منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    اصول البلاغه النبويه

    شاطر

    عبدالعزيز 3

    عدد المساهمات : 7
    نقاط : 24
    تاريخ التسجيل : 13/03/2010

    اصول البلاغه النبويه

    مُساهمة  عبدالعزيز 3 في السبت مارس 13, 2010 10:41 pm

    أصول البلاغة النبوية

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
    أما بعد،
    فقد كثرت في الأيام الأخيرة فلول الشانئين الأصاغر، المتعرضين لمقام الحبيب صلى الله عليه وسلم، بالعيب والثلب، وهم أحق به وأهله. وقد تجمعوا بقضهم وقضيضهم، وأجلبوا بخيلهم ورَجلهم، وستروا قبيح قصدهم، بمسوح من الحرية المزعومة طورا، وحق التعبير طورا آخر، وإن هو إلا الحقد المتأججُ أواره، منه استمداد فَعالهم، وإليه مرجع أقوالهم، وعليه مدار فكرهم – إن صح أن لأمثالهم فكرا !
    وقد قدح زنادَ ذاك الحقد – قديما ولا يزال – جهلٌ غُدافي الإهاب، هم فيه سادرون، قد غرقوا في غَمرته، بل عُجنوا من طينته، فهم منه في عَماية، حجبتهم عن الصواب، فلا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا.
    وقد قيل قديما: (المرء عدو ما يجهل).
    وإن من أعظم ما يجاهَد به هؤلاء الحاقدون المتربصون ويُجالَدون، أن تنصب أمام أعينهم الكليلة موائد العلم، بلألائها الفتان، ونورها البراق، لعلها تُفَتّق منهم تلك البصائر العشواء.
    على أهل العلم في هذه الأمة الفاضلة الخيرة، أن يعرضوا على الناس، صورة ذلك الحبيب المبعوث رحمة للعالمين، فيربطوا بين الخلق وبين هاديهم ومرشدهم، بوشيجة من المعرفة الوثيقة التي تثمر محبة صادقة، تنبت من بذرتها شجرة إيمان راسخ.
    ومن أراد سلوك هذا السبيل من دعاة الأمة وعلمائها – أعني سبيلَ التعريف بالحبيب عليه الصلاة والسلام – فلَيجدنّ من القول متسعا، بل لتتشعبن به فروع القول، حتى يحتاج إلى أرسان من قواعد المنهج، يضبط بها جماح الكلام.
    فإنك مهما شئت أن تلمس تجسيدَ خصلة من خصال الخير، أو صفة من صفات الكمال الإنساني، فإنك في رسول الله صلى الله عليه وسلم واجدُها في أبهى صورها، وأكمل حالاتها.
    وقد جعلت من وُكدي، أن أنهدَ إلى جانب من جوانب هذا الكمال البشري المتمثل في شخصية النبي الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم؛ وهو جانب الفصاحة والبلاغة.
    وإن الهيبة لتسطو بالنفس، وتأخذ بتلابيبها لتأطرها عن ركوب هذا البحر الغطمطم الذي يخشى الضياع في خضمه !
    وإن الخشية لتتملك أرجاء الفؤاد حين يهم بسلوك هذا المهْيع الفسيح الشائك الذي لا تؤمن فيه العثرة والزلة !
    وكأني بك تسأل بإنكار: أحقا تبغي بألفاظك الكليلة أن تصف أشرف الألفاظ؟
    أم تُراك قد زينتْ لك جراءةُ نفسك أن تكلف يراعك الذليل من أمره شطط الكتابة عن خير ما خطه يراع؟
    أم لعلك تروم أن تحدثنا بكلماتك عن خير كلمات فاه بها رجل من البشر؟
    ولست متكلفا لسؤالك جوابا؛ غير أنني أقول: هي المحبة جدَحت لي يدُها كأسَ النطق، فكان ما كان مما تراه منثورا بين يديك الآن.

