف عصبية وفروع عصبية صغيرة لا تحصى، بالإضافة إلى سبعة عشر عضلة في الوجه، فأي إبداع وأي عظمة هذه(6).
    وقول البيضاوي (والتعليم فعل يترتب عليه العلم غالبا، ولذلك يقال علمته فلم يتعلم). لقد منح الله الإنسان ملكة العلم والتعلم بهذه الملكة كون حضارته وثقافته ومعرفته ولك ما اتصل بذلك من العلوم والفنون، ولولا هذه الملكة لكان الإنسان مثل بقية الحيوانات، ولكانت حاله لا تفترق في شيء عن حال السباع وغير السباع، ولكان يعيش مثلها في الغابات فلا علماء ولا أدباء ولا أبنياء يخرجون من الظلمات إلى النور، يقول الرازي(7): هذه الآية دالة على فضل العلم، فإنه سبحانه وتعالى ما أظهر كمال حكمته في خلق آدم عليه السلام إلا بأن أظهر علمه فلو كان في الإمكان وجود شيء أشرف من العلم لكان من الواجب إظهار فضله بذ1لك الشيء إلا بالعلم … والله علم سبعة نفر سبعة أشياء : علم آدم الأسماء (وعلم آدم الأسماء)، وعلم الخضر الفراسة (وعلمناه من لدنا علما)، وعلم يوسف علم التعبير (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث )، وعلم داود صنعة الدرع (وعلمناه صنعة لبوس لكم)، وعلم سليمان منطق الطير (يا أيها الناس علمنا منطق الطير)، وعلم عيسى عليه السلام علم التوراة والإنجيل (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل)، وعلم محمدا(ص) الشرع والتوحيد (وعلمك ما تكن تعلم ـ ويعلمهم الكتاب والحكمة ـ الرحمن علم القرآن).
    ولا شك أن البيان من أفضل نعم الله على الإنسان، قال تعالى : (الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان)، والبيان الكلام، وأصل المادة (ب ي ن) يدل دلالة صريحة على الوضوح والإبانة الكاشفة، وليس (البيان) مجرد النطق الصوتي معزولا عن المشاعر والأحاسيس والأفكار على ما سبق بيانه، فالحيوان في عمومه الطلق له لغة غريزية، وقد زوده الله بأجهزة عضوية من سمع وبصر وصوت تتفهم بها جموعه وأفراده، ولكن يظل نطق الإنسان بيانا. وسمعه وعيا وإدراكا، وبصره تميزا وهدى، وإلا مسخت إنسانية الإنسان فهبط إلى دونية الدواب العجماء (مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون) البقرة/171، واقرأ آيات : الأعراف 179، والأنعام 39، والإسراء 97.
    وتجدر الإشارة إلى أن اختصاص الإنسان بالبيان يرتبط بهذه المعجزة البيانية للنبي العربي عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، قال تعالى : (نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين) الشعراء.
    لقد جهد العلماء في الوصول إلى خصوصية تميز النوع الإنساني عن عموم جنسه في الحيوان، فكان النطق هو هذه الخصوصية المميزة لنوعنا حين يستوي مع عامة الحيوان من طعام وشراب وتناسل، وما نحتاج غليه من ضرورات البقاء المادي، ثم قالوا في تعريف الإنسان إنه (حيوان ناطق)، وإذا أضفنا إلى ذلك أن نطق الإنسان (بيان) فيكون تعريف الإنسان بأنه (ناطق مبين) تعريفا يرقى باللغة حتى يجعلها شطر ماهيته، وإنما كان للغة هذه المكانة لأنها جليل على القدرة العقلية المفكرة التي اختص بها الإنسان دون سائر المخلوقات الأرضية، ولما كانت اللغة ثمرة العقل والعقل جوهر الإنسان كان من المنطق أن نقرر أن اللغة مجال هذا الجوهر وظهره.
    · إن النطق المبين ظاهرة إنسانية بحتة، وهذا يختلف أشد الاختلاف عن طبيعة الأصوات التي تصدر عن بقية الحيوانات، وصحيح أن كثيرا من الحيوانات تصدر أصواتا تعبر عن الانفعالات الأساسية القليلة مثل الألم والغضب والخوف أو الدعوة إلى الجماع الجنسي، ولكن كلام الإنسان (البيان) يختلف اختلافا جوهريا كما إنه أكثر اتساعا من حيث المفردات بحيث يمكن الإنسان الاتصال مع غيره بطريقة أفضل وأكثر فاعلية.
