منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    الإعجاز البلاغي في استخدام الفعل المبني للمجهول

    شاطر

    ع العوفي

    عدد المساهمات : 5
    نقاط : 15
    تاريخ التسجيل : 14/03/2010

    الإعجاز البلاغي في استخدام الفعل المبني للمجهول

    مُساهمة  ع العوفي في الأحد مارس 14, 2010 3:52 pm

    َتَأْلِيفُ د/ مُحَمَّد السَّيِّد مُوسَى أستاذ البلاغة والأدب كلية الآداب- جامعة المنصورة
    الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف الأنبياء وسيد المرسلين سيدنا محمد وعلي آله وأصحابه والتابعين لهم بالإحسان إلي يوم الدين.
    وبعد، فاٍن من أسرار البلاغة العربية وذوقها أن تساير الأساليب المختلفة وتتماشى مع المواقف والسياقات حسبما يتطلب المقام اللغوي والنفسي, " والبلاغة الحق – إضافة إلي كونها الكلام المكتوب أو المسموع, هي التي تقدر الظروف والمواقف, وتعطي كل ذي حق حقه, سواء أكانت شعرًا أم نثرًا, مقالا أم قصة, مسرحية أم حكاية, مديحا أم هجاء, غزلا أم استعطافا" [1]
    والقرآن الكريم له نظمه العجيب وتركيبه الفريد الذي يأخذ بالألباب ويسوق إليه أعناق البيان " فكان من إعجاز القرآن أنه أقام أبنية من النظم الكلامي غير مستندة إلا علي ما بينها من تناسق هندسي, وتجاذب روحي، احكمه الحكيم العليم, وقدره اللطيف الخبير، في القرآن الكريم صور كثيرة من هذا النظم الذي يعتمد علي تجاذب الكلمات وتعانق الآيات, فيكون ذلك رباطها الذي يمسك بها ويشد بعضها إلي بعض في وثاقة وإحكام [2].
    ومن المعلوم أن سياقات الكلام تختلف باختلاف المقام, فتختلف الألفاظ والجمل تبعا لذلك, وما يصلح من لفظ في سياق لا يصلح في غيره، ولا يؤدي نفس المعنى والدلالة.
    وكذا الشأن في استدعاء النص للجملة الاسمية أوالفعلية التي تدل علي الحدث وتشتمل علي دلالتها وفاعلها الذي قد يحذف من الجملة لدواع يقتضيها المقام: " بعضها لفظي, كالرغبة في الاختصار في مثل: لما فاز السّباق كوفئ, أي كافأت الحكومة السّباق, مثلا، وكالمماثلة بين حركات الحروف الأخيرة في السجع, نحو: من حَسُن عملُه عُرف فضلُه، وكالضرورة الشعرية، وبعضها معنوي, كالجهل بالفاعل, وكالخوف منه, أوعليه وما يصلح لكل واحد من الثلاثة قولنا: قُتِلَ فلان, من غير ذكر اسم الفاعل وكإبهامه, أوتعظيمه بعدم ذكر اسمه علي الألسنة صيانة له, أوتحقيره بإهماله, وكعدم تعلق الغرض بذكره, حين يكون الغرض المهم هوالفعل، وكشيوعه ومعرفته في مثل: جُبلت النفوس علي حب من أحسن إليها، أي: جبلها الله وخلقها ".[3]
    ومقامات الكلام وسياقاته هي التي تحمل دلالة تلك الأغراض السابقة التي تختلف من موضع لآخر, فليس الغرض متعلقا أو دالا من حيث لفظته المفردة, ولكنه يأتي من النظر في التركيب وتعلق الألفاظ ببعضها, وتفسير هذا كما يذكر عبد القاهر الجرجاني " أنه ليس إذا راقك التنكير في سؤدد " [4] من قوله: تنقل في خلقي سؤدد وفي دهر من قوله: فلو إذ بنا دهر [5] فانه يجب أن يروقك أبدا وفي كل شئ, ولا إذا استحسنت لفظ ما لم يسم فاعله في قوله وأنكر صاحب, {لم يقل: أنكرت صاحبا}, فإنه ينبغي أن لا تراه في مكان إلا أعطيته من استحسانك ههنا؛ بل ليس من فضل ومزية إلا بحسب الموضع, أو بحسب المعنى الذي تريد, والغرض الذي تؤم " [6] .
    وقد تحدث البلاغيون القدامى عن الفعل الذي لم يسم فاعله ونظروا في دلالته ومواقعه المتباينة, وهي وإن كانت نظرات إشارية تعد بمثابة اللمحة الخاطفة لا التحليلية العميقة, إلا أنها تدل علي ذوقهم البلاغي وحسهم المرهف بمواقع الكلام وأدوات التعبير, وإذا " كانت التيارات الجديدة قد شغلت نفسها بتحليل أدوات اللغة بكل طاقاتها التأثيرية والاٍقناعية, وبكل مهامها الانفعالية, فاٍن المهمة نفسها قد شغلت البلاغة القديمة, وقد أفاد منها – بلا شك – الخطاب الأدبي التراثي, وسوف يفيد – بلا شك أيضا – الخطاب الأدبي الحديث"[7].