    مقدماتٌ ممهدات:
    يحسُن بي – قبل الشروع في اللب المقصود بالذات- أن أعرف بالأثافي الثلاثة التي يتركب منها عنوان المقال – أي: (أصول البلاغة النبوية) - إذ معرفة المركب فرع عن معرفة مفرداته.
    فلأبدأ بالثاني من هذه الأثافي، ولأُثن بالثالث، ولتكن (الأصول) ثالثتها.
    • البلاغة والفصاحة:
    اختلفت أقوال العلماء في تعريف هذين المصطلحين، وفي بيان الفرق بينهما) (.
    والذي استقر عليه كلام البلاغيين، أن كلا منهما يقع صفة لمعنيين: أولهما الكلام، وثانيهما المتكلم. فتقول: شعر فصيح أو بليغ، وشاعر فصيح أو بليغ. وتختص الفصاحة بكونها صفة للمفرد فيقال: لفظة فصيحة ولا يقال لفظة بليغة.
    وبعد هذا، فإن فصاحة المفرد، هي خلوصه من عيوب ثلاثة:
    o تنافر الحروف: وهو وصف في الكلمة ينشأ عنه ثقلها في اللسان، وصعوبة النطق بها، كلفظة (الهعخع).
    o الغرابة: بأن تكون الكلمة وحشية، غير ظاهرة الدلالة على المعنى، كلفظة جحْلَنجع، التي ذكرها أبو الهميسع في بعض رجَزه.
    o مخالفة الوضع: بأن تكون الكلمة مخالفة لما ثبت عن الواضع) (، كقول القائل (الأجلل) يريد (الأجل) ففك الإدغام مخالفا للقياس الصرفي.
    وزاد بعض البلاغيين، أن تخلص اللفظة من الكراهة في السمع، كلفظ (النقاخ) بمعنى الماء العذب. وفيه نظر، لأن في ذكر الغرابة غنية عن ذكر هذا العيب، لأن استكراه السمع للفظ إنما جاء من جهة وحشيته وغرابته.
    وأما فصاحة الكلام، ففي براءته من عيوب ثلاثة أيضا – وذلك بعد خلوص مفرداته من العيوب السابق ذكرها -:
    o تنافر الكلمات: وهو وصف في الكلمات مجتمعة، يوجب ثقلها على اللسان، وعسر النطق بها، كقول الشاعر: (في رفع عرش الشرع مثلك يشرع).
    o ضعف التأليف: وهو أن يكون الكلام مخالفا في تركيبه المشهور من قواعد النحو، كالإضمار قبل ذكر المرجع لفظا ومعنى وحكما، كما في قول الشاعر:
    (ولو أن مجدا أخلد الدهر واحدا من الناس، أبقى مجده الدهر مطعما)) (.
    o التعقيد: وهو أن يكون الكلام غير ظاهر الدلالة على المعنى المراد، لخلل واقع فيه. وهو نوعان: لفظي ومعنوي. فالأول كقول الشاعر:
    وما مثله في الناس إلا مملكا أبو أمه حي أبوه يقاربه
    والثاني كقول العباس بن الأحنف:
    سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا وتسكب عيناي الدموع لتجمدا.
    وقد اشترط بعض العلماء في فصاحة الكلام، خلوصه من كثرة التكرار وتتابع الإضافات. وليس الأمر على إطلاقه، فقد يوجد من ذلك في الكلام الفصيح، بل في أفصحه، كما في قوله تعالى: (ذكر رحمة ربك عبده زكريا)، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم الثابت في الصحيح: (الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم). والمرجع في هذا إنما هو إلى ثقل اللفظ أو خفته على اللسان.

    هذا ملخص ما ذكره البلاغيون في هذا المبحث.
    لكن العمدة – عند التحقيق – إنما هي على لحظ تصرفات البلغاء في خطبهم ورسائلهم وقصائدهم، لا على هذه الضوابط الرياضية الصارمة؛ إذ الضوابط عصا الأعمى – فيما قيل) (.
    وقد كان العرب الأقحاح في الأعصار المتقدمة يرسلون الكلام على سجيتهم، فيجيء منه كلام بليغ تارة، وأقل بلاغة تارة أخرى. وكان الذوق العربي سليما من عوارض الهجنة، وآثار العجمة. فكان الاعتماد عليه في تمييز البليغ الفصيح من غيره.
    ثم جاء من بعدهم فقعّدوا وأصلوا، وكان في ذلك خير كثير. لكن بالغ المتأخرون في تتبع القواعد النظرية، والجمود على القوانين الجاهزة، وأهملوا التطبيق العملي، وإعمال الذوق اللساني البليغ.
    فلتكن نظرتنا إذن – في هذا البحث – نابعة من هذا الأصل الذوقي، ولنكن من القواعد على ذُكر، نتطلبها عند الحاجة إليها، حين يخوننا ذوقنا الهائم في سباسب العُجمة.