    · يعقد الباحث نايف خرما(10) فصلا بعنوان طبيعة اللغة، ومما ورد فيه : "وجد أن بعض لغات الحيوان والطيور تتألف من أصوات مفردة يزيد بعضها عن تلك التي يستعملها بعض المجتمعات البشرية، فالمجتمعات البشرة المختلفة تستخدم ما بين أحد عشر وسبع وستين صوتا مفردا، ففي اللغة الإنجليزية مثلا ما يقرب من 45 صوتا، وفي اللغة الإيطالية 27 صوتا، وفي اللغة العربية حوالي 40 صوتا، بينما لا يوجد في لغة سكان جزر هاواي أكثر من 13 صوتا مفردا. أما لغات الحيوانات والطيور فإن في لغة الطيور ما بين 12 و25 صوتا، وفي لغة الحيوانات الثديية الدنيا ما بين 7 و36، وفي لغة الدلفين ما بين 7، و19 صوتا، وفي لغة القرود المختلفة ما بين 10 و37 صوتا مفردا، فالفرق إذن في عدد الأصوات المفردة بين الإنسان والحيوان ليس شاسعا، بل إن في لغات بعض الحيوانات عددا من تلك الأصوات المفردة يفوق ما هو متوفر في لغات المجتمعات المذكورة سابقا" .
    ولكن هذا الاكتشاف ليس هاما بحد ذاته، بل الأهم هو كيفية دلالة تلك الأصوات على المعاني، فهل هي دلالات مباشرة أم هي أشبه بالأصوات المفردة عند الإنسان التي ليس لها دلالة مباشرة؟ ثم هل يمكن للحيوان أن يركب من تلك الأصوات رموزا تدل دلالة غير مباشر على المعنى المقصود؟
    ثم تأتي الإجابة عن ذلك بعد عرض نماذج من تجارب العلماء، فيقول (11): " إن ما تطلق عليه لغة الحيوان ليست لغة حقيقية، إذ لا تتوفر في أي منها جميع المميزات التي تتوفر في لغة الإنسان، بل هي وسائل للاتصال تختلف في مدى تعقيدها، إلا أنها جميعا تشترك في أنها وسائل محدودة تتألف في معظمها من إشارات مباشرة وليست رموزا تشير إشارات غير مباشرة كما أنها جميعا تفتقر إلى عنصر التجديد أو الابتكار الذي يتوفر في لغة الإنسان ويشكل أهم خاصياتها".
    وبقي في قول البيضاوي ما يحتاج إلى إلقاء الضوء عليه وهو مفهومه (للاسم) فقد بين حده اللغوي وأنه من حيث الاشتقاق دال على العلامة ـ من السمة أو السموـ وصفات الأشياء ونعوتها وخواصها دالة على ماهياتها ، والاسم دليل يرفع إلى الذهن صفات المدلول عليه، و(الاسم) في العرف وهو اللفظ الموضوع لمعنى سواء أكان مركبا أم مفردا مخبرا عنه أم خبرا أم رابطة بينهما، واصطلاحا نحويا في المفرد الدال على معنى في نفسه غير مقترن بأحد الأزمنة الثلاثة، والمراد هو المفهوم العرفي للدلالة على المعاني لأن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في معرفة أسمائها، يقول صاحب (في ظلال القرآن)(12) : "ها نحن أولاء ـ بعين البصيرة في ومضات الاستشراق ـ نشهد ما شهده الملائكة في الملا الأعلى … ها نحن أولاء نشهد طرفا من ذلك السر الإلهي الذي أو دعه الله هذا الكائن البشرى وهو يسلمه مقاليد الخلافة، سر القدرة على تسمية الأشخاص والأشياء بأسماء يجعلها ـ وهي ألفاظ منطوقة ـ رموزا لتلك الأشخاص والأشياء المحسوسة، وهي القدرة ذات قيمة كبرى لو لم يوهب الإنسان القدرة على الرمز بالشيء للمسميات، والمشقة في التفاهم والتعامل حين يحتاج كل فرد لكي يتفاهم مع الآخرين على شيء أن يستحضر هذا الشيء بذاته أمامهم ليتفاهموا بشأنه .. الشأن شأن نحلة فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا باستحضار جسم النحلة! الشأن شأن جبل، فلا سبيل إلى التفاهم عليه إلا بالذهاب إلى الجبل! إنه مشقة هائلة لا تتصور معها الحياة، وإن الحياة ما كانت لتمضي في طريقها لو لم يودع الله هذا الكائن على الرمز بالأسماء للمسميات".