    وإذا كانت نظرة النحاة والبلاغيين قد اشتركت في تعيين أغراض عدم تسمية الفاعل, من العلم به أوتعظيمه أوصيانته عن الابتذال والامتهان أو مناسبة الفواصل أو مناسبة ما تقدم, أوكما ذكر السيوطي من أغراض للاختصار أو التنبيه علي أن الزمان يتقاصر علي الإتيان بالمحذوف أوأن الاشتغال بذكره يفضي إلي تفويت المهم. [8]
    فاٍنه ينبغي النظر إلي الروح السارية أوالحياة النابضة الآخذة بلب السياق؛ لأن السياق قد يحمل أكثر من غرض لعدم تسمية الفاعل, أويبرز غرضًا أساسيًا أو جوهريًّا حاملاً معه من الأغراض ما يتطلبه المعنى ويقتضيه المقام.
    وقد نظر الزركشي إلي بناء الفعل طبع للمجهول في سياقه نظرة التناسب مع ما تقدم, وذلك في قوله تعالى: {وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ}[التوبة86 – 87]
    فصدر الآية الكريمة جاء بالبناء للمفعول أُنْزِلَتْ سُورَةٌ, فتناسق الختام مع البدء وجاء الفعل طبع مبنيا –أيضًا – للمجهول, وهذا بخلاف قوله تعالى ما بعدها: وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ, فاٍنه لم يقع قبلها ما يقتضي البناء, فجاءت على الأصل. [9]
    فهذا الغرض وإن كان كذلك, إلا أنه ينبغي النظر إليه من ناحية أخرى, حيث استخدم هذا الفعل في مقام الذم وقدح الكافرين فقط, ولم يأت هذا الفعل مبنيا للمجهول إلا في موضعين فقط, وقد تمت الإشارة إلي ذلك في موضعها من البحث.
    وقد وقف ابن الأثير مع هذه الروح السارية في النص, عندما وقف مع الالتفات في بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله أوتكلمه في قوله تعالى: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ, بعد أَنْعَمْتَ, ولم يقل غير الذين غضبت عليهم؛ لأن اسم المفعول مشتق من الفعل المبني للمجهول،.

    فاعتبر ذلك عطفًا علي الأول؛ لأن الأول موضع التقرب من الله بذكر نعمه, فلما صار إلي ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب, فأسند النعمة إليه لفظا, وزَوَي عنه لفظ الغضب تحننا ولطفا ".[10]
    هذا وإن الفاعل عندما يحذف من الجملة فإنما ينوب عنه " في رَفْعِه وعُمْديته ووجوب التأخير عن فعله, واستحقاقه للاتصال به, وتأنيث الفعل؛ لتأنيثه واحدٌ من أربعة: الأول: المفعول به نحو: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [هود44].
    والثاني المجرور نحو: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف149], والثالث: مصدر مختص, نحو: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ}[الحاقة13], والرابع: ظرف متصرف مختص, نحو: صيم رمضان, وجُلس أمام الأمير.[11]
    البِنَاءُ لِلْمَجْهُولِ وَالتَّصْوِيرِ
    يقصد بالتصوير هنا ما يقوم به الفعل المبنى للمجهول من تصوير لأحداث المشهد الغيبي الذى غابت دقائقه عن المتلقى أو خفى عن ذهنه وخياله.
    أَوَّلاً: المشَاهِدُ الغَيْبِيَّةُ
    تعمل الأساليب القرآنية في المشاهد الغيبية عملا حيا يساعد نفس الملتقي علي تلقي كينونة المشهد بمعناه العميق؛ ليتدارك خياله ما قصرت عنه حواسه المادية, فتتغاير الأفعال والجمل بتغاير الأحداث والوقائع والأشخاص، فنجد فعلا بعينه يدور في المواضع الكثيرة مبينا للمعلوم ليقرر الحقيقة دامغة واقعة شاخصة للعيان, لا جدال فيها ولا مراء, وذلك كالفعل رزق مثلا الذي جاء معلوما في كل المواضع القرآنية إلا أربعة مواضع, كقوله تعالى: {أَمَّنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [النمل 64].
    وكقوله تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة 16].
    وقد تغاير هذا الفعل من المعلوم إلي البناء للمفعول؛ لحكمة يقتضيها السياق كما في قوله تعالى: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ} [البقرة25]
    رُزِقُو هنا بمعنى: أطعموا, قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ أي: أطعمنا من قبل.1
    وهذه اللوحة من مشاهد الجنة الغيبية, فلا تعلم حقيقة الرزق فيها، ولا حقيقة الإتيان وَأُتُو, فيضم المشهد حدث الفعل من الرزق مع المتمتع به, وكذا الإتيان مع المنتفعين به، وفي بناء الفعل للمفعول رُزِقُوا - رِزْقاً - وَأُتُوا دلائل أخرى وهي أن هذا الرزق يأتيهم دون جهد أوعناء أوبحث أوشقاء, وقد شاع في جو الآية جرس موسيقي أحدث إيقاعا متناغما من تكرار الرزق: رُزِقُوا - رِزْقاً - رُزِقْنَا، الوارد في سياق النكرة المفيدة للعموم من ثمرة رزق.
    ومثله ما جاء في سياق مشهد الآخرة الغيبي وهو من مشاهد الجنة في قوله تعالى: {فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر40].
    وقد جاء فعل الرزق مبنيا لمفعوله في موضع ثالث من قوله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون َ} [آل عمران169].