    • موضوع البحث:
    موضوع الكلام هو الأحاديث القولية الصحيحة المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    فلا يدخل في مبحثنا حديث فعلي، ولا تقريري، ولا حديث في صفة الحبيب صلى الله عليه وسلم. والأمر في هذا أظهر من أن يحتاج إلى بيان.
    ولا يدخل حديث في رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تردد أو شك. وهذا حال الأحاديث المعلولة التي تجاذبها حالا رفع ووقف) (.
    ولا يدخل كذلك حديث غير صالح للاحتجاج، لكونه ضعيفا أو موضوعا أو نحوهما.
    بل أزيد فأقول: لا ينبغي أن تدخل في بحثنا هذا الأحاديث المختلف في صحتها بين الحفاظ. لأن المقامَ مقامُ تأصيل وتقعيد، وهو لا يناسب مراتب الظنون، وإنما يحتاج إلى ثلج اليقين.
    وهذا الاحتراز الثالث عظيم الخطر، سامق الشأن. لكن أغلب المتكلمين في هذا الباب معرضون عنه في التطبيق، مع كونهم مجمعين على صحته عند التنظير.
    ولعل السبب في ذلك، تجاذب الاختصاصات العلمية. وذلك أن الباحثين في أبواب البلاغة عموما – والنبوية منها خصوصا – هم من أرباب اللغة والبيان، وليسوا من المحدثين والحفاظ.
    ولذلك كثر عنذهم الاستدلال بالأحاديث التي لا تصلح للاستدلال، لفقدها ركن الثبوت، وهو الأساس الذي يبنى عليه الاحتجاج.

    وقد يكون لهذا المأخذ – أي: ضرورة التأكد من ثبوت الأحاديث النبوية قبل الاستنباط منها - علاقة بإحجام جمع من العلماء عن الخوض في هذا الفن الرفيع.
    ولما كان القرآن قطعي الثبوت، تكلموا في إعجازه البلاغي، فأطابوا وأطنبوا. بل ما خرج علم البلاغة إلا من رحم الإعجاز القرآني) (. أما الكلام على البلاغة في الحديث النبوي، فلم يرق إلى نفس المرتبة ولا إلى قريب منها.
    على أن الفرق بين البلاغة النبوية والإعجاز القرآني ثابت ظاهر لا سبيل إلى طمسه. وهو ذاتُه الفرق بين المعجز وغير المعجز، والفاصل بين كلام الخالق وكلام المخلوق. وذلك أن كلام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم مهما ارتقى في درجات البلاغة، وتسامى إلى سماء الفصاحة، يبقى كلاما بشريا، تلفه مسحة الإنسانية، وتغلفه سرابيل الفناء البشري.
    أما القرآن الكريم، فلا تجد فيه حين تتذوق ألفاظه، وتتدبر معانيه، شيئا من حالات النفس الإنسانية، أو أثرا من تقلباتها. ولذلك تقف أمامه عاجزا متحيرا، تشعر بذل المخلوق وضعفه أمام عظمة الخالق سبحانه.
    ولذلك قال الجاحظ:
    (.. لأن رجلاً من العرب لو قرأ على رجل من خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة، طويلة أو قصيرة، لتبين له في نظامها ومخرجها، وفي لفظها وطبعها، أنه عاجز عن مثلها. ولو تحدى بها أبلغ العرب لظهر عجزه عنها. وليس ذلك في الحرف والحرفين، والكلمة والكلمتين.
    ألا ترى أن الناس قد كان يتهيأ في طبائعهم، ويجري على ألسنتهم أن يقول رجل منهم: الحمد لله، وإنا لله، وعلى الله توكلنا، وربنا الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وهذا كله في القرآن، غير أنه متفرق غير مجتمع؛ ولو أراد أنطق الناس أن يؤلف من هذا الضرب سورة واحدة، طويلة أو قصيرة، على نظم القرآن وطبعه، وتأليفه ومخرجه لما قدر عليه، ولو استعان بجميع قحطان ومعد بن عدنان)) (.
    وفي معنى هذا قول الله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا)) (.
    وهذا لب الإعجاز البلاغي القرآني، الذي لا مطمع لأبلغ البلغاء في متابعته فضلا عن مجاراته. ومَن تجشم عناء معارضته من أهل الشقاق، ما زاد على أن فضح نفسه، وأتى بما جعله هزؤا أبد الدهر) (. أما كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإنه - على بلوغه أعلى مراتب الفصاحة – فيه من آثار النفس الإنسانية ما يجعل البلغاء يطمعون في محاكاته، لما يلمسونه من الصلة البشرية بينهم وبينه.