    ويحسن أن نعرض لمفهوم اللغة : حقيقتها ووظيفتها في الدرس اللغوي الحديث. أما من حيث حقيقة اللغة فلقد انتهى الدرس الحديث إلى أن أصل اللغة غامض مجهولا فائدة من البحث فيه. يقول الدكتور عبد الصبور شاهين(13): " ليس من الممكن تحديد الزمن الذي تفجرت خلاله في الإنسان عبقريته اللغوية، فذلك أمر يتعلق بالغيب التاريخي، الذي يطلقون عليه: (ما قبل التاريخ). وليس من الممكن أيضا إعطاء صورة واضحة عن الخطوات الأولى للإنسان في طريق اللغة، وإن كان من المؤكد أن اهتداء هذا الإنسان إلى استخدام صوته، في شكل حرف معبر هو صورة هذه العبقرية المتفجرة، وهو في الواقع بداية للحياة الإنسانية الحقة التي تمخضت عن الحضارات الكبرى المتتابعة، بل عن الأديان والرسالات السماوية، التي خاطبت الإنسان في كل زمان ومكان بوحي من الله : (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك)غافر/78".
    وينكر (فندريس) القول بأصل اللغات وينادي باستحالة الوصول إلى نتيجة قطعية تبين الصورة التي بدأ يتكلم فيها: فهناك لغات تنتسب إلى تواريخ منها القديم ومنها الأقدم، ويقرر أنه يمكننا أن نعرف بعض اللغات الحديثة في صورته قديمة ترجع إلى أكثر من عشرين قرنا، ولكن أقدم اللغات المعروفة، اللغات الأمهات كما تسمى أحيانا، لا شيء فيها من البداية ، ومهما اختلفت عن لغاتنا الحديثة فإنها تفيدنا علما بالتغيرات التي طرأت على الكلام، ولا تدلنا على شيء من كيفية نشوئها(14).
    أما وظيفة اللغة فهي تحقيق الاتصال بين المتكلمين، وإنه لا قيمة للأصوات والكلمات والصيغ والتراكيب إلا بمقدار ما يتعارف المجتمع على أنها رموز للدلالة : "أليس هذه الألفاظ العامة التي نستعملها : كالشجرة، والإنسان، والبشرية، والحرية أشبه بالرموز الرياضية؟" أليست أشبه بالنقود التي يرمز بها إلى القيم؟ أو لم تكن الرموز الرياضية والاقتصادية وسيلة للرقي في الميدانين الفكري والاقتصادي؟ وكذلك اللغة، فهي لم تقتصر على كونها معبرة عن التفكير، بل كانت كذلك أداة إنمائه وارتقائه …؟.
    وعلى ما ذهب إليه فيليب لوكوربييه Philippe Le Copbeller، إذ يرى أن الكلام كان هو الخطوة الأولى التي خطاها الإنسان في مجال الاتصال حتى يمكن القول إن اللغة هي نوع من الشفرة Code التي تشير أو ترمز إلى أشياء معينة أو ترمز إليها، وبذلك فإن صوتا معينا يشير أو يرمز إلى الألم أو إلى الخوف . كما أن نقطة أو شرطة معينة في شفرة (مورس) تشير إلى حرف معين.
    ولقد غدت دراسة اللغات في الوقت الحاضر من أهم الدراسات فإنه ولتعدد وسائط الالتقاء بين مجتمعات العصر الذي نعيشه فقد شاعت مصطلحات موحدة غدت رصيدا مشتركا بين جميع الأمم، ناهيك عما رافقها من أفكار وأساليب في طرائق العيش والحضارة. ولكن المهم هنا أن الإنسان ظل يعتمد اللغة والكلام وسيلة لتحقيق أغراضه.
    ورغم أن ما يستخدمه الإنسان من ألفاظ لها معان محددة في معجمه، إلا أن هذه الألفاظ بدأت تأخذ دلالات جديدة تبعا للطريقة التي تنطق بها والإشارات المصاحبة لها.
    وربما كان المتخصصون أو المنشغلون بالعلوم الطبيعية عموما من أشد الناس حرصا على تحديد مدلول اللفظ عندهم حتى لا يساء استخدامه للتأثير في أفكار الآخرين وآرائهم ووجهات نظرهم ومشاعرهم. لذلك نرى حرص هؤلاء النفر على لغة موحدة للمصطلحات.
    ووجد الإنسان العادي نفسه في حاجة إلى اعتماد الأسلوب العلمي في التفكير والسلوك ليعيش الانسجام مع عصره عصر العلم والتقنية.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 07, 2016 7:22 am