    فهي حياة خاصة مغايرة للحياة المعهودة, ولذلك خصصها بقوله عِنْدَ رَبِّهِمْ وبني الفعل يُرْزَقُون للمفعول؛ إشارة لاختلاف هذه الحياة، وأنها من نوع خاص يجري الرزق عليهم ويأتي إليهم, كما يجري الرزق لأهل الدنيا، فهي إذا قد وردت قي سياق المشهد الغيبي من حياة الدار الآخرة.
    وقد جاء فعل الرزق مبينا لمفعوله في موضع رابع من قوله تعالى: {قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ}[يوسف37].
    طعام ما على العموم والشمول كما دلت النكرة في سياق النفي, وقد زاد ذلك في إبراز إعجاز الموقف الغيبي الذي تطلب بناء الفعل تُرْزَقَانِهِ للمفعول, وذلك أن يوسف عليه السلام " وصف نفسه بما هو فوق علم العلماء, وهوالإخبار بالغيب, وانه ينبئهما – وهما الفتيان اللذان دخلا معه السجن – بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما ويصفه لهما, ويقول: اليوم يأتيكما طعام من صفته كيت وكيت, فيجدانه كما أخبرهما".[12] وفي سياق الحديث عن الجنة والنار وهي من مشاهد القيامة الغيبية الخفية، مجهولة العالم أوالواقع الملموس؛ جاء التعبير عنها بالفعل المبني لمفعوله, وذلك معرض ذكر الجنة مقابل ذكر النار, وذلك في قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِين َ} [البقرة24].
    وقوله تعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}[آل عمران 131].
    وقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [آل عمران133].
    وقوله تعالى: {سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُوالْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الحديد21].
    فلفظ الإعداد هنا بمعناه اللغوي الموحي بالمتانة والإتقان, وبما لحق اللفظ من تضعيف وبناء للمفعول, يعمل علي إحضار المشهد " ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة، أوالحركة المتجددة, فإذا المعني الذهني هيئة أوحركة، وإذا الحالة النفسية لوحة أو مشهد، وإذا النموذج الإنساني شاخص حي, وإذا الطبيعة البشرية مجسمة مرئية ".[13]
    وقد جاء الفعل نفسه مبينا للمعلوم عند الحديث عن اسم أوصفة أومعنى من معاني الجنة والنار أو كالأجر والعذاب والسعير وجهنم, كقوله تعالى: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم ُ} [التوبة89], فهي جنان ودرجات داخل الجنة التي أعلاها الفردوس الأعلى.
    {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيمًا} [الأحزاب35].
    {إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا} [الأحزاب64].
    فالسعير اسم من أسماء النار ومن دركاتها
    {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [الفتح6] وجهنم –عياذا بالله – من دركات النار, ومنها الدرك الأسفل, كما في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا} [النساء145].
    فيتضح مما سبق أن لفظ أَعَدَّ بصيغة البناء للمفعول لم ترد إلا في معرض الحديث عن الجنة والنار باسمها العام الذي يمثل الإطار العام للجنة والنار.
    وفي سياق الحديث عن الجنة جاء الفعل يُطَافُ مبنيا للمجهول مرة، ومبنيا للمعلوم مرة أخرى, يقول تعالى: {وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا} [الإنسان15], ويقول جل شأنه: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُورًا} [الإنسان19].
    فهذه المغايرة من المجهول إلي المعلوم لحكمة اقتضاها السياق, وتدخلت الصيغة اللغوية لتصوير المشهد, فالطواف في كلا المشهدين خاص بأهل النعيم من الجنة عَلَيْهِمْ ولكن " ذكر الأول بلفظ مجهول لأن المقصود ما يطاف به لا الطائفون, ولهذا قال: {بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ} ثم ذكر الطائفين فقال: {وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ}. [14]
    وفي مجال العلم جاء الفعل علم في القرآن الكريم معلوما؛ ليظهر حقيقة الفاعل في وضوح وجلاء, ويتسلط الضوء عليه ويبرز الاهتمام به, كقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الحديد17], فالبشر واوالجماعة في اعْلَمُو هم المعنيون بالعلم؛ ليصل بهم إلي الإيمان والتوحيد.
    وقوله جل شأنه: {وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَونَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف21]، فيظهر فاعل العلم – سبحانه وتعالى – ليتحقق جانب النبوة عند يوسف عليه السلام وبعثته لقومه.
    وقد جاء الفعل علم مبينا لمفعوله في أربعة مواضع لحكمة اقتضاها السياق في تقريب المعني الخفي وحقيقته التي توارت خلف الستار، يقول تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}[الأنعام91] فالأفعال الواردة في هذه الآية كلها جاءت مبنية للمعلوم وَمَا قَدَرُوا - مَا أَنْزَل َ- أَنْزَلَ - تَجْعَلُونَهُ – تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ، وجاء هذا الفعل عُلِّمْتُمْ وحيدًا فريدًا مبينًا لمفعوله في وسط هذا المشهد المعلوم, ولعل ذلك يشير إلي حكمة بليغة وهي لفت الذهن إلي مصدر هذا العلم, وهومصدر غيبي خفي عن الأبصار وماديات الحياة الدنيا المتعارف عليها, فهومن عند الله تعالى, " والخطاب لليهود, أي علمتم علي لسان محمد "صلى الله عليه وسلم" مما أوحي إليه ما لم تعلموا أنتم, وأنتم حملة التوراة, ولم تعلمه آباؤكم الأقدمون الذين كانوا أعلم منكم, {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}النمل:76, وقبل الخطاب لمن آمن من قريش ".[15]
    وفي مجال هذا العلم الخفي, غير المتاح لكل أحد, وإنما هوعلم غيبي يصدر عن المولي عز وجل, جاء فعل العلم مبينا لمفعوله في موضع ثان من قوله تعالى: {قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} [الكهف66], وهنا يطلب بني موسي عليه السلام من هذا العبد الصالح أن يتبعه ليتعلم من علمه الذي علمه إياه, وهذا توجيه من الله – تعالى- لموسى أن يفعل ذلك ويتبع هذا العبد الصالح, بعد أن سئل موسي عليه السلام, كما أوردت كتب التفاسير, هل في الأرض من هو أعلم منك؟ فقال: لا.