    وأمر آخر له تأثير في هذا التفريق بين القرآن الكريم والبلاغة النبوية، وهو مسألة الرواية بالمعنى في الحديث. وهي مسألة عظيمة الشأن جدا، جديرة بأن تخصص لها وقفة يسيرة، تجلو غوامضها.
    وجماع الأمر فيها، أن الرواية بالمعنى ثابتة في طائفة من الأحاديث النبوية، حتى قال الثوري: (إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني، إنما هو المعنى)) (. لكن، لا يكون ذلك مانعا في الاستدلال بالحديث على الأصول العامة للبلاغة النبوية، وذلك للأوجه التالية:
    الوجه الأول: أن الأصل عند المحدثين الاعتناء بضبط ألفاظ الحديث، ومنهم من كان يتشدد في ذلك – على ما هو مقرر. فالرواية بالمعنى أمر عارض لا ينبغي أن يسوى بالأصل الثابت. يؤكده
    الوجه الثاني: وهو أن من قال من الحفاظ بجواز النقل بالمعنى، إنما قاله من باب التجويز العقلي، الذي لا يتنافى – في الغالب - مع وقوع عكسه. فالغالب على الظن أن الألفاظ الأصلية للنبي صلى الله عليه وسلم لم يطرأ عليها تبديل البتة، أو لم يساورها غير شيء من التبديل يسير.
    الوجه الثالث: أن الرواية بالمعنى – على فرض كونها محل اتفاق - لا تعم كافة أصناف الحديث. وإنما الغالب وقوعها في الأحاديث الطويلة. أما الأحاديث القصار، أو حِكم النبي صلى الله عليه وسلم وأمثاله، ونحو ذلك، فإن الرواة يحافظون على نصها، ولا يعدلون عنه، لانعدام الحاجة إلى ذلك.
    الوجه الرابع: أن التبديل الواقع في الحديث بسبب الرواية بالمعنى، إنما يكون في اللفظة الواحدة بعد اللفظة، أو في بعض دقائق التركيب، مع بقاء الهيكل العام للحديث، وهو – في الأعم الأغلب – موضع حكم الذوق بالبلاغة.
    الوجه الخامس: أن للمحدثين - خاصة منهم أهل العلل - طرقا خاصة يجمعون بها روايات الحديث الواحد، فيظهر من جمعها إن وقع في نص الحديث تصرف من الرواة أم لا. ثم إن كان الحديث مما اختلفت فيه ألفاظ رواته، من غير سبيل للترجيح بينها، فالمتعينُ تنكبُه في مبحثنا هذا.
    الوجه السادس: أن الشك المتطرق إلى بعض الأحاديث بسبب من احتمال الرواية بالمعنى، لا ينفي صحة الأصول العامة المأخوذة بطريق الاستفاضة والتواتر، من مجموع الأحاديث النبوية.
    وفي الجملة، فإن هذه المسألة – وإن صح عدّها سببا في تأخر بحث البلاغة النبوية مقارنة ببلاغة القرآن الكريم - لا ينبغي أن تصرف الباحث في الموضوع عن مراده.

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 05, 2016 5:45 pm