منتدى اللغة العربية للكلية التقنية بجدة


    البلاغـــة .. و الظاهــرة الأدبية - عبد الغني المقرمي

    شاطر

    محمود عارف

    عدد المساهمات : 5
    نقاط : 18
    تاريخ التسجيل : 14/03/2010

    البلاغـــة .. و الظاهــرة الأدبية - عبد الغني المقرمي

    مُساهمة  محمود عارف في الإثنين مارس 15, 2010 2:21 pm

    التصقت البلاغة العربية بالظاهرة الأدبية منذ نشأتها ولم تنفك عنها إلا في عصور متأخرة سادها الضعف والقصور في جميع مناحي الحياة ومنها الجانب الأدبي.

    فمنذ العصر الجاهلي كانت البلاغة هي الأدب حاضرة فيه لا قواعد وقوانين وإنما مادة حيّة تسري في ثناياه صوراً فنية جميلة وبهاءا يكسبه جمال المبنى، وقوّة تعزز المعنى وتظهره



    وحين جاء القرآن الكريم كان رافداً أساسياً للبلاغة العربية بما قدّمه القرآن من أساليب الإعجاز وقوّة البيان مما جعل العرب على اختلاف مشاربهم منذهلين أمامه لا يملكون غير الدهشة والإعجاب.

    ولم يقتصر القرآن الكريم في دوره البلاغي على تقديم فنون القول وجمالياته كرافد أساسي للبلاغة العربية، ولكنه إلى جانب ذلك فتح آفاق الخيال واسعة في حديثه عن المغيّبات كالجنة والنار ووصفها وصفاً مسترسلا مما وسّع الذهن الأدبي لدى الإنسان العربي ذلك الذهن الذي كان رغم التصاقه باللغة واستيعابه لها ضيق الأفق انعكاسا لضيق الحياة التي يعيشها في صحراء مترامية الأطراف ورمال حارقة وحياة كل مفرداتها الخيمة والمرعى ومصارعة الظروف.

    ولقد كانت إحدى الصور القرآنية هي الباعث الأول في التأليف البلاغي، وذلك أنّ عالماً من علماء المسلمين سئل في قوله تعالى: {طلعها كأنه رؤوس الشياطين) كيف أنَّ القرآن شبه طلع شجرة الزقّوم برؤوس الشياطين، وهو أمر مجهول لا تعرفه العرب، فقال إن ذلك على غرار قول الشاعر:

    أتقتلني والمشرفيُّ مضاجعي

    ومسنونة زرق كأنياب أغوال

    ثمّ راح يتتبع مثل هذه الصور الأدبية في القرآن الكريم ليخرج بذلك عن مؤلف ضخم سمّاه (مجاز القرآن).

    وإلى جانب القرآن الكريم كان هناك الحديث النبوي قمةً في الفصاحة، وأسلوب من أساليب البلاغة راقٍ مثّل مع القرآن الكريم ثنائية جمالية قادت الكثير من أساطين الشرك وعبدة الأصنام إلى التسليم المطلق لله والدخول في دينه (قصة عمر بن الخطاب نموذجا)، كما أنها كانت نموذجاً عربياً فريدا في فن القول لم يسبق إليه ولا يُتأتّي إلى مثله دفع الكثير من المنصفين حتى ممن ظلوا على جاهليتهم إلى الاعتراف بروعة هذا البيان الدافق (الوليد بن المغيرة نموذجا).

    ولقد كان القرآن الكريم والحديث النبوي هما الخلفية الأدبية لجميع ممارسات المسلمين الأدبية من نثر وشعر، وكانت الفتوحات الإسلامية ميدانا لهذا التمثّل الرائع جمعت إلى جانب جمالية الموقف الأدبي روعة الحدث فكانت خطب الفتوحات آية في فن البيان العربي عملت على إظهار روعة دين السماء، وفساد المظاهر الجاهلية، فانطلق المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها كالسهام يدفعهم إلى ذلك استيعاب مطلق بمفردات الدين تلك المفردات التي شملها البيان العربي إظهارا وتوضيحا.

    ويستطاع القول أنّ هذه الفترة مثّلت تماهياً شديدا بين الفن (المتمثّل في الأدبي المثالي)، وبين الدين، وانسحب ذلك التماهي على جميع مناحي الحياة وخاصة لدى الحكام والولاة والقضاة فقلّ أن تجد والياً لا يتعاطى الأدب شعراً أو نثراً وكذلك القضاة والحكام.

    وإذا كانت البلاغة في مراحلها الأولى تمثّلا أدبيا أكثر منها مادة مقعّدة فإن ذلك لا يعني أنّ العرب عجزوا عن التقعيد في هذه الفترات المبكّرة ولكنّهم رؤوا أنّ في استيعاب مفردات هذا الفن وتمثّله أدبيا ما يغني عن البحث في القوانين العامة والخاصة لهذا الفن ومع ذلك فلم يخلُ الأمر من دفقات تقعيدية بسيطة بين الفينة والأخرى.

    وجاءت العصور المتأخرة بعد أن توسّعت رقعة الدولة الإسلامية ومثّلت عائداتها المالية نوعاً من الرخاء، وظهرت الفرق الإسلامية التي نشأ بعضها نشأة سياسية، وبعضها كمولود شرعي للترف الفكري، وبدأت المناظرات والمطاراحات الكلامية مما أدى إلى الاهتمام بفنون القول لدى كل فرقة من هذه الفرق فكان أن زاد اتساع البلاغة وكبرت أجروميّتها، وإلى ذلك كان الأدب نفسه قد وصله ما وصل الحياة من ترف فازدهر ونمى وبنموه كانت البلاغة هي الاخرى في نمو مطّرد.

    مدرسة الجرجاني

    وجاء عبدالقاهر الجرجاني عالماً كبيرا وأديباً مرهف الإحساس فمثّل مجيئه منعطفاً خطيرا في تاريخ البلاغة ذلك أنّه أدرك العلاقة الوطيدة بين البلاغة والأدب، وتوصّل بحساسيته المرهفة إلى أنّ البلاغة ليست قواعد تحدّ العمل الأدبي ولكنّها ظواهر جمالية تنتج عن العمل الأدبي نفسه وراح يقدّم لذلك التعليلات والاستشهادات حتى أسفر ذلك عن نظريته التي تمثّل اليوم محور الدراسات الأسلوبية في الغرب ألا وهي نظرية النظم.

    ويعد كتابي (أسرار البلاغة)، و(دلائل الإعجاز) من أروع ما ألّف في البلاغة الوظيفية، وفيهما خلاصة النظرية البلاغية لدى الجرجاني، وما من شك في أن السبب وراء ذلك هو العقلية الإبداعية والحس الأدبي الذي تمتّع بهما الجرجاني.



    بلاغة اليوم:
    ----------
    ما من شك أن حالة الركاكة والغثائية التي يمر بها الأدب العربي اليوم قد انعكست سلباً على جميع علوم اللغة ومنها على وجه الخصوص علم البلاغة. ومما ساعد على حالة الإنحسار هذه ظهور فئة دخيلة على النقد تحسّن القبيح وتزعم الإبداع في أعمال أدبية ميتة.

    وبناء على ذلك فإنّ إحياء الأدب هو الخطوة الأولى في إحياء علوم اللغة جميعها وبدون الأديب الواعي المبدع تصبح اللغة مواتاً في موات ..

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 07, 2016 7:19 am