    واستعملت عَلَى في قوله تعالى: {عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً} استعمال أدوات الشرط, فكان معني الكلام معها: هل أتبعك بشرط أن تعلمني؛ فإن لم تعلمني لا أتبعك, ووجه دلالة على هنا على الشرط بعض الأئمة بأن معناها العام هوالإلزام، ومعني الشرط الإلزام فبين المعنيين تناسب من هذه الجهة، وهي دلالة عَلَى على الشرط حقيقة أومجاز؟ خلاف غير متكافئ والأصح أنه مجاز " [16] .
    والموضع الثالث في قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوالْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل16].
    لم يقل علمن أوأتانا كل شئ , وإنما جاءت الصيغتان بالبناء للمفعول, وحذف لفظ الفاعل للعلم به, كما هو متبادر في مثل هذه السياقات، فالذي علمه هذا العلم الغيبي الخفي, وآتاه من كل شئ هو الله تعالى – فهذا من " التمكين العظيم, حتى اٍنه سخر له الإنس والجن والطير, وكان يعرف لغة الطير والحيوان – أيضا -, وهذا شئ لم يعطه أحد من البشر – فيما علمناه – مما أخبر الله به ورسوله " [17] .
    وهذه المواقف التعجيزية التي تظهر فيها الخصوصية للموقف والمشهد وصاحبه, تستلزم سياقا خاصا ونسيجا لغويا له دلالته, ولذلك جاءت تتمة المشهد بفعلين مبنيين للمفعول: يقول تعالى: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ} [النمل17], فهذا التسخير في حُشِرَ - يُوزَعُونَ لا ينبغي لأحد من البشر سوى نبِيّ الله سليمان عليه السلام وهو تسخير يأتيه من قبل الله عز وجل لا طاقة له به, فهوقوة غيبية مصدرها المباشر من الله تعالى.
    ويمثل الموضع الرابع للفعل المبني للمفعول مشهدا غيبيا من نوع آخر، اٍنه يمثل القيمة الأخلاقية التي تمثل الصفات والطهر في النفس والمجتمع المحيط.
    يقول تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوآبَائِهِنَّ أَوآبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوأَبْنَائِهِنَّ أَوأَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوإِخْوَانِهِنَّ أَوبَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوبَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَونِسَائِهِنَّ أَومَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوالتَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوالطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور31].
    فهذه الآية الكريمة حملت العديد من الأفعال, وهي كلها مبنية للمعلوم إلا هذا الموضع لِيُعْلَمَ والشئ الخفي أو الواجب هو إخفاؤه هو زينة المرأة التي يجب عليها أن تخفيها إلا ما جاء به الاستثناء في الآية الكريمة لاثني عشر شخصًا.
    ولعل السر في كون هذا الوضع الوحيد في الآية كلها فعلا مبنيا للمجهول, هوتعلقه بالسماع ومخاطبة حاسة الأذن, فيهتز القلب تطلعا لهذه الزينة الصادرة عن ضرب المرأة للأرض برجلها وما تلبسه من خلخال أوما يقوم بمهمته ودوره بتطوير الأزمان والأحوال، يؤيد ذلك ما قاله الزجاج: " سماع هذه الزينة أشد تحريكا للشهوة من إبدائها ".[18]
    وقد جاء الفعل مبينا لمفعوله لتصوير المشهد بوقائعه غير المرئية وإبراز عنصر الخفاء وأثره الانفعالي على من واجهه, يقول تعالى: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ َياُ موسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ} [النمل8 -10]
    وقوله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} [القصص:30-31].
    وباستقراء هذه الأفعال التي تأتي مبنية للمجهول نجدها تأتي – أيضا – في مشاهد القيامة, وهما من مشاهد الغيب البعيدة عن الملموس المادي, فهويمثل المشهد بخفاياه ودقائقه, ويعمل علي إبراز فخامته أورهبته، يقول تعالى: {يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [النحل111]
    فيتحضر الذهن مشهد الوفاء توفي ولم تأت تسمية الفاعل للعلم به, ولينصَبَّ الاهتمام علي مشهد وفاء الأعمال بهيبته ورهبته, وقد زاد من رهبة المشهد مجئ صدر الآية الكريمة بكلمة يَوْمَ نكرة؛ لتؤدي دورها الحيوي في إبراز الموقف الخفي عن الأبصار, لتظهر الأشخاص في مشهد جلي, لا يهتم كل شخص إلا بنفسه، " فكل نفس لا يشغلها إلا نفسها, وقد جاءت منفردة, وهي في وسط هذا الخضم من المحشورين لا تحس بشيء إلا بذاتها, فهي تجادل عن نفسها, تدافع أو تحاول الدفاع, وتروم الخلاص, ولا مجال هناك للخلاص ".[19]
    وفي مشهد آخر يتم تصوير دهس المعرضين المنكرين, ويظهر مدي ندمهم, كما لو كان دهسوا وسووا الأرض لكان أهون عليهم من هذا الإعراض, يقول تعالى: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوتُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} [النساء41 – 42].
    فتصدير المشهد بالاستفهام عن الحال كَيْفَ فيه إبراز لجو الفزع والرعب, وإيحاء بنوعية العذاب الهائل الذي لا يوصف, ولذلك جاء التعبير بالفعل يَوَدُّ ليكشف عن مكنون القلب واعتمال الحالة النفسية فيما لو كانت الأرض قد سويت لهم، وصاروا جزءًا منها, فيبدو المشهد بحركة المجئ جِئْنَا مِنْ كُلِّ، جِئْنَا بِكَ وإبراز المعاناة النفسية التي تصير فيها تسوية الأرض بهم إلي حد الأمنية الغالية والمودة الغائبة, فيتمنون الدهس والتسوية تُسَوَّى بالبناء للمجهول لدلالة رغبتهم في دهسهم وتسويتهم بالأرض من أية جهة وبأية طريقة " منطقة الخاص وطريقته المميزة في التعبير عن موضوعاته, فقد التفت القرآن عن مخاطبة الذهن البشري إلي مخاطبة الحس والوجدان, وذلك بمنطق التصوير لا التقرير, ولمنطق التصوير وسيلته التي ميزت أسلوب تناول القرآن لمختلف الموضوعات الإلهية التشريعية والعقائدية والتعبير عنها ".[20]
    وفي موضع آخر من القران الكريم يأتي الفعل الذي لم يسم فاعله؛ ليؤدي دورا بليغا في سياق المشهد الغيبي من ساحة العرض والحساب.. يقول تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقاً يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً} [طه102- 103].
    فالغرض يتعلق بعلاقة الحدث يُنْفَخُ ووقعه وأثره في الصور لتقع الأهوال, ولا مجال لظهور الفاعل في المشهد حتى لا يشغل حيزا أو مساحة يحتاجها المشهد بجزئياته وخطوطه، ويَوْمَ نكرة للتهويل، وهو" منصوب بإضمار اذكر، ويجوز أن يكون ظرف المضمر حذف للإيذان بضيق العبارة عن حصره وبيانه أو بدلا من يوم القيامة أو بيانا له أو ظرفا ليتخافتون وقرأ أبوعمرو وابن محيصن ننفخ بنون العظمة على إسناد الفعل إلى الأمر به وهوالله – سبحانه وتعالى – تعظيما للنفخ, لأن ما يصدر من العظيم عظيم "[21]
    ويقول تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ} [المؤمنون101].
    وقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر68]
    وقوله تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً} [النبأ18].
    فهذه أربعة مواضع من مجموع اثني عشر موضعا للفعل نُفِخَ - يُنْفَخُ هي كل ما جاء في القرآن الكريم في مشاهد القيامة الغيبية, وقد غاب لفظ الفاعل لعدم تعلق الغرض به مثل إبراز الفاعل؛ ليتسلط الضوء على الناس وهم يأتون أفواجا, ولكن في نُفِخَ انْصَبَّ الاهتمام على إبراز الحدث بهوله وشدة صوته التي تكاد تسمعها الآذان, ومن الثابت علميا أن الصوت إذا علا وارتفع كان سببا في إصابة الإنسان بالتوتر العصبي وسرعة الغضب والانفعال, فإذا زاد على حده إلى درجة لم يعد يتحملها الإنسان, أصيب بالصمم, فإذا ظل في الارتفاع خرَّ ميتًا! فالسمع له حدود " فلا تدرك الأذن من الأصوات إلا ما كانت ذبذباته في المدى المسمى بالموجات الصوتية, بينما لا تشعر بموجات اللاسلكي ولا الموجات فوق الصوتية, وحساسية الأذن أيضا محدودة لشدة الصوت, فلا تميز الأصوات لوقلت شدتها عن 10120 وات/م2 بداية مقياس الديسيبل, ولا تتحمل الأصوات التي تزيد شدتها عن 200 ديسيبل, ولو زادت لصعق الإنسان ومات على الفور " [22]
    ومن إعجاز القرآن الكريم إثبات تلك الحقيقة قرآنا يتلى منذ أكثر من أربعة عشر قرنا, بل تنقلب تلك الصاعقة المميتة إلى ضدها, فتتحول تلك النفخة التي أفنت الخلائق, إلي نفخة بعث وحياة!.
    قال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ} [الزمر68], ثُمَّ أدت إلى معنى التراخي الزمني بين النفختين, وقوله تعالى: أُخْرَى دل على أن النفخ في الصور نفختان، ويحدث التحول السريع المفاجئ عقب إرسال النفخ إلى الموتى؛ إلى القيام والنظر كما دلت إِذَ الفجائية.
    أما مشاهد المادة أو الواقع الملموس أو المحسوس, فاٍن الفعل نُفِخَ لم يأت إلا مبنيا للمعلوم, مثل قوله تعالى: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة9].
    وقوله تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم12].
    وقوله تعالى: { َرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران49].
    وقوله تعالى: {آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} [الكهف96].
    فالنفخ من روح الله لخلق آدم أو عيسي عليه السلام واقع بشري ملموس, تلمسه البشرية منذ آدم عليه السلام إلي يوم القيامة؛ ليعيش الإنسان بروح الله دون أن يدري لها سرًّا غير أن فاعلها – جل شأنه – متعين بالقدرة والوحدانية, ولذلك جاءت الجملة اللغوية ناصعة التحديد في إبراز الفاعل، وفي آية آل عمران والكهف نجد مشهد عيسي بن مريم – عليه السلام – وذي القرنين يفتقران إلى وجود الفاعل وإبرازه محددا؛ لتجنب اللبس والغموض الذي يؤدي إلى فساد المعنى واختلاط شخوص المشهد.
    وقوله تعالى في مشهد القيامة: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْأِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ} [الزلزلة 1-6].
    فالزلزلة مشهد خفي غيبي, وقد جاءت في سياق بث الفزع والرجفة النفسية والتصدع القبلي، ولم يأت في هذه السورة الكريمة فعل مبني للمجهول إلا زُلْزِلَتِ - لِيُرَوْ فهذا الانقلاب الكوني يمثل الوجه الآخر للمشهد وهو مجسد في رؤية الأعمال التي من أجلها انقلاب هذا الكون واختل نظامه، وإذا كانت إذ للوقت, ومع ذلك قد صدرت بها السورة, فهي بمثابة الإجابة عن سؤال: " متي الساعة فقال: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} كأنه تعالى قال: لا سبيل إلى تعيينه بحسب وقته ولكن أعينه بحسب علاماته، إن الله تعالى أراد أن يخبر المكلف أن الأرض تحدث وتشهد يوم القيامة مع أنها في هذه الساعة جماد, فكأنه قيل: متي يكون ذلك؟ فقال: إذا زلزلت الأرض. [23]
    وفي مشهد من مشاهد القيامة في سورة التكوير" الذي قال فيها رسول الله صلي الله عليه وسلم: من سره أن ينظر إلي يوم قيامة كأنه رأي عين فليقرأ: " إذا الشمس كورت " و" إذا السماء انفطرت " و" إذا السماء انشقت " " [24] . قال تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَت وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَت وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْوَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَت عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ}[التكوير1 – 14].
    فالمشهد هنا زاخر بالحركة العنيفة المنفلتة من سياقها ونظامها التي كانت تسير في فلكه منذ أمد بعيد, اٍنه " مشهد انقلاب تام لكل معهود, وثورة شاملة لكل موجود تشترك في الانقلاب والثورة الأجرام السماوية والأرضية, والوحوش النافرة, والدواجن الأليفة, أو نفوس البشر, وأوضاع الأمور، ويبدأ المشهد بحركة جائحة, وثورة ثائرة, وكأنما انطلقت من عقالها المردة المدمرة, فراحت تقلب كل شئ، وتنثر كل شئ، تهييج الساكن, وترويع الآمن، والموسيقى المصاحبة للمشهد سريعة الحركة, لاهثة الإيقاع, تشترك بإيقاعها السريع في تصوير المشهد وتمثيله في الإحساس " [25] .
    وقد مثل الفعل الذي لم يسم فاعله دورا بارزا في تصوير الحركة المجهولة في طي الزمان, فالمشهد بدأ بفك الكون وتدميره من أعلى إلى أسفل، بالكائنات غير العاقلة: الشمس, النجوم, الجبال, العشار, الوحوش, البحار, ثم الكائنات العاقلة من النفوس والمؤودة, ثم رجوعها مره أخرى إلى الصحف التي تنشر والسماء التي تكشط, وذلك من الكائنات غير العاقلة؛ ليعود المشهد إلى مظاهره أو كائناته العليا كما بدأ, وكأنه مشهد يكور في دائرة انقلاب وانفلات للنظام في سرعة فجائية صارمة مثلها البدء ب: إِذَ للزمان المفاجئ, ثم تكرارها مع كل حدث مدمر، ومن الملاحظ أن كلمة البحار بالجمع لم تستخدم في القرآن الكريم إلا للحديث عن يوم القيامة، يقول تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ} [التكوير6]. {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ} [الانفطار3].
    ونلاحظ تسلسل الآيتين في القرآن يتناسب مع المفهوم العلمي:
    فأولا: يكون الاشتعال ثم الانفجار وليس العكس, فجاء تسلسل الآيتين أولا سُجِّرَتْ وثانيا فُجِّرَتْ, وهذا مطابق للحقائق العلمية الحديثة. [26]
    وإذا نظرنا إلي هذا المشهد بكائناته وجزئياته, نجد أن التعبير بالفعل الذي لم يسم فاعله هو الأسلوب السائر في كل المشهد عدا جزئية واحدة فقط هي صورة انصباب النجوم وتنافرها وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَت وقد جاء التعبير عن هذا المشهد بالفعل المبني للمعلوم! ولعل السر في ذلك أن النجوم في مراحل انكدارها تمر بمراحل من الميلاد والشباب والشيخوخة قبل أن تنفجر أو تتكدس على ذاتها فتطمس طمسا كاملا: النجوم الابتدائية ثم العادية ثم العماليق الحمر ثم السدم الكوكبية ثم الأقزام البيض ثم فوق مستعر من الطراز الأول ثم الثاني ثم النجوم النيترونية النابضة وغير النابضة والثقوب السوداء والنجوم المفردة والمزدوجة والمتعددة، والنجوم أفران كونية يتم في داخلها سلاسل من التفاعلات النووية التي تعرف باسم عملية الاندماج النووي. [27]
    فيتضح مما سبق أن النجوم تنفرد بخاصية هائلة من طبيعة التكوين والتكون والانتشار والانشطار والانفجار, فلها طبيعتها الكونية التي لا تماثلها طبيعة كونية أخرى فيما عرف من الوجود, وقد أثبت العلم حديثا أن النجوم علي انتشارها الهائل في السماء تشتمل علي درجة حرارة عالية بدرجة مذهلة, وتنقسم تبعا لذلك إلى " نجوم حمراء أقلها حرارة 3200 درجة مطلقة – نجوم برتقالية – نجوم صفراء – نجوم بيضاء مائلة إلي الزرقة – نجوم زرقاء أشدها حرارة 300 ألف درجة مطلقة – الشمس من النجوم الصفراء متوسطة الحرارة, إذ تبلغ درجة حرارة سطحها حوالي ستة آلاف درجة مطلقة ."[28]
    ثَانِيًا: المشَاهِدُ الخَفِيَّةُ
    يجسد الفعل الذي لم يسم فاعله أجزاء المشهد الذي نري فيه موسي عليه السلام يفاجأ بالنداء الذي يأتيه من حيث لا يدري ولا يحتسب فنراه وقد اعترته الدهشة وهول المفاجأة وأخذ يتلفت هنا وهناك؛ ليقف على حقيقة الصوت يقول تعالى:{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى} [طه11]
    {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النمل8]
    {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص30]
    وقد تغاير الفعل من أَتَاهَ إلي جَاءَهَ, لأن"أتي" و"جاء" بمعني واحد, لكن لكثرة دور أن لفظ الإتيان في طه نحو: " فأتياه", " فلنأتينك", " ثم أتي"," ثم أتُوا صَفًّا "، " حيث أتي ", كان لفظ أتاه به أليق, ولفظ " جاء " في النمل أكثر نحو: " فلما جاءتهم ", " وجئتك من سبإ ", "فلما جاء سليمان ", كان لفظ جاءه به أليق, وألحق القصص ب: " طه " لقرب ما بينهما – أي القرب اللفظي في هذا الموضع [29]
    البِنَاءُ لِلْمَجْهُولِ وَإِفَادَةِ العُمُومِ
    يتسم الأسلوب القرآني الكريم – فيما يتسم – بالمرونة والاتساق مع المشاهد واللوحات النابضة بحياة الموقف, حتى إننا لنجد الكلمة بذاتها تأتي في عدة سياقات ولها دلالة مختلفة في كل سياق بحسب ما يقتضيه المعني ويتطلبه المقام, وكلما ازداد الزمان عمرا, وبلغ الدهر شأوا وغاية انبثقت أساليب القرآن وكلماته؛ لتشع بضوئها ونورها؛ لتنطلق كائنات الوجود من جديد بمراميه و دلالته, " وما أشبه القرآن الكريم في تركيب إعجازه, وإعجاز تركيبه بصورة كلامية من نظام هذا الكون الذي اكتنفه العلماء من كل جهة, وتعاوروه من كل ناحية, وأخلقوا جوانبه بحثا وتفتيشا, ثم هو بعد لا يزال عندهم على كل ذلك خلقا جديدا, ومراما بعيدا, وصعبا شديدا "[30].
    والفعل الذي لم يسم فاعله قد جاء في مواضع كثيرة من القرآن ليدل علي دلالة معينة في كل سياق حسب اقتضاء المعنى الذي ما كان ليبرز في جلاء أو رسم واضح إذا جاء الفعل مبنيا للمعلوم، ومن تلك السياقات المفيدة للعموم ما قام فيه ذلك الفعل الذي لم يسم فاعله بدور بارز في إفادة ذلك المعنى، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوضَعِيفاً أَولا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوفَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوكَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة282]
    نهي عن التقاعس عن الدعوة وتلبيها للإدلاء بالشهادة أيا كان الداعي إليها والحق المطلوب إثباته سواء كان الداعي من القريب أوالصديق أو غيرهما ممن لا تربطه بالشهيد رابطة ما, ويقول تعالى: {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [النور51], فالدعوة إلي الله ورسوله عامة, لا تختص بشخص دون شخص, ولا زمان أو مكان دون غيرهما, وإنما يجب الإذعان لله ورسوله وسرعة التلبية، وتصدير الآية بأسلوب القصر إنم والفعل الماضي كان فيه مدح للمؤمنين وإثارة لحمية الإيمان وبعث حفيظته في نفوسهم.
    ويقول تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُويُدْعَى إِلَى الْأِسْلامِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [الصف7], أي: لا أحد أظلم ممن يفتري الكذب علي الله, ويجعل له أندادا وشركاء, وهو يدعى التوحيد والإخلاص[31] أيا كان الداعي, وأينما كان؛ ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الجمعة9] فهنا خصوصية المنادي عليهم, وهم المؤمنون، وعمومية المنادي أيا كان المنادي, وخصوصية النداء المقيدة ب: الصلاة, فهو نداء محصور فيها، والفعل نودي مقيدة بالشرط إذ, وهي أداة نقلت الفعل من الماضي إلي المستقبل المطلق المقطوع بحدوثه كما دلت إذ، ولهذا جاء التعبير بها دون أن الشرطية التي لا تفيد القطع بوقوع الحدث.
    هذا ولوُرُودِ الدعاء والنداء خاصية في القرآن الكريم, فالدعاء في الآيات السابقة بمعنى الدعوة إلي خير كالإدلاء بشهادة أو الدعوة إلى الله عز وجل والنداء يشتمل على البهجة والسرور, كما " أن للنداء في لغة القران خاصية؛ رشحته لأن يكون الله فاعلا له – بلا حرج – كما رشحته ليكون عنوان على طلب الإقبال على الصلاة الآذان, وأن يكون عنوان على طلب الإقبال على الإيمان.
    في كل من الدعاء والنداء خير, بيد أن الخير في النداء أخلص وأصغى, وأظهر تفاؤلا, وأنقى معنى " [32] .
    وفي مادة ظلم جاء الفعل المبني لمفعوله بصيغه الماضي والمضارع؛ لإفادة العموم –أيضا– يقول تعالى: {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً}[النساء148].
    فإطلاق الظلم دون تحديد يعني عمومه لأنواع الظلم، وهذا الاستثناء في الآية لكريمة له دلالة خاصة على إظهار بغض الله – تعالى – للظلم وصاحبه, لدرجة أنه أباح الجهر بالسوء للقضاء على الظلم، وقوله تعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء47].
    فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئ فجو الآية كلها يوحي بالعموم والشمول, عموم النفي للظلم, أوعموم الظلم المنفي الشامل لكل نفس من النفوس, في شيء ما من الأشياء، والتعبير بالجمع الْمَوَازِينَ والمصدر الْقِسْطَ للدلالة على تناهي العدل المطلق.
    وقوله تعالى: { َأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [الزمر69] فهذا المشهد يزخر بالحركة المهيبة أو يبعث في النفس جوًّا من الجلال والإشراق، إشراق الحق والعدل.
    فالأرض كلها تشرق فتظهر مضيئة بنور ربها وخالقها أي: بعدل ربها, أوبحكم ربها, والمعنى: أن الأرض أضاءت وأنارت بما أقامه الله من العدل بين أهلها، وقيل: أن الله يخلق نورا يوم القيامة يلبسه وجه الأرض فتشرق به غير نور الشمس والقمر، ولا مانع من الحمل على المعنى الحقيقي[33], ولإبراز صورة الأرض رأي عين, جاء لفظ الإشراق في وعاء الفعل المبني للمعلوم، ثم تغايرت الأفعال وجاءت غير مسماة الفاعل ووضع – وجئ – وقضي – لا يظلمون فينصرف الذهن وتشخص الأبصار إلي أجزاء المشهد, فيتسلط الضوء علي وضع الكتاب وهو كتاب الأعمال – وتمثل صورة النبيين والشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال العباد من خير وشر[34]، أو الذين يشهدون على الأمم من أمة النبي محمد صلى الله عليه وسلم [35]، نهاية المطاف وخاتمة مشهد أهل الجزاء والإحسان لهذه الفئة؛ ليتسلط الضوء علي ذلك القضاء أو الوفاء, ولذلك بني الفعل لما لم يسم فاعله وقضى لينفي عنهم الظلم علي إطلاقه أو في جنس من أجناسه وأشكاله.
    وفي مادة عف ورد هذا الفعل كثيرا في القرآن الكريم بصيغة الماضي والمضارع المجرد والمسند للضمير, ولكنه لم يرد بصيغة المبني للمجهول إلا في موضع واحد فقط، وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة178] فليس المقصود أو الغرض ذكر فاعل العفو, بل هو على إطلاقه, أيا كان، والعفو: القصد لتناول الشئ, يقال عفاه واعتفاه, أي: قصده متناولا ما عنده، وعفوت عنه قصدت إزالة ذنبه صارفا عنه, فالمفعول في الحقيقة متروك, وعن متعلق بمضمر, فالعفو هو التجافي عن الذنب[36] .
    ومن ذلك العموم قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [لأنفال2] فليس الغرض متعلقا بمن ذكر الله اوالشخص الذي تلا آيات الله بل هوعلي إطلاقه أيا كان ذلك الشخص وإنما يتسلط الضوء علي الذكر نفسه وعلي التلاوة نفسها وما تحدثه من خشية وإيمان.
    البِنَاءُ لِلْمَجْهُولِ فِي مَقَامَي الإِنْكَارِ وَالإِيمَانِ
    تختلف الكلمات المختارة وتتغير حسب مقامات الكلام وسياقاته، وما بالنا إذا كانت تلك السياقات هي سياقات القرآن الكريم التي تحمل المشاهد والدلالات، فيلقي القارئ أوالسامع آيات الله – تعالى – تتلى عليه بمعنى تألفه نفسه, وكلمات يعرفها ويرددها في قوله, ولكن تبقى الروح التي تسري في الجسد من أجل أن تهبه الحياة والحركة الباعثة.
    وعندما حدثنا الله عز وجل عن هؤلاء المعرض

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين ديسمبر 05, 2016 5:46 